سورة الأعراف من آية 171 إلى آية 179
| ayat | alaraf(وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171))
الآية الشريفة تذكر قضية حدثت لبني إسرائيل قبل حادثة تقطيع بني إسرائيل، وهي حادثة نتق الجبل على بني إسرائيل وبالتحديد على الذين انتخبهم نبي الله موسى (ع) بعد فتنة العجل، حيث انتخب منهم سبعون رجلاً ومن السبعون، ويبدو أن الآية تتحدث عن هؤلاء السبعون الذين تم انتخابهم، والآية تبين كيفية العهد الذي أخذ عليهم بأن يأخذوا أمانة الكتاب دون أن يتنازلوا عنه إلى غيره، فكان العهد عليهم عهداًً غليظاً بأن يقبلوا بهذا الكتاب وإلا سوف يقع عليهم الجبل لينسفهم جميعاً.
يذكر الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل الموجودين في زمن رسالة النبي محمد (ص)، بتسلسل الأحداث التي جرت عليهم، وبعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى في الآية السابقة تقطيعهم إلى أمم منها أمم صالحة ومنها دون ذلك، ذكر بحقيقة قبل هذا التقسيم على أساس أنه كان يجب على بني إسرائيل أن يواصلوا في التمسك بالكتاب دون أن يخرجوا عنه، ومن المحتمل أن يكون الذين كانوا تحت الجبل هم السبعون رجلاً، أو الإثنا عشر نقيباً الذين انتخبهم موسى من بين السبعون.
(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172))
هنا يرجع في هذه الآية إلى الزمن الأصلي للإنسان قبل الخلقة الحالية التي نحن فيها الآن والتي تعتمد على التناسل من خلال التزاوج، هنا يقول الله سبحانه وتعالى للناس في زمن الرسول وفي كل الأزمان التي من بعده ولبني إسرائيل أن الله سبحانه وتعالى قال للناس جميعاً يوماً من الأيام حين لم يكن للناس ترابط تسلسل زمني وتسلسل في النسل الموجود في الدنيا، وسألهم ألست بربكم؟ وهو يحجهم بالإجابة التي سيجيبونها بشكل مباشر وبدون تردد، بأن الناس قالت: " بلى شهدنا "، وبعد هذه الشهادة، يقول الله سبحانه وتعالى: " أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين"، أي لا تقولوا لنا يوم القيامة أننا كنا غافلين عن كتاب الله، لأن الغفلة في ما يرسله سبحانه وتعالى.
(أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173))
هذه الآية تكمل الحديث على حالات انحراف الإنسان عن كلام الله وهي الحالة الثانية، وهي أن يبرر المبتعد عن كتاب الله بأن يقول: " إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعهدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون" وهو أن يتبرأ الإنسان من أفعاله بنسبتها إلى الذين سبقوه من آباءه، لأنه وجد في هذه الدنيا ووجد آباءه على سيرة فاتبعها.
(وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174))
المذكور في الآيتين السابقتين هو تفصيل في ذكر سبيين يبرر بهما المؤمن بالرسالات سبب انحرافه عن الكتاب، وهذه الآية ترجو أن يكون هذا التذكير سبباً في أن يرجع ذلك المتمسك بغير كتاب الله.
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ (175))
هنا أمر للرسول بأن يتلوا على بني إسرائيل وأهل الكتاب نبأ هذا الإنسان الذي آتاه الله سبحانه وتعالى آياته، ولكنه انسلخ منها، والانسلاخ يدل على أنه كان ملتصقاً بها ومع ذلك انسلخ منها، وبمجرد أن انسلخ عن هذه الآيات أتبعه الشيطان، وكأن الشيطان ينتظر هذه اللحظة التي يبتعد فيها المؤمن عن آيات الله حتى يكون الشيطان تابعاً له، وبعد هذه التبعية التي يغير فيها الشيطان معالم الدين أصبح من الغاوين.
(وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176))
ولو شاء الله سبحانه وتعالى لرفع هذا المؤمن بآيات الله، الرفع هو الصعود به إلى مراتب أعلى في النفس والقلب وفي الطبائع السيئة التي تجذبه إلى أسفل، والطبائع السيئة هي التي تمنع الإنسان من الصعود إلى المراتب العليا. مشيئة الله مرتبطة بقرار هذا الإنسان، ولأنه قرر أن يخلد إلى الأرض وأن لا يتحرك وأن لا يغير طبائعة السيئة فكان القرار الرباني والمشيئة الربانية أن يبقى هذا الإنسان كما كان وأن لا يتأثر بحقيقة الآيات.
واتبع هواه أي اتبع ما تهواه نفسه من أحكام وشرائع وجد عليه آباءه، فأصبح مثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، وهذا يعبر عن الطبيعة المتعمقة في نفسه بلا تغيير.
(سَاءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177))
هناك من أعطي آيات وكانت لديه رسالة وكتاب، ولكن انسلخ عن الآيات، وهو مثل سيء لهذا الفعل، الذي ينسلخ بالتدريج يخرج من الآيات حتى يبتعد عن كتاب الله، وهذا ظلم للنفس.
(مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (178))
في المقابل فإن الهداية هي القبول لأوامر الله، الذي يهتدي هو الذي يهديه الله، الهداية بإذن الله، والضلال هو ابتعاد المؤمن عن هذا الكتاب وعن آياته. الخسارة الحقيقية هو في الابتعاد عن آيات الله وعن هداه.
(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ (179))
ذرأنا لجهنم أي أعددنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس، ومشكلتهم هي أنه لم يفعلوا قلوبهم ولم يفعلوا أعينهم ولم يفعلوا أسماعهم، يسمعون القول فلا يتأثرون لما يسمعون، ويبصرون ولكن لا يتأثