مدونة حلمي العلق

سورة الأنفال من آية 45 إلى آية 54

 | ayat | alanfal

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45))

الذكر الكثير هو استحضار الله سبحانه وتعالى في حالات الشدة، لأن الإنسان في حالات الشدة يتزلزل عن ذلك الذكر فيبتعد عن حقائق الإيمان التي آمن بها في أوقات الرخاء.
الآية تقول للمؤمنين إذا لقيتم فئة، ويقصد بهذه الفئة هي فئة معادية تريد أن تقاتل المؤمنين، فاثبتوا والثبات هو عدم التراجع عن الموقف في مواجهة العدو وعدم الفرار، "لعلكم تفلحون".

(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46))

هذه هي التوصية توصية ربانية بعد شعور المؤمنين ورؤيتهم للنصر الرباني وإيمانهم به الذي آمنوا به يوم فرقان، وهذه التوصية لها بُعدها وأهميتها في المواجهات القادمة. الآية تقول "وأطيعوا الله ورسوله"، أطيعوا القيادة الربانية المتثملة في رسول الله، لأن إطاعة الرسول تعتبر إطاعة لله فهو القائد الأعلى للمعارك، ويوصي بعدم التنازع لأن ذلك سبب للفشل وذهاب الريح والتي هي قوة المؤمنين، وتوصي بالصبر لأن الله مع الصابرين.

(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47))

الآية تتحدث عن مشركي مكة الذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس، وهذا البطر هو التظاهر بالقوة سواء كان في المظهر أو صوت الطبل والتبهرج، ورئاء الناس من أجل أن يروا الناس قوتهم وعتادهم، وهم بذلك يوجهون الأنظار لهم ومن أجل أن يصدوا من يتوجه للرسول ودعوته، ولكن الله بما يعملون محيط، والإحاطة تعني كامل العلم بالشيء وبتفاصيله.

(وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48))

الآية تبين أن الشيطان كان حاضراً في تحفيز المشركين لمواجهة المؤمنين والقضاء عليهم، وهنا يقوم الشيطان بتزيين ما يقوم به المشركين من اعتداء وأعمال سيئة تجاه المؤمنين، وهنا يظهر هدف الشيطان وهو القضاء على هذه الثلة المؤمنة لكي لاتقوم لهم قائمة ولكي لا تعلو كلمة الله ولا تعلو كلمة الحق، ولكن يتضح أيضاً أن الله سبحانه وتعالى بالمرصاد فلله جنود يدافعون عن دينه، لذا عندما يرى الشيطان هذه الحقيقة ينكص على عقبيه ويجعل أولئك الذين ساروا على تزيينه في مواجهة مصيرهم النهائي.

وهذه الآية تبين أن معركة الشيطان مع هدى الله بشكل قوي وبشكل مباشر، وأن الشيطان يجند له الجنود من أجل مواجهة الهدى ودين الحق، وعندما رأى الشيطان أن الله سبحانه وتعالى سينصر أولئك المؤمنين بجنود من عنده فر مباشرة ولم يواجه، وهذا دليل على ضعفه وانهزامه.

الآيات تبين أن هذه معركة حاسمة وكبرى بين كفر مقابل إيمان، وهي معركة الشيطان في مواجه مشروع رب العالمين، الشيطان يريد أن يطفيء نور الله وكلمات الله، ولكن الله يريد أن يتم كلماته وأن يبقى هذا القرآن الكريم، وبقاء هذه الثلة المؤمنة هو بقاء لكلمات الله.

(إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰؤُلَاءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49))

الآية الشريفة تصف الذين نافقوا مع الذين آمنوا والذين في قلوبهم مرض ما يقولنه عن المؤمنين أنهم اغتروا بدينهم، لأنهم يرون فيهم ثقة عالية واندفاع في سبيل الله، وهذا الأمر لاتفسير له عندهم غير أنهم مندفعون متهورون مغترون في دينهم.
"ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم" الله يُعز من يتوكل عليه بحكمة ربانية، فالله عزيز وله العزة.

(وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ۙ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50))

الآية توجه الخطاب للرسول وللمؤمن، عن حال هؤلاء الذين كفروا ورأوا غير الحقيقة، وقالوا عن المؤمنين أنهم مغرورون في دينهم، فالله سبحانه وتعالى يقول أن الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم حين الموت، وبعد إخراج الموت يذيقهم الله عذاب الحريق.

(ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (51))

وهذا العذاب هو بسبب ما قدمت أيديهم وأن الله ليس بظلام للعبيد، إخراج النفس بالضرب والعذاب ليس ظلماً من الله سبحانه وتعالى ولكن كل ذلك بسبب ماقدمت أيديهم. والله سبحانه وتعالى يبيّن أنه ليس بظلام للعبيد، وأن هذا العقاب المخصص لهؤلاء ليس ظلماً ولكنه بسبب ما قدمته إيديهم.
والآية تفيد بأن ما يفعله المؤمن في الدنيا هو مقدمة للآخرة، وعلى هذا فإن كل عمل له مردود يوم القيامة.

(كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ۙ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52))

هذه الآية تعطي فرعون كمثل على العناد الذي وقع فيه هؤلاء المنافقون مع دعوة النبي ورسالته وجهاده في سبيل الله، وأن عنادهم ونفسيتهم هذه بلغت عند الله نفس المستوى الذي بلغ فيه فرعون في علوه وعناده، وكدأب الذين من قبل فرعون من أولئك الذين كفروا بآيات الله، وعندما ننظر للشكل الخارجي فإن هناك فارق كبير بين المنافقين وفرعون، ففرعون قال أنا ربكم الأعلى، وله جنود وعلى علواً كبيراً وقتل الأبناء واستحيا النساء، فكيف يكون هؤلاء هم أيضاً فراعين في الأرض؟ الله سبحانه وتعالى يكشف حقيقة ما بداخل النفوس، بأن هؤلاء وبقولهم هذا هم نفس فرعون، هم يسيرون على طريقه ومنهجه.

(ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53))

هذه الآية تعطي قانون رباني عام وهي أن النعم تتغير وتتبدل وتلغى بسبب ما يغيره الإنسان في نفسه، وهذا ما يدل على أن النعم تفتن الإنسان، فقد يكون مؤمناً ولكن حين يمنّ الله عليه بنعمة قد يكفر بها وينظر إلى قوته وعزته وينسى الله وينسى أنه ضعيف محتاج إلى الله، فإذا حدث هذا التغير غيّر الله عليهم النعمة وأزالها عنهم كما فعل في فرعون.
وأن الله سميع عليم، ما أهمية هذين الأسمين في قبال هذه الحقيقة الربانية، فالسمع له علاقة بما يظهره الإنسان من خلال لسانه والذي يؤكد ما تغير في النفس، وعليم لأنه سبحانه يعلم بحقيقة كل لفظ يتلفظ به الإنسان ما مؤداه وما دلالته، فبعض الألفاظ تؤكد كفر الإنسان بنعم الله.

(كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ۙ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54))

توكد الآية أن هذا هو دأب آل فرعون وهنا تتحث الآية عن تكذيب الآيات بينما الآية قبل السابقة كانت تتحدث عن الكفر بالآيات، والله سبحانه وتعالى يهلك بالذنوب فأغرق آل فرعون، لم يغرق فرعون فقط بل أغرق الآل كاملاً، وكل كانوا ظالمين، ظلموا بآيات الله، فكفروا بها.
الله سبحانه وتعالى يضرب مثال لقريش الذين يواجهون رسالة النبي محمد بآل فرعون، فرعون كذب نبي الله موسى وكذب بالآيات المبصرة التي تمثلت في الثعبان المبين وبقية التسع آيات، وقريش كذبت بالنبي محمد (ص) وحاربته وكذبت بالآيات، ولكن آيات الله التي جاء بها النبي محمد توازي في هذا الحديث آيات موسى (ع) المبصرة، فقريش كذبت بها، وتكذيبهم هذا يساوي تكذيب آل فرعون بالآيات المبصرة.