مدونة حلمي العلق

قاعدة اللطف

 | Writing-the-Quran

تمهيد

أمام الماسك بالقرآن طريقان للأخذ به، الأول هو من خلال الوراثة، أي أن يأخذ به لأنه ورثه عن آباءه فقدسه لتقديسهم إياه، أما الطريق الثاني فهو من خلال خوض التجربة الإيمانية، والتأمل في آياته حتى الوصول للقناعة التي لا يساورها الشك أنه من عند الله، والطريق الثاني هو المنهج الأقوم للأخذ بآياته وعلومه، وهذا المنهج يتطلب اجتهاد شخصي حتى يصل الفرد تلك القناعة إلى مستقرها وثباتها، وهي من البدايات التي يجب أن لا يتجاوزها المؤمن بالافتراض، فالبدايات الصحيحة توصل إلى نهاية صحيحة، أما البداية الناقصة فقد توقع الدارس في استنتاجات خاطئة.

البحث العلمي التاريخي في جانب عقائدي وإيماني مشوب بالإحتمالات، ولكن الحاسم للأمر هو الإيمان، وهذا البحث يعتمد على أساس هذه البداية، أي على أساس الثبات وعدم الارتياب في القرآن والقناعة القلبية أنه من عند الله، لا القناعة المفترضة. ولهذا الإيمان آثار هامة، إذ يترتب عليه ثباتنا على مبدأ أن كل ماورد في النص القرآني هو صواب مطلقًا، وأن ما ورد في غير القرآن من النصوص الأخرى هو صواب يحتمل الخطأ أو قد يشوبه شيء منه. وهذا الإيمان يبعد التشتت بين ما ورد في النص المقدس وبين ما ورد في غيره من النصوص، وسيجعل منه نقطة مرجعية عليا لبقية النصوص الدينية.

وعليه فإننا في هذه الدراسة نذهب إلى تأسيس فهم هذه القضية من القرآن فقط، والاستغناء في هذه المرحلة عن المصادر الأخرى، ليس تقليلًا من تلك المصادر، ولكن تأصيلًا للمنهج الذي نسير عليه، أن الحق سيثبت من القرآن، ثم يمكن بناءًا على نتائج ما يتحدث فيه القرآن أن ننطلق للبحث عن الشواهد وسرد المصاديق من النصوص الأخرى والتي تتوافق مع القرآن وليس العكس، فنحن لا نبحث في القرآن عن ما يؤكد المنقولات التاريخية أو ما ورد فيها، لأننا معنيون -بالدرجة الأولى- بتصديق القرآن أولًا، ثم البحث عن الشواهد ثانيًا، مع ملاحظة أن البحث عن تلك الشواهد ليس من اختصاص هذه الحلقات.

قاعدة اللطف

مقدمة

نتحدث في هذه الحلقة عن قاعدة اللطف الإلهي، فما الذي نقصده بهذه القاعدة؟ قاعدة اللطف تعني أن الله عز وجل غالب على أمره، ولا أحد من خلقه يستطيع أن يغير في مجرى الأحداث شيء فتتبدل تبعًا لذلك مشيئته وإرادته. سندرس هذا المعنى من خلال آيتين في قصة نبي الله يوسف (ع) وقصة نبي الله موسى (ع)، لنجعل من تلك القاعدة أساس في البحث عن موضوع حفظ القرآن الكريم، ونستعرض بعد ذلك ثلاث آيات هي الآيات التي وعد الله عز وجل فيها بجمع القرآن وحفظه.

قاعدة اللطف

أ- في قصة نبي الله يوسف (ع)

يقول الله عز وجل

﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ يوسف (100).

الآية الكريمة تتحدث عن نبي الله يوسف في المشهد الذي تم فيه تحقق رؤياه التي رآها في صغره وقصها على أبيه نبي الله يعقوب (ع)، وقد تحققت الرؤيا بأن سجد له أبواه وأخوته، تمامًا كما رأى في المنام، ثم بعد ذلك يذكر نعم الله عليه وعلى أخوته إذ أخرجه الله من السجن وجعله وزيرًا للملك، ثم جاء بإخوته من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بينه وبينهم.

