مدونة حلمي العلق

أجيبوا داعي الله

 | afala-yatadabron

مقدمة

تحدثت سورة الأحقاف عن إيمان نفر من الجن في أربع آيات، رأينا في الآيتين الأوليين ومن خلال الحلقة السابقة كيف حصل لهؤلاء الجن ذلك الإيمان المباشر بالقرآن الكريم، وقد حولهم هذا الكتاب في لحظة اللقاء الأول إلى رسل منذرين إلى قومهم، ولقد تبيّن لنا عدة أمور في صفات هؤلاء النفر أهلتهم لهذا الإيمان المميز، أول تلك الصفات هي الإصغاء الذي هو أعلى من الاستماع السطحي، أما الأصل الذي دفعهم لهذا الإصغاء هو معرفتهم بالله، واتضح لنا من خلال تعبيراتهم أنهم يملكون قلوبًا تنظر إلى المضمون وتعرفه، ولا يثنيهم عن الاعتراف بالحقيقة كِبر أو تعالي، وأخيرًا يمكننا أن نرى أنهم يمشون في الأرض بنور من عند ربهم، هم يؤمنون بالتوراة ويعلمون مافيها ولقد علموا بعد سماعهم للقرآن أنه مصدق لها فأخذوا بها وآمنوا.

عنوان حلقتنا هو (أجيبوا داعي الله) وهو مستوحى من الآيتين (31) و ( 32) من سورة الأحقاف، وهنا نحاول أن نكمل التأمل فيهما لنستوعب صفات وميزات هذا الإيمان القوي بالقرآن الكريم، والذي تعرضه هذه السورة كنموذج يحتذى به.

يتمحور حديثنا في هذه الحلقة حول نقطتين رئيسيتين: الأولى في تحديد الرؤية العامة لهؤلاء النفر من الجن، أما النقطة الثانية فتتمثل في تساؤلات هامة حول هتين الآيتين الشريفتين.

أجيبوا داعي الله

النقطة الأولى : الرؤية العامة

يقول الله سبحانه وتعالى في الآية (31)

﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ الأحقاف (31)

نحاول أن نستطلع الرؤية العامة لهؤلاء النفر في ثلاث نقاط : الأسلوب، الهدف والرؤية، نستطلع أسلوبهم في الحديث مع قومهم لأن أسلوب الحديث يعكس طبيعة المتحدث وطريقة تفكيره، ثم نحاول فهم هدفهم من الدعوة، وأخيرًا نستنتج رؤيتهم التي تشغل حيزًا كبيرًا من تفكيرهم وتؤثر على قراراتهم وتعاطيهم مع الأحداث:

الأسلوب

نلاحظ من الآية الشريفة أن أسلوبهم هو أسلوب المشفق على أخيه، المشفق على قومه وبني جلدته والمحب لهم ، ويتجلى ذلك في خطاب النداء في قولهم " ياقومنا " وهذا النداء يبرز انتماءهم وصلتهم بقومهم ، والتي تبعد أي إحساس بالكراهية أو شعور بالعداوة و البغضاء أو حب التعالي، كلمة "ياقومنا" تُشعر بالمحبة وترغّب الآخر في أن يستمع من منطلق هذه الصلة لأنها كلمة تقريب وتودد وتواضع.

الهدف

هو الخلاص من تبعات عدم الإستجابة لهذه الدعوة، أي الخلاص من العذاب، هدف هؤلاء النفر من الجن هو أن يغفر الله سبحانه وتعالى لهم ولبقية قومهم ذنوبهم، وأن يجيرهم الله من عذاب أليم، فالابتعاد عن كلمات الله يُوقع الإنسان في خطر يوم القيامة، ومن هنا ينطلق الإنذار.

هؤلاء الدعاة و بأسلوب المشفق يريدون أن يصلوا لهذا الهدف، فليس الهدف هو التعالي على قومهم كونهم وجدوا الحق، ولم يكن هدفهم البغي أو الجدال والاختلاف والتعارك، ولكن الهدف هو ينقذوا أنفسهم وقومهم من خطر الابتعاد عن كلمات الله، وأن يأخذوا بأيدي بعضهم البعض للصلاح والنجاة من عذاب النار : (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31)﴾

