سورة الأنفال من آية 67 إلى آية 71
| ayat | alanfal﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ (67)
الآية الكريمة تخاطب المؤمنين في فعل ارتكبوه فيما يتعلق بأسرى الحرب، وتتحدث لهم لكي يفهموا قواعد الحرب المتعلقة بنصرة النبي ، وحين تخاطب الآية بدءًا بالحديث عن النبي ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ ﴾ ، فهذا يشير إلى أن أي سلوك سيرتكبه المؤمنون سينسب إلى النبي كونه قائد المعركة، وبالتالي هو مقرون برسالة الله، الآية تخاطب المؤمنين على أساس أنه يجب عليكم أن تكون أفعالكم متوافقة طبقًا للقواعد التي يسنها الله لرسله في الحرب أو غير الحرب لأنكم تعملون على نصرته ومحسوبون عليه، فالمخاطب هم المؤمنون ولكن الفعل مقرنون بالنبي، وعندما تقول الآية ما كان للنبي ﴿ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى ﴾ ليس مسموحًا لكم أن يكون لكم أسرى وقائدكم هو النبي، إلا بالطريقة التي يقتضيها الله عز وجل.
﴿ حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ ﴾ تذكر الآية الحالة التي يسمح فيها ذلك الأسر، وهو بلوغ حالة الإثخان في الأرض، والإثخان هو الإثقال في الشيء، ولأن الحديث يتعلق بالحرب فالكملة مقرونة بالجراح، فالمجروح تثقل حركته ويصير عبئًا على غيره، والكلمة تختصر الحالة التي تصل إليها الحرب، فالمؤمنون إذا أثخنوا العدو جراحًا فهذا يعني أنهم تمكنوا منه قتلًا وتجريحًا، والآية الكريمة تقول : ﴿ حَتَّى يُثْخِنَ ﴾ وتنسب الفعل للنبي، كونه هو قائد المعركة، وهو المعني بها وهو سبب الحرب في الأساس، فالأعداء إنما يطلبونه والمؤمنون إنما هم أنصاره فيما يدعو إليه، أما قوله تعالى : ﴿ فِي الأَرْضِ ﴾ ففيه إشارة للتمكن من العدو، فحين يثخن النبي في الأعداء بالجراح، فهذا يعني تمكنه وفرض هيبته بين الناس.
﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا ﴾ الآية الكريمة تخاطب المؤمنين، مما يشير إلى أنهم هم المعاتبون بفعل خالف هذه القاعدة الربانية المتعلقة بحروب الرسالات، وتبين لهم أنكم بفعلتكم هذه تريدون عرض الدنيا، والعرض هو الشيء العابر والسريع والذي لا ثبات ولا دوام له، وعندما تقول الآية الكريمة ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ فهي تبين أن من يقود هذه الحرب ويسن قوانينها هو الله عز وجل، ويقع النبي فيها موقع القائد المنفذ لما يأمره الله حسب سننه.
الآية تشير إلى أن المؤمنين أسروا من أعدائهم بغير إثخان، أي تمكنوا من أسر بعض الأعداء الفارين من الحرب وغرضهم من ذلك هو الحصول على فوائد دنيوية كأن يغنموا منهم متاعهم أو أن يستفيدوا من ذلك أموال الفداء، والله عز وجل يقول في الآية الكريمة أنه لا يقبل أن يأخذ أحد في معركة للرسالة أسرًا إلا إذا كان مثخنًا بالجراح في ساحة الحرب، فهذا الذي يحق لكم أن تأسروه، أما إذا تمكن من الهرب والابتعاد من ساحة الحرب فليس من حقكم أن تلاحقوه وتأسروه من أجل أغراض دنيوية.
وقد بينت آيات أخر حق المؤمنين في الأسر في ساحة الحرب، كقوله تعالى في سورة الأحزاب : ﴿ وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً ﴾ الأحزاب (26) فالله في هذه الآية يمن على المؤمنين ويذكرهم أنه مكنهم من أعدائهم، ففي تلك المعركة قذف الله عز وجل في قلوب الذين ظاهروا المؤمنين من أهل الكتاب الرعب فتمكنوا منهم فقتلوا من قتلوا وأسروا من أسروا، ولكن كان ذلك في ساحة المعركة. وفي آية أخرى يأمرهم أن يأسروا أعداءهم إن هم قتلوا وأثخنوا في العدوا : ﴿ فَإِذا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ محمد (4)، ففي هذه الآية الكريمة يأمر الله المؤمنين أن إذا لقوا الكفار فليلقوهم بكل قوة فيضربوا رقابهم، ثم تبين ﴿ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ ﴾ أي إذا أكثرتم فيهم الجراح فأصبحوا مثقلي الحركة، ﴿ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ ﴾ أي ااسروهم بشد أيديهم وأرجلهم وأحكموا الوثاق أي الربط، ﴿ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ﴾ فإما أن تمنوا عليهم بفك أسراهم، أو تطالبوا العدو بالفدية. وهذا بدوره يعزز فهم الآية الكريمة أن الأسر جائز أثناء الحرب وبعد الإثخان أي للمحاربين المثقلين عن الحركة الذين لا يستطيعون الفرار منها.