ثم يقول نبي الله يوسف (ع) تعقيبًا على هذا الموقف الذي تحقق فيه وعد الله له من خلال الرؤيا ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾، وهذه العبارة المباركة تعني أن الله عز وجل غالب على أمره ويحقق ما يريده ولكن بلطف فلا يشعر أحد أنه سبحانه متدخل في الأمور رغم أن الناس يتصرفون فيها كيفيما يشاؤون، فإخوة يوسف ظنوا ومن خلال إلقاء يوسف في البئر وإبعاده عنهم وعن أبيه، أنهم غيّروا مجرى الأمور وتحكموا في إرادة الله، ولن تتحقق نتيجة لذلك الرؤيا، ولن يكون يوسف سيدًا عليهم، ولكنهم لا يعلمون أنهم بسعيهم هذا إنما يحققون أرادة الله عز وجل دون أن يشعروا. فمهما تجري الأمور ويتصرف فيها الناس فإن إرادة الله ماضية، فإذا أراد سبحانه شيئًا فسيتحقق بإذنه.

ب- في قصة نبي الله موسى (ع)

يقول الله عز وجل

﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ۝ وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ۝ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ۝ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ القصص [10]-[13]

في الفترة التي ولد فيها نبي الله موسى (ع) كان فرعون يُقَتّل أبناء بني إسرائيل، وقد أوحى الله عز وجل إلى أم موسى أن ترضعه فإذا خافت عليه تلقيه في التابوت ثم تلقيه في اليم، وقد فعلت استجابة للوحي، وقالت لإخته قصيه، أي اتبعي أثره واعلمي أي ناحية يأخذه مجرى الماء، فتبعته حتى عرفت أنه ذهب ناحية آل فرعون، وقد ربط الله عز وجل على قلب أم موسى حتى لا يفتضح أمرها وتبدي به، أي حتى لا تنفعل بعد أن أخذه آل فرعون فتأخذها عاطفة الأمومة فتندفع ناحيته ويفتضح أمرها.

وقد أحبت امرأت فرعون هذا الطفل وتعلقت به، ورغبت في أن تتخذه ولدًا وتقوم بتربيته، فبحثت له عن مرضعة تكفله، ولكن الطفل رفض أن يتقبل المرضعات ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْل ﴾ وشعر آل فرعون بالمأزق، وهنا تدخلت أخته : ﴿ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴾؟ وكانت أم موسى حينها على موعد مع القدر، لترى ابنها الرضيع بين يديها مرة أخرى ليس بعلم منهم وحسب بل وبرعاية خاصة من آل فرعون الذين كانت تخشى من قبل أن يمسوه بسوء، ففرعون الذي حاول أن يُنهي على هذا المولود في المهد ومن أول يوم في حياته خوفًا من أن يكبر ويكون سببًا في هلاكه، أصبح هو بنفسه حاميًا له ومدافعًا عنه لكي تتحقق مشيئة الله دون أن يشعر بذلك أحد، فكان الحفظ الإلهي لموسى آية يستشعرها المؤمن الذي يدرك حقيقة اللطف الإلهي، مهما كانت مجريات الأمور.

ما فهمناه من خلال هذين الموقفين من تحقق مشيئة الله عز وجل رغم رغبة البعض لنقضها، هو ما يمكن أن نسميه بقاعدة اللطف، فالله متحكم في مجريات الأمور بلطف خفي، وإن ظن الإنسان أن له من الأمر من شيء لكن الحقيقة هي أن الأمر كله بيده وهو غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. فرؤيا نبي الله يوسف في صغره كانت بمثابة الوعد الرباني بأن يكون هذا الطفل رسولًا وذا شأن فيعلو على بقية إخوته، وقد كان ذلك، وكان الوحي يعد أم موسى أن إذا ألقته في اليم، سيعود لها مرة أخرى، فألقته بإيمانها رغم ما تراه العين من أنه مصدر للهلاك، لكنه تحول بلطف الله إلى مصدر أمان، ونجى موسى (ع) وتحقق وعد الله لإم موسى ولبني إسرائيل بنجاتهم وهلاك عدوهم.

ونقف عند هذه المحطة لنتساءل: أي وعد وعده الله عز وجل لهذه الرسالة؟ لنكون على يقين من تحققها من عصر النبوة وحتى يومنا هذا؟ نستعرض في هذا الشأن آيات الحفظ الثلاث، وهم آية الجمع، وآية الحفظ وآية لا يأتيه الباطل.

جمع القرآن وحفظه

أ- آية جمع القرآن

يقول الله عز وجل :

﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ۝ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ۝ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ۝ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾القيامة [16]-[19]

في هذه الآيات المباركة يطمئن الله عز وجل نبيه محمد (ص) على مصير القرآن الكريم بوعد رباني ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾، فجمع القرآن هو في كفالة الله، وكذلك كيفية قراءته، وهو الذي سيبين معانيه وألفاظه. ونحن بإيماننا بهذا القرآن نعتقد أن جمع القرآن تم كما أراد الله، ووصلنا مرتبًا بسوره وآياته حسب مشيئته وإرادته عز وجل، استكمالًا لحجته على خلقه.