الرؤية

رؤيتهم نحو الله رب العالمين، هم لا يرون غيره، ولقد اتضح ذلك في حديثهم المشبع بهذه الرؤية، وبالتحديد في قولهم " أجيبوا داعي الله" ، في هذه العبارة الشريفة يتضح أن أنظارهم تتجه نحو الله في تعاملهم مع الداعي، في العبارة تنكير للداعي في شخصه وتعريف له بدعوته ووظيفته وفي مضمون ما يتحدث به وهو الله سبحانه وتعالى. هذه العبارة تساوي في مضمونها حسب رؤيتهم " استجيبوا لربكم" أي أنهم يرون أن تعاملهم مباشر مع الله، ووجود بشر واسطة في إرسال هذه الرسالة لا يحجب هذا التعامل ولا يوقعهم في الفتنة كما وقع الكثير من الناس، ذلك لأنهم يعيشون حالة الخوف من الله والثقة به في نفس الوقت.

هذه الرؤية العامة التي نستشفها من هذه الآية الشريفة يمكن أن نراها في الآية التالية أيضًا:

﴿مَنْ لا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ الأحقاف (32)

نلاحظ في هذه الآية كيف يوجهون أنظار قومهم نحو الله الذي يشغل حيزًا كبيرًا من رؤيتهم، ويحذرّون منه ومن عقابه كهدف يسعون لتحقيقه في أنفسهم وفي قومهم، فمن لا يجب داعي الله فلن يعجزه أن يحضره يوم القيامة للحساب، ولن يتمكن من الاحتماء بولي غيره سبحانه وتعالى.

النقطة الثانية: تساؤلات هامة

1- عندما يأمرون قومهم بالاستجابة، فماذا يقصدون؟ يجيبوه في ماذا؟ هل بتصديقه فقط؟ وهل دعوته محصورة في ضرورة تصديق أنه رسول وحسب؟

كلام الله يأمرهم في تغيير عقائدهم وأفكارهم وأحكامهم، وهنا يكمن مضمون الإجابة، أجيبوا ما يأمركم به، ائتمروا بأوامره وانتهوا بنواهيه، واعتقدوا كما يأمر من عقائد، وأقيموا أحكامه، وطهّروا قلوبكم من الشرك ومن كل معتقد مخالف لكتاب الله، هكذا تكون الإجابة، والإجابة تكون بالتطبيق والامتثال لا بالتصديق فقط.

2- كانت دعوتهم إلى قومهم أن أجيبوا داعي الله وآمنوا به، أليس من الترتيب المنطقي أن يقال: آمنوا به وأجيبوه؟ فالإيمان هو الأول في الترتيب؟

سبقت الإجابة الإيمان لأن المؤمن يبدأ بالتصديق ثم يزداد إيمانه حين يستجيب، لأن المطلوب أن تكون الإجابة مباشرة وسريعة حتى يتحصل الإنسان على مزيد من الإيمان، وهذا هو نفس الترتيب الذي نجده في آية شريفة من سورة البقرة بعد آية الصيام الشريفة، التي تقول: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)﴾ فقد قدم الإجابة إلى أوامره على الإيمان.

3- كلمة ضل تقال لمن؟

نقول عن أحد أنه ضل الطريق إذا تحرك إلى وجهته رغبة في الوصول إلى هدفه ثم بعد الجهد والحركة فإذا لم يصل إلى وجهته يقال أنه ضل الطريق، على الرغم من تحركه وسعيه وسيره وبذل الجهد،

4- وكيف نفهم هذا الضلال في سياق دعوتهم للاستجابة للقرآن؟

هم يدركون أن الذي لايستجيب لدعوة القرآن الكريم فإنه لن يعجز الله هربًا، وأولئك في ضلال مبين، وهذا يعني أن أي سعي أو جهد يُبذل في السير إلى الله خارج إطار هذا الكتاب فهو جهد ضائع ولن يوصل الإنسان إلى هدفه إن كان يسعى إلى مرضات الله عز وجل، عدم استجابة الإنسان لهذه الدعوة هو ضلال مبين واضح لا شك في ضلاله.

خاتمة

تنقل لنا سورة الأحقاف نموذجًا إيمانيًا بالقرآن الكريم، ويمكننا أن نعتبر هذه النماذج مداخل حقيقية لكيفية اعتبار كتاب الله والتعامل معه والأخذ به.

اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واهدنا بهذا القرآن الكريم كما هديت الذين من قبلنا، وارحمنا واحشرنا مع الصالحين يوم نلقاك والحمد لله رب العالمين.