اتبعوا ما أنزل الله
| afala-yatadabronمقدمة
تحدثنا في الحلقة الأولى وتحت عنوان " كأن لم يسمعها " عن قوة الجاذبية التي تفرضها الآيات من خلال رفض أن يكون المستمع غير مكترث بما يسمع، ولهذا الفهم متتابعة معنوية أخرى وهي أنه إذا كانت الآيات الكريمة تفرض على المؤمن أن يصغي بسمعه لكلام الله وتطلب منه الاستجابة، فهذا الطلب لا يكون لازمًا إلا إذا كان الحديث بينًا واضحًا لدى المستمع، وعليه تفرض الحجة، وبالحجة تجوز المحاسبة والعقاب.
نكمل الحديث وفي ذات الموضوع وفي نفس السورة ولكن بعد عدة آيات وتحت عنوان مستوحى من ذات المقطع وهو " اتبعوا ما أنزل الله " لنجد أنفسنا أمام قوة جذب أخرى تأسرنا للنص فلا نستطيع الفكاك من أسره ولا الهروب عنه إلى نص آخر، ولنفهم بعد ذلك الربط بين المقطعين وما دلالات هذا الربط، ثم نختم بنتائج ما فهمناه من خلال دراسة المقطعين.
يقول الله عز وجل في سورة لقمان :
﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ﴾ لقمان [20]-[22]
تكمل سورة لقمان الحديث عن ذات الموضوع الذي استفتحت به السورة بعد عدة آيات وبعد استعراض آيات حكمة لقمان (ع)، لقد كان المقطع الأول يدعو إلى عدم التولي عن الآيات أما هذا المقطع فيأمر باتباع ما أنزل الله، ثم إن هذه الآيات في المقطع الأول بينت أن الاستكبار كان مانعًا من قبول الآيات والإقبال عليها، أما هنا فبينت أن ميل وارتباط الإنسان بما وجد عليه آباءه هو المؤثر في ذلك الابتعاد عن آيات الله وأحكامه، ذكر المقطع الأول وسيلة الإحراف عن كتاب الله باستخدام لهو الحديث، أما في هذه الآيات الكريمة فبينت المستثمر الحقيقي والخفي وراء ذلك التوجه وهو الشيطان الرجيم، وبينت أين يكمن وأي وسيلة يستخدم وما هو هدفه الأساس.
إذا لازلنا في ذات السياق، الحديث في هذه الآيات عن الميل عن ما أنزل الله، وعلى هذا الأساس سنقرأ الآيات بدءًا من الآية الأولى.
يقول الله عز وجل في الآية الأولى من المقطع :
﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴾ لقمان [20]
تبدأ الآية المباركة بالتذكير بنعم الله وفضله على الناس بما سخره لهم في السماوات والأرض وبما أسبغه عليهم من نعم، وكأنها تقول وعلى الرغم من كل ذلك الوضوح من أحقيته عز وجل في الربوبية إلا أن هناك طائفة من الناس تجادل في الله " ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدًى ولا كتاب منير " لتعيد الحديث عن بعض الناس كما تحدث المقطع الأول وتعترض الآية على أنه يجادل في الله بغير علم، ليخالف كتاب الله أو ليفرض شيئًا آخر.
تقول الآية المباركة في خاتمتها "ولا كتاب منير" والمقصود هو الكتب السماوية هي التي تنير للمؤمن سبيله الذي يسعى به إلى الله، والمؤمن يهتدي بنور هذا الكتاب إلى العلم الذي يريده الله عز وجل، الكتاب المنير هو فاتحة الهدى وفاتحة العلم، والآية تجعل من الكتاب محورًا أساسًا للعلم عن الله.
الآية الكريمة تتحدث عن مقاومة بعض الناس لكتبها السماوية وعدم استسلامها له، والجدل في الله هنا هو رفض غير صريح لمفاهيم وأحكام الكتاب السماوي وشرائعه، فالإنسان لا يعبر عن رفضه الصريح وإنما يحوره إلى عنوان آخر، فيعارض الآية بالجدل باحثًا عن مخرج للمأزق الذي أوقعته الآية البينة فيه، يجادل ولكن من خارج الكتاب، فلا يستخدم علوم كتابه ولا هداه ولا مفاهيمه، لكنه يلجأ إلى عناوين أخرى عله يتمكن من إعجاز الآية حتى لا تأخذ دورها في التأثير ويبقى محافظًا على ما ألفه وما وجد عليه آباءه. أما المؤمن الحقيقي فيسلم للآية حبًا وكرامة وبلا مقاومة، وقادر على التغيير وتطبيق ما يأمر به الكتاب.
