سورة الأعراف من آية 138 إلى آية 147
| ayat | alaraf(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138))
تجاوز بني إسرائيل البحر بعد أنجاهم الله، فأتوا على قوم يعكفون على أصنام، وهنا معنى الاعتكاف هو نوع من المكوث والتركيز على أصنام ، وهنا طلب بنو إسرائيل أن يكون لهم صنم كهذا يعكفون عنده بسبب جهلهم بأن هذا الأمر مرفوض عند الله سبحانه وتعالى. والألوهية هي مرتبة عالية يتم احترامها احتراماً كبيراً لدرجة التقديس،
(إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139))
التتبير هو تدمير الشيء الباطل، وهذه الآية متعلقة بالآية السابقة بهذا المعنى:إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ماهم فيه، فهذا هو جهلهم، وباطل ماكانوا يعملون. وهذا الجهل هو جهل طبيعي بسبب عدم علمهم بالحقائق الربانية.
(قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140))
الإله هو الجهة العالية صاحبة السمو والتي يتم التوجه لها من قبل الناس، لقد طلبوا الرمز الذي يتوجهوا إليه، لقد بين لهم نبي الله موسى لا يجوز أن يكون هناك غير الله يسمى إله، عندما قال أغير الله أبغيكم إلاها دليل على اجتهاده في أن يخرجهم من رق وعبودية أي أحد آخر.
(وَإِذْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141))
هو يذكرهم هنا بما فعله الله سبحانه وتعالى لهم من إنجاء على أنه هو الإله الذي يجب أن تتوجه إليه ولا تتوجه لغيره، وهي طبيعة الإنسان أن ينسى الغيب ويتوجه للغالب إلى الشهادة وماهو أمامه من أشكال، هو فضلكم على العالمين والتفضيل هي كلمة مخصصة في الزمان التي وجد فيه بنوا إسرائيل.
(وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142))
هذا وعد بين الله وبين موسى في مكان محدد، عندما انتقل بنوا إسرائيل مع موسى لم يكن جميعهم قد آمن إيماناً حقيقياً لذا هو يعلم أن منهم من.
نفهم من ذلك أن في قوم موسى مفسدين في الأصل، وقد خلف موسى أخاه هارون في قومه.
(وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143))
جاء موسى للميقات الذي تم الاتفاق عليه مسبقاً، وطلب موسى رؤية الله, ولكن الله سبحانه وتعالى نفى الرؤية، وهنا أراه تجربة الرؤيا في تجليه للجبل، تجلي الله سبحانه وتعالى للجبل يعني اختلاء الجبل من قوة الله وعظمته، فإذا اختل الجبل من الله يندك الجبل لأنه خلا من خالقه، وهذا ينطبق على موسى فلو كان تجلى الله لموسى عليه السلام يعني اختلاء موسى من الله وهذا يؤدي إلى اختفاء موسى من الوجود، لذلك طبقت هذه الحقيقة على الجبل حتى يشاهد نبي الله موسى هذه الحقيقة بعينه، وهنا خر موسى صعقاً بسبب رؤية اندكاك الجبل بشكل مهيب جداً، صعقه المنظر فأغشي عليه حتى إذا أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين بحقيقة الله سبحانه وتعالى.
( قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ (144))
هذا خطاب الله سبحانه وتعالى إلى نبي الله موسى (ع) بالرسالة وهي التوراة، وبالكلام وهو الخطاب المباشر، والأمر بأخذ ما آتاه الله سبحانه وتعالى هو أمر بالتمسك به، وكن من الشاكرين، الشكر هو فعل يقوم به المؤمن بناءً على ما ورد في الرسالة، وعكس الكفر هو الكفر الذي لا ينفذ هذه الأوامر.
(وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145))
كتب الله سبحانه وتعالى هذه الألواح، وهذه الكتابة موثقة من لدنه، وكتب فيها من كل شيء موعظة أي من كل شيء ورد في ملة إبراهيم موعظة، وتفصيلاً لكل شيء ورد في الملة أيضاً.
ويأمره الله سبحانه وتعالى بأن يأخذ هذه التعاليم بقوة، وأن يأمر قومه يأخذوا بتطبيق التوراة بأحسنها، وهو أن يحسن المؤمن في الموقف بناءً على إيمانه بالتوراة، سأريكم دار الفاسقين.
(سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146))
في الآية سنة ربانية، والصرف عن الشيء هو الإبعاد عنه، والصرف عن الآية هو إبعاد معناها عن المتكبر، الله سبحانه وتعالى يتحدث عن هذه السنة وهي صرف الآية عن هذا الذي يتكبر في الأرض بغير الحق، والتكبر بغير الحق، لا أحد يملك الحق بأن يتكبر على كائن أو مخلوق من مخلوقات الله في هذا الكون. وإن يروا كل آية " وهم المتكبرون " لا يؤمنوا بها، "وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذه سبيلا" سبيل الرشد واضح أمام الجميع ولكن هذا الرشد غير مرغوب وغير مطلوب لهذا المتكبر، "وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً" وهو سبيل الغواية عن أوامر الكتاب ولأن الكتاب يأمر بالرشد والعدالة. " ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين" وهي الآيات الكونية في السماء والأرض والنفس، ومن لا يلتفت إلى هذه الآيات فهو مع آيات الكتاب السماوية أبعد من أن يلتفت إليها أيضاً.
(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147))
الآيات تبنى على أساس أن من توجه له الآية ويكذب بها ولا يلتفت إليها، فلا ينفعه عمل صالح، هناك من بني إسرائيل من يعمل صالح ولكنه عندما عرضت عليهم آيات التوراة لا يؤمن بها ولا يعتد بها ولا يستسلم لها، ويكذب بلقاء الآخرة أي يكذب بما ورد في التوراة بهذا الموضوع بالكيفية التي عرضتها التوراة. والآية تقول "حبطت أعمالهم" والإحباط هو النزول إلى الأدنى بلا قيمة، وهذا جزاء عملهم وعملهم هو التكذيب بالآيات الواردة في الكتاب.
سؤال : هل الآيات المقصودة في الآية هي الآيات الكونية أم آيات الكتاب؟ لماذا لا نقول أنها الآيات الكونة لأن عدم رؤيتها خطير أيضًا؟
أولًا : فكرة " خطورة صرف الإنسان عن الآيات الكونية" لا إشكال في خطورة هذا الأمر
ثانيًا : لدينا آيات كونية ، وآيات كتابية، أي منهما يصح أن نقول فيها "صرف"، عندما تحدث الله عز وجل عن نبي الله إبراهيم وعن رؤيته للكون قال : " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين" فالأقرب للآيات الكونية هو الرؤية والنظر والالتفات، أما حين نقول "صرف"، فهذا يعني أن هذا الإنسان كان في مكان ما، ثم انصرف إلى موقع آخر، أو من قضية إلى قضية أخرى، فالكلمة تعطي دلالة أن المصروف انشغل بشيء آخر عن الشيء الأساس الذي كان عليه، وهذا يعني في خصوص الحديث في هذه الآية أن هؤلاء كانوا أتباع الآيات الكتابية في يوم ما، ولكن بسبب ضعف تمسكهم بها، صرفهم الله عنها إلى شيء آخر. أما الآيات الكونية فلا ينصرف الإنسان عنها وإنما يراها فيؤمن بخالقها.
ثالثًا : حين نسال : " لماذا لم يقل الله عز وجل في الآية 146 : سأصرف عنها"، فالضمير هنا سيعود للألواح، والقضية ليست مرتبطة بذات الألواح، وإنما بالآيات المنقولة عن تلك الألواح في نسخ التوراة التي بين أيديهم، أما الألواح فهي النسخة الأساسية والأصلية للتوراة، فمن باب البيان، لا يصح أن يقال : " سأصرف عنها" فلا أحد يملك الألواح غير آل موسى (ع) وآل هارون (ع) ، والقضية في ما تحويه تلك الألواح وليس في ذاتها لذا خصص الحديث عن ذلك المحتوى بالخصوص حين قال " سأصرف عن آياتي ".
رابعًا : عدم رؤية الآيات الكونية هو تحصيل حاصل لانصراف الإنسان عن آيات الله الكتابية، فالخاص لا يلغي العام، ولكن الحديث حول الخاص يعين خطورة المخصوص ، ويكشف حقيقة الحديث، وهذا يرجعنا إلى شمولية الآراء " كما في فكرة الطاغوت " ، فإذا كان الشمول سيؤدي إلى زيادة في المعنى والفهم فذلك هو المطلوب، اما إذا كان التعميم والشمول سيجعلنا نخسر معنًى مهم في خصوص الآية فالتخصيص أولى.