كأن لم يسمعها
| afala-yatadabronمقدمة
لا يدع القرآن الكريم مساحةً للتردد في التعامل معه أو الوقوف موقف الحياد أمام قضاياه، فلا يمكن لأحد أن يولي عنه زاهدًا فيه وراغبًا عنه لأي جهة أخرى، لا يُوجد مع كلام الله مستمعٌ محايدٌ لما يسمع، فالمستمع إما أن يكون قد سمع واستجاب أو لم يستجب، وإن لم يستجب قيل عنه أنه لم يسمع، فيتبدل الحكم فيه من عدم الاستجابة لعدم السماع، وكأن المستمع الحقيقي لا خيار له غير الاستجابة، أو أن الذي لم يستجب لا سمع لديه، وكأن جهاز السمع خلق من أجل معرفة الحق والاستجابة له وحسب.
منطق الموقف الواحد هو ظاهرة قرآنية جديرة بالاهتمام والتفسير كونها متكررة في مواقع عدة، واحدة من تلك الآيات التي تحاصر القارئ وتجعله بين خيارين لا ثالث لهما هي آيات في مقدمة سورة لقمان، آيات كريمة وردت فيها عبارة هامة وهي " كأن لم يسمعها " في وصف من تولى عن آيات الله، نحاول أن ندرس هذه الآيات ونخرجها من خصوصية المصداق الزماني والمكاني وسبب النزول إلى عموم المفهوم الذي تتحدث فيه حتى نستوعب الظاهرة ونفهم بُعدها الإيماني وسبب ذلك التضييق في الخيارات، مستفيدين من ذلك في فهم كيف يجب أن يكون الارتباط بالقرآن الكريم، ثم نختم بوصية من وصايا لقمان الحكيم والذي تعطي نفس الدلالة لما فهمناه في هذه الآيات الكريمة.
يقول الله عز وجل في كتابه المبين:
﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ﴾ لقمان [6]-[8]
لفهم هذا المقطع من الآيات المباركة نحاول الوصول إلى إحساسها ومنطقها قبل الذهاب إلى معاني ألفاظها، ولكي نستلهم ذلك الإحساس نتوجه لعبارة جوهرية فيها وهي في قوله تعالى : "كأن لم يسمعها" ونتساءل عن المعنى من وراء هذه العبارة! نص الآية يقول أنه سمع الآيات ولم يستجب لها وكأنه لم يسمعها، فتربط السمع بالاستجابة، وتفترض من العاقل أن يستجيب، فما الذي يخبئه هذا النص من معاني أخرى؟ وخصوصًا أن العبارة قد تلت وصف الاستكبار لهذا الذي تولى على الآيات.
بالنظر الدقيق لقوله تعالى "كأن لم يسمعها" فإن التركيز فيها على ردة فعل السامع، فهو أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن يسمع ويستجيب أو أن يسمع ولا يستجيب، والمتتابعة المعنوية تتوالى بعد ذلك ليكون المعنى إما الاستجابة أو التولي والاستكبار، ولا ثالث لهذين الخيارين أيضًا، بمعنى آخر لا يوجد محايد في قضية الآيات.
لفهم تلك المتتابعة نطرح التساؤلات التالية : هل هناك تولي عن الآيات بلا استكبار؟ هل يمكن لأحد أن يتولى عن القرآن ولكن لا يكون ذلك التولي استكبارًا؟ أم أن الاستكبار متلازم مع التولي؟ هل يمكن لمؤمن أو غير مؤمن أن يتولى عن الآيات بتواضع؟ فيكون ذلك التولي مقبولًا ؟! يبدو من الآية المباركة أنها ترفض التولي عن الآيات في الأساس بدلالة العبارة " كأن لم يسمعها " فهذه العبارة تفرض ردة فعل إيجابية تجاه استماع الآيات، وعليه ترفض التولي والآية تصف حالةً لا تأتي إلا في رداء واحد وهو الاستكبار، ومنه نفهم أن الاستكبار حالة كل من يتولى عن الآيات.
في كل المواضيع يمكن للمرء أن يكون مقبلًا أو مدبرًا أو محايدًا، ولكن الآية تلغي الخيار الثالث وتضيق الخيارات وتحصر المستمع بين خيارين إما القبول والإقبال أو الرفض والاستكبار، والسؤال هو : ما الذي ضيق الخيارات؟ وما الذي أوصل الموضوع من استماع لكلمات إلى موضوع استكبار؟ بأي منطق يمكننا أن نفهم هذا الانتقال؟ وهذا التضييق؟
لا يمكن قبول ذلك إلا إذا كان التولي عن هذا الموضوع ليس مجرد تولي عن كلمات، ولا يمكن اعتباره موضوعًا كأي موضوع من مواضيع الحياة، ولا وجهة نظر كأي وجهات النظر المتداولة في أي قضية، وإنما هو تولي عن قضية كبرى متعلقة بالمرسل وهو الله عز وجل، ولأن الكلمات والقضية متعلقة به سبحانه لذا ترتفع الحساسية وتضيق الخيارات، ويتحول الأمر من مجرد حالة عدم استماع إلى حالة عدم تقدير، فالرفض هنا لا يعد وجهة نظر أو عدم اهتمام من شخص عابر لكلمات قيلت، وإنما يُعد عدم تقدير.
بناءًا على فهم تلك الأسس المستوحاة من صلب هذا المقطع المبارك نعيد القراءة، فالقاريء أو المستمع لكلمات الله هو أمام الله لأنه أمام كلماته، والحجة قائمة عليه لأنه سمعها، وهي بينة واضحة لتحقق تلك الحجة، و ندرس كلماتها ثم نضع تلك الكلمات في ذات السياق.
يقول الله عز وجل :
﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ لقمان [6]
تطالعنا هذه الآية الكريمة بقولها "ومن الناس" لنتوجه بتلك المواجهة القاضية بمحاصرة القارئ وتضييق الخيارات أمامه لكل الناس، فالخطاب موجه لا يختص بطبقة دون أخرى، وهذا الخطاب يعمم الحجة على الجميع ببيان القرآن ووضوحه، والقرآن هنا – كما هو في مواطن أخرى - يتجاوز الطبقية ليصل برسالته إلى كل الطبقات ويصل للمُرسل إليه بلا واسطة، ليعتمد بعد ذلك على أن ذلك الوصول حجة يُحتج بها يوم القيامة، فلا ينفعه بعد ذلك التبرير، وكل من يخالف القواعد الربانية التي أقرها الله في كتبه المنزلة وتجاوزها سيحاسب على ما واجهته به الآيات وما فهم منها من حق.
إذا كان الأمر كذلك لمن يستمع ثم يتولى، فكيف بمن "يشتري لهو الحديث" ليبدّل كلام الله؟ ويغيّر اتجاه ومسار دينه بكلمات أخرى؟ الشراء هو مقايضة شيء بشيء آخر، وهذه المقايضة تقتضي الإزاحة، والإزاحة تعني أخذ المقام، ومقام الآيات هو مقام القداسة، إذ لا يمكن لكلمات أن تأخذ دورها الفاعل في النفوس حتى تأخذ هذا الموقع، فتزاح كلمات عن موقعها ومكانتها لتحل مكانها كلمات أخرى فتأخذ نفس الدور ونفس الفاعلية، فيكون معنى الشراء هو التبديل برغبة في ذلك البديل و تلك المقايضة، "اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا".
والآية المباركة تكشف سر ذلك التبديل إن سألنا لماذا؟ تقول "ليضل عن سبيل الله" وسبيل الله هو التعبير الآخر للكتاب المنزل والآيات البينات، فهي من تبين سبيل الله، وهذا الذي اشترى لهو الحديث لا يريد ما أنزل الله ولا يريد ما فيه من أحكام وعقائد وشرائع، بل يريد أن يضل الناس عنه لسبيل آخر هو يهواه، فيوجههم بـ"لهو الحديث" إلى حيث يهوى، يوجههم بغير علم فيسعى في الصد بذلك اللهو عن مشروع الإنسان الأهم في هذه الدنيا وعن أهم كلمات يمكن أن يسمعها لذا استحق بذلك العذاب "أولئك لهم عذاب مهين" وهو عذاب مخصص بالإهانة لأنه أهان كلمات الله بتعمد.
والحديث أو أي شيء لا يعد لهوًا إلا إذا كان شاغلًا ومبعدًا عن موضوع أهم، قد لا يكون لهوًا في ذاته لكنه إذا وضع لغاية الإبعاد عن كتاب الله وكلماته وشرعه وأحكامه وعقائده عد لهوًا، ومن هذا نستنتج أيضًا العلاقة التي يريدها الله عز وجل من المؤمن مع كتاب الله، فهي علاقة فردية أصيلة لا يراد لهذه العلاقة أن تبهت أو تضعف أو تنصرف إلى حديث آخر غير هذا الكتاب.
أما في قوله " يتخذها هزوًا " فالمتخذ هزوًا هو الآيات الكريمة التي افتتحت السورة المباركة الحديث عنها، واتخاذ الشيء هزوًا ليس بالضرورة أن يكون استهزاءًا صوريًا بائنًا ولكنه في الاعتبار، وهذه الاعتبارات تفهم من خلال معنى القول والحركة، مما يدل على أن هذا الذي يشتري لهو الحديث ليس من خارج كيان أهل الإيمان بالكتاب، وليس من الذين يعلنون كفرهم وانفصالهم عنه، ولكنه في حقيقته لا يتعامل على أساس الإيمان به بحق الإيمان.
﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ﴾ لقمان [7]-[8]
﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً ﴾ يتتابع الحديث عن ذلك الذي يشتري لهو الحديث، فهو في حالة نفور من الآيات، وهو لا يولي عن الآيات مستكبرًا وهو لا يعلم معناها ولا يفهم ما تأمر به، بل يعي ما تقوله الآيات ولكنه يولي مستكبرًا لأنه لا يريد أن يسمع ما يسمعه، فهو لا يريد أن يخرج عن ما ألفه واعتاده، هو يولي عن الآيات أي يبتعد عنها ويوليها ظهره مما يشير إلى عدم الاهتمام وعدم الاكتراث، و " مستكبرًا " لأن الآيات هي حديث الله وهي في مقام الأولوهية، ولا يحق للعبد إلا أن يسمع ما يريده منه سيده ومولاه.
﴿ كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً ﴾ عندما تشبه الآية الكريمة توليه عن الآيات بعدم السماع، فهي تعرض درجة عدم الاهتمام في قبال أمر يجب الاهتمام به، فالعاقل حين يسمع التحذير يستجيب ولا يعرض لأنه هو المستفيد من ذلك التحذير، ولكن الذي لا يستجيب ولا يتأثر رغم وصول القول هو تمامًا كمن لم يسمع أو كمن أغلق جهاز السمع عنده ، ولكن الحقيقة أنه رفض الاستجابة " فبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ " .
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ﴾ بالتقابل مع الآية السابقة نفهم أن الذين آمنوا هم أولئك الذين أقبلوا على آيات الله واستجابوا لها ونتيجة لتلك الاستجابة عملوا الصالحات فاستحقوا بذلك جنات النعيم. فالإقبال الحقيقي يتبعه العمل بها، أما الإدبار عنها والاستكبار عليها فيعني إهمال الأوامر وإهمال التغيير والعمل على أساس غير ما تأمر به.
وجدنا في هذا المقطع كيف أن الله سبحانه وتعالى ربط المؤمن ربطًا وثيقًا بكتابه المنزل، فلا يمكنه التولي وعدم السماع، وإن سمع فلا يمكنه عدم التطبيق، وهذا بدوره يؤسس لعلاقة قوية وفردية للمؤمن مع كتاب الله، ومن خلال هذه العلاقة يبدأ بقياس الواقع والنظر إليه، وعلى أساس هذه النظرة نقرأ المقطع التالي من نفس السورة في وصايا لقمان الحكيم لابنه والتي من خلالها سيتضح درجة العلاقة.
يقول الله عز وجل :
﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ لقمان [13]-[15]
في هذه الآيات المباركة يوصي لقمان الحكيم ابنه بأول وصية من وصاياه وهي أهم وصية بأن لا يشرك بالله لأن الشرك ظلم عظيم، وهو ظلم لأنه إنقاص من حق الله وإعطاء غيره ماليس له بحق، ثم توصي الآية التالية الإنسان بوالديه لعطائهما ولما لهما من حق عليه، ثم تأت الآية التالية وهي الآية [15] محذرة الإنسان بطاعة والديه فيما ليس له به علم.
﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ لقمان [15]
في هذه الآية المباركة يتبين قوة العلاقة الفردية المفترضة بين العبد وكتاب الله، والتحيّز الكامل لعلومه، ويتجسد في الآية ارتهان المؤمن لحقائقه، إذ لايمكن لهذا الشاب وهو في مقتبل عمره أن يطيع والديه في شيء يخالف ما أنزل الله، فمنه مصدر العلم الذي يريده الله من العباد، ثم توصيه أن يتبع سبيل من أناب إلى الله وهو سبيل الله الواضح البيّن في كتابه. هي حكمة ووصية ربانية تعد دستورًا للمؤمن في حياته.
لهذا الحديث تتمة إن شاء الله.