وللآية معنى شفاف يتجلى خلف الألفاظ يستشعره القلب، فالله عز وجل يمنّ على الإنسان موبخًا إياه: كيف يكون منك أن تجادل الذي أسبغ عليك كل هذه النعم وأنت شاهد عليها؟ كاشفًا بذلك المن حقيقة كذب الجدال في أن يكون جدلًا حقيقيًا معبرًا عن رغبة المجادل في الوصول للحق، الآية تتجاوز كل تلك الإدعاءات الشكلية واصلًا إلى عمق المشكلة التي تسكن قلب هذا المجادل قائلًا له: تنبه أنت لا ترفض برفضك الحكم أو العقيدة أراء أو أفكارهم أو نظريات بشر، فتجادلهم رغبة في دحض تلك الأفكار ، وإنما أنت في الحقيقة ترفض كلام الله، ومرة أخرى يمكننا أن نلمس قاعدة التعامل المباشر الله – العبد ولكن بشكل غير مباشر.
وأخيرًا نتأمل في العبارة المباركة " وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله" تأمل كم تحمل هذه العبارة القرآنية من معنى جحود عبد مخلوق يقابل به خالق منعم كريم. فقط لأن ما يأمر به الله لا يتوافق مع ما وجد عليه آباءه، ومرة أخرى تدفع هذه الآية الإنسان للخضوع أمام النص القرآني ليسلم قياد أمره للقرآن طائعًا بلا مقاومة.
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾ لقمان [21]
" وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله" العبارة مبنية للمجهول، والاعتبار للمقولة نفسها، والله يعقب على ردود أفعالهم تجاه هذه المقولة، هي كلمة حق فكيف تكون ردود الأفعال؟ " قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا" من خلال هذه المقولة تتضح الوجهة التي تولوها، قولهم " ما وجدنا عليه آباءنا" تعني أنهم امتداد لما ورثوه من أفعال وأقوال، ومن خلال هذا الرد يتضح لنا سبب شراء لهو الحديث الذي درسناه في المقطع الأول من نفس السورة، فالقرآن إذا تلي يزهق الباطل، واتباعه يعني مخالفة ما وجدوا عليه آباءهم، ولهو الحديث يُشترى، ومن يشتري الشيء يبحث عنه أولًا ثم يشتريه رغبة فيه، ورغبة في ذلك الإلهاء حتى لا تأخذ آيات الله موقعها فيزهق ماهم عليه ويعود الناس إلى جادة الصواب.
" أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير" لن يتمكن الشيطان من أن يأتيهم من كلام الله، لأنه كلام محكم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكن يأتيهم من حيث لا يتوقعون، إنهم يظنون أنهم يتبعون الحق الذي خلفه آباءهم ولا يظنون أنهم يخالفون الحق، ولا يعلمون أن الشيطان يكمن لهم من هذه الزاوية التي لا يتوقعها الإنسان.
الآية الكريمة تعرض مشكلة عميقه في الوجدان لا تزال قائمة في تاريخ الرسالات، وهي الفجوة التي تتجسد أمام المؤمن بين معتقده الذي يجد عليه آباءه وبين المنصوص عليه في الكتب السماوية، فإذا وجد فجوة في قضية ما، فبدلًا من أن يصحح الواقع تبعًا للنص، فإنه يذهب لتطويع النص لصالح الواقع، ومن هنا ينشأ الجدال الذي تحدثت عنه الآية السابقة، فالجدال ما هو إلا وسيلة تبريرية للانفلات من النص والهروب عنه.
من هنا يمكننا أن نفهم دور الشيطان، فهو دور ثانوي في الإحراف لا أساسي، كما بينت آيات أخرى "دعوتكم فاستجبتم لي" فدوره هو تحقيق رغبة الإنسان في الانفلات عن النص الرباني، وما يضمن له البقاء على ما هو عليه، والشيطان قاعد لهم صراط الله المستقيم ومتصيد لذلك الجنوح ومشجع لتلك الرغبة، وموفر للحديث الذي يلهي عن الحقيقة.
﴿ وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ﴾ لقمان [22]
" ومن يسلم وجهه إلى الله " تأتي هذه العبارة مقابل من يتبع ما وجد عليه آباءه، وبدلًا من ذاك فقد أسلم وجهه لله، وإسلام الوجه يقتضي الاسلام لما يأمر به الكتاب، وعندما تقول الآية " وهو محسن " فإنها تؤكد على العمل لأن الإحسان في العمل، فهو يعمل بمقتضى القرآن وبمقتضى ما أنزل الله، لا على أساس ما ألفه وما تعود عليه، ومن يفعل ذلك اعتقادًا بالله وبكتبه " فقد استمسك بالعروة الوثقى" والاستمساك أشد من التمسك، ويحمل معنى الشدة في التعلق لأن فيها مقاومة للتيار المعاكس، والاستمساك بالآيات هو استمساك بالعروة الوثقى، والعروة هي التي يضع الإنسان يده فيها من أجل الثبات في الأهوال والزلازل، فيتمسك بها حتى لا يقع أو يغرق إن كان في البحر وعصفت به الريح، والكتاب المنزل هو العروة الوثقى الموثوق في ثباتها وقوتها، وفي المعنى إشارة مقارنة مع عرى أخرى لكن لا يمكن الوثوق بها. " وإلى الله عاقبة الأمور" .
مرة أخرى تتجسد فتنة التباين بين النص والواقع بأشكالها المختلفة، والفتنة تحصر المؤمن بين خيارين لا ثالث لهما إما أن يميل نحو ما وجد عليه آباءه أو يسلم طائعًا للنص! ويحسن في ذلك الإسلام بإتقان العمل، فإذا اختار أن توجه للنص بلا إصغاء للمشوشات التي تسعى لتغيير مضمونه فقد ضمن نجاته بناءًا على هذا الاستمساك، فإن واجه مساءلة يوم القيامة كانت إجابته أني استمسكت بعروتك الوثقى.
خاتمة
1- لا يمكن أن تفرض هذه الآيات الكريمة حالة التولي في المقطع الأول بداية السورة، ثم تأمر باتباع ما أنزل الله في هذا المقطع وتحاسب على ذلك إلا إذا كان الخطاب الرباني في كتبه السماوية متكامل الأركان في حجيته، فلا ينقصه بيان ولا إيضاح وإلا انتقضت الحجة، فقولها " كأن لم يسمعها " تعني في مضمونها أنه سمعها ووعاها لكنه تغافل عنها عمدًا تغافلًا يشبه الذي لم يسمع، ولو لم يكن المفهوم بهذا المستوى لما استحق هذا المستمع هذا التقريع الذي نشعره من الآية، فالآية المباركة تقر ضمنًا حجية ما يظهر من الآيات من بيان الأمر الذي يجعل المستمع تحت طائلة المساءلة يوم القيامة.
2- من خلال هذه الآيات يتجلى لنا معنى الارتهان للآيات ووجوب الاستجابة لها وعدم الاستكبار عليها، لقد لاحظنا أنه لا يوجد تولي لا استكبار فيه! وعلينا أن ندرك أن لا أحد مستثى من هذه الآيات، فبعد أن نفهمها ونفهم المستوى الذي تتحدث فيه تخرج لنا مفاهيمها من ضيق الإطار التاريخي المتقيد بسبب وزمن النزول لرحابة الواقع لتشمل كل الناس والأزمنة.
3- تبين لنا أن الإستكبار قد لا يكون حالة مرأية خارجية يمكن تمييزها من خلال شكل المستكبر ولكن يمكن معرفة حقيقتها من خلال بعض العلامات التي يشير لها القرآن كما هي الإشارة في هذه الآيات عن التولي عن كلمات الله. والآيات المباركة لا تعتمد على تقديراتنا ومفاهيمنا للأمراض الإيمانية كالاستكبار وإنما تؤسس لمعايير يمكن من خلالها اكتشاف أو معرفة تلك الأمراض، ونرى أن القرآن يرفع مستوى حساسية التعامل مع الكتب السماوية، ولكي نعرف تلك الأمراض والمشاكل الإيمانية علينا بالتماشي مع الآيات والصعود معها إلى مستوى الحساسية الذي تفرضه، لذا لا يمكن فهم الاستكبار القرآني بالمستوى الذي نتصوره نحن ولكن بنفس المستوى الذي تفرضه الآيات.
4- ما الذي يترتب على هذا الفهم؟ وكيف يجب أن تكون علاقتنا مع كتاب الله؟ إذا كان قانون هذه الآيات يرفض من أي مستمع وعى ما ينص عليه ظاهر الآيات أن يتغافل عما سمع، فما موقع الدعوة لتدبر القرآن الكريم ودراسته؟ هل هذه الدعوة وجهة نظر أو رأي شخصي أو دعوة جديدة؟ أم أنها دعوة قرآنية أصيلة يُبنى على أساسها علاقة المؤمن بربه؟ إن هذه الآيات المباركة وأمثالها لا تدفع الإنسان نحو دراسة القرآن وتدبره وحسب، وإنما تدفعه دفعًا نحو التدبر والدراسة، بل وتجعل منه رهينة لديها فلا يستطيع أن ينفك عن هذا الرهان حتى ينطلق في فهم وتدبر ودراسة ما سمع ويأخذ بما سمعه أخذًا تطبيقيًا لا يحيد به عن جادة الذين آمنوا وعملوا الصالحات فاستحقوا بذلك جنات النعيم..
5- يمكننا أن نفهم ومن خلال هذا الخطاب طبيعة العلاقة التي ينبني على أساسها الخطاب القرآني، وهي: الله و العبد، لا واسطة بينهما، وحجة الله قائمة على الفرد بعد وصول رسالة الله، فإن ولى عنها عُد من المستكبرين، ليجيء يوم القيامة محجوجًا بوصول القول.
وضوح هذه العلاقة يفتح مسامات العقل، لينظر المؤمن لرسالته الربانية بخصوصية وبأعين مفتوحة، ويُصغي بكل أسماعه لكل كلمة وكل حرف من حروفها، واضعًا السؤال أمام نفسه: ماذا يريد صاحب هذه الرسالة مني؟ نعم هكذا.. لا أن يسمعها كأن لم يسمعها! وعلى هذا الأساس فالآيات ترهن مستمعها فلا يمكنه الفرار أو الابتعاد عنها، فالمستمع ومنذ اللحظة الأولى التي يخترق فيها كلام الله الحجب هو رهينة القرآن على أساس أن الآيات تهتفه قائلة "فأين تذهبون"؟