والآيات تشير إلى تطمين إلهي إلى النبي محمد (ص)، وهذا التطمين لا يأتي عبثًا، وإنما يكشف أن مسألة جمع القرآن كانت هاجسًا يساور قلب النبي حرصًا منه على حفظ هذا الكتاب بعد انتهاء فترة التنزيل، ولأن الرسالة لازالت تتنزل على الرسول تباعًا فإن هذا الأمر لم يأت بعد، والله عز وجل الذي أنزل هذا الكتاب محفوفًا بالملائكة المكرمين في ليلة هي خير من ألف شهر قد قدر لهذا الكتاب أمر جمعه وحفظه وانتقاله من زمن الرسالة للأجيال اللاحقة.

ب- آية حفظ القرآن الكريم

يقول الله عز وجل:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ الحجر [9]

هذه الآية الكريمة تبيّن أن عهدة حفظ القرآن الكريم بيد الله عز وجل، ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ﴾ الذكر هو القرآن الكريم، ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ هذا وعد من عند الله بحفظه، وهذا يضمن أن لا تناله يد العبث والتغيير. إذًا آية الجمع ضمنت أن يجمع كما أراد الله، وبعد أن يجمع سيحفظ فلا تتبدل فيه كلمة واحدة.

ج- آية لا يأتيه الباطل

يقول الله عز وجل:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ۝ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ فصلت (41)-(42)

الآية المباركة تلفت النظر إلى عزة القرآن التي هي مدعاة لأن تمنع المتأمل فيه من الكفر به، هو كتاب عزيز رفيع القدر لا يتمكن عدوه من أن يناله بأن يأتيه بباطل، أفلا ينظر الناس إلى أن هذا القرآن قد عصم من يد العابثين فيه؟! إذ لا توجد قرائين برسوم مختلفة، إنما هو رسم واحد في كل الأقطار، وفي كل مكان منذ أكثر من أربعة عشر قرن من الزمان ليومنا هذا، والآية تلفت النظر إلى أن هذا الامر راجع إلى عزة القرآن، وهذه العزة من عزة الله تبارك وتعالى.

خاتمة

رأينا أن الله عز وجل لطيف لما يشاء في شؤون الحياة، وخصوصًا فيما يتعلق بالرسالات وقصص الأنبياء، وقد رأينا كيف أن الله حفظ يوسف (ع) من القتل، وقدر الله وما شاء فعل فكان هو المنقذ لإهله وعشيرته وتحقق وعد الله فيه، ووجدنا كيف حفظ الله موسى من القتل، وقدر الله وما شاء فعل فكان على يديه نجاة بني إسرائيل، وقد تحقق وعد الله فيه وعلى يديه. والسؤال الذي نطرحه الآن في موضوعنا الراهن، إذا كان الله عز وجل قد حفظ القرآن من العبث ومن أن يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، فما قصة هذا التنزيل حتى وصل إلينا محفوظًا مصانًا من التبديل؟

هل تم ذلك الحفظ بواسطة الإعجاز بعيدًا عن سنن الحياة؟ أم أن اللطف الرباني تدخل في مجريات الأمور؟ أم بهما معًا؟ لاشك أن الله عز وجل قادر على أن يحفظ كتابه بالإعجاز فيمنع عنه الاعتداء فلا يتمكن أحد من أن يناله بالعبث! ولكن نعلم أنه سبحانه يُوصي نبيّه والمؤمنين باتباع سنن الحياة حتى في المواجهات والحروب، فيأمره – مثلًا - أن يحرّض المؤمنين على القتال، ويوصي المؤمنين بأن يعدو العدة، ثم بعد كل التجهيزات تكون العقيدة حاضرة في قلب المؤمن وهي: أن النصر من عند الله العزيز الحكيم، وقد رأينا في حفظ النبيين الكريمين يوسف وموسى عليهما السلام أنه كان بلطف وخفاء، فكانت مجريات الأمور كما هي أمام ناظر الناس، ولكن إرادة الله كانت هي الغالبة.

كذلك في موضوع جمع القرآن الكريم و حفظه من أعداءه المغرضين أو بسبب النسيان، فهذا الأمر يحتاج إلى إجراءات وخطوات، فما هي هذه الإجراءات؟ وهل يمكننا أن نجدها في القرآن الكريم؟ هذا ما نسعى لمعرفته من خلال الحلقات التالية إن شاء الله. ففي هذه الحلقة تعرفنا على الوعد الإلهي في هذه الثلاث آيات، أما في الحلقات التالية فنتعرف على ما يمكن أن يكون سببًا لحفظ القرآن.