﴿ لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ (68)
الآية الكريمة تبيّن حجم الخطأ الذي ارتكبه المؤمنون الذين أسروا غير المثخنين في المعركة بتوضيح حجم العقوبة المستحقة لمثل هذا الفعل، ﴿ لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ ﴾ أي لولا أن الله عز وجل قد حكم بأن تكون العقوبة للمخالف لأوامره في يوم القيامة قبل وقوع هذه الحادثة، والأمر الصادر منه عز وجل يسميه كتاب من الله، ﴿ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ لمسكم عذاب من عند الله على مخالفتكم هذه ولأنكم أخذتم من الأسرى الفارين من الحرب مغانم، وهذا لا يحق لكم، ولكن لأن الله عز وجل حكم بأن لا يعاقب أحد على فعله بصورة مباشرة في الدنيا ,وأن يهب له الوقت للتوبة والتراجع عن فعله فلم يسسكم العذاب، فأتيحت لكم الفرصة حتى يأتي المؤمن يوم القيامة فترجح حسناته على سيئاته وينجو من العذاب.
﴿ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (69)
في هذه الآية الكريمة يبيح الله لهم أكل ما أخذوه من أولئك الأسرى ﴿ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً ﴾ وفي ذلك تسهيل للأمر الذي وقعوا فيه، إذ يبدو أن الذين غنموا من الأسرى تعاملوا مع تلك الأموال واستعملوها قبل نزول هذه السورة وتوضيح الأمر الذي وقعوا فيه، فعفت عن ما فات من الأفعال وأباحت ما أخذ من الأموال، ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ اتقوا الله في افعالكم على الدوام إن الله غفور رحيم، فقد رحمكم بالمغفرة عن هذا الذنب.
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمْ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (70)
ثم تتوجه الآية الكريمة بالخطاب للنبي محمد (ص)، بأن يتوجه للأسرى الذين أسروا وأخذت منهم الغنائم بإرسال رسالة لهم من لدن رب العالمين ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمْ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ ﴾ الله المطلع على القلوب، وهو الذي تحاربون رسالته يعدكم إن أنتم بدلتم السوء الذي في قلوبكم وطهرتموها من الحسد والغل والكراهية تجاه الرسول الرسالة والمؤمنون، فإن الله سيعوضكم عن الذي فاتكم من المؤمنين ومما سلبتم إياه خيرًا مما أخذ منكم، ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ويغفر لكم هذا الاعتداء وقتل المؤمنين، والله غفور رحيم.
﴿ وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ (71)
من مضمون الآية السابقة يمكن أن نفهم أنه على الرسول أن يقضي بإطلاق سراح هؤلاء الأسرى، وما يؤكد هذا المعنى هذه الآية المباركة حيث تطمئن النبي بأن لا يخش مما سيمكرونه بعد إطلاق سراحهم ضد الرسالة والمؤمنين، ﴿ وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ ﴾ أي إن كانت نيتهم مالت إلى السوء بدل الخير مرة أخرى، وأرادوا خيانتك يارسول الله بأن أعادو الكرة وأعادوا الاعتداء، فالمتمكن منهم هو الله ﴿ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ﴾ من قبل هذه المعركة خانوا ما عاهدوك عليه أن لا يعتدوا ولكنهم اعتدوا وخالفوا، وبعد مخالفتهم تلك رأوا كيف أنهم وقعوا في قبضة المؤمنين وأصبحوا بين يدي رسول الله ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ الله عز وجل عليم بما يفعلون وحكيم في قضاءه بأن يطلق سراحهم.
# التعامل مع الأعداء
نرى في الآيات كيف تعامل الله عز وجل مع المؤمنين بغلظة في سلوك تجاه أعداءه الذين يحاولون أن يطفئوا نور الله ويقيضوا هذه الدعوة ، وعلى الرغم من أنهم أعداء الله إلا أن الله سبحانه وتعالى حاسب المؤمنين على خطأ السلوك في حد ذاته، لا على أساس أن الموجه لهم ذلك السلوك هم أعداءه، فهذا يبرز مدى أهمية القرآن الكريم في أن يكون المؤمن متصف بصفات العدالة مع الآخرين وعدم انتهاز لحظات النصر ونشوة الغلبة في تجاوز تلك الحدود حتى مع الأعداء.
وقد وجدنا من ناحية أخرى كيف وجه الله عز وجل رسالة إلى أعداءه عبر رسوله بأن وعدهم بالعوض عن ما أخذ منهم إن هم غيروا مافي أنفسهم، وكأنه ينتصف لأعداءه من المؤمنين الذي أخذوا ما أخذوا بغير إذن منه سبحانه وتعالى، في هذه الآيات درس أخلاقي عالي جدًا ، وتطبيقه يحتاج إلى ترويض هذه النفس حتى يسلك المؤمن طريقه الإيماني كعبد لله، لا كمتصرف فيما مكنه الله فيه، وإذا كانت هذه هي طريقة القرآن في التعامل مع الأعداء، فالسؤال كيف يجب أن تكون طريقة التعامل مع المؤمنين بعضهم مع بعض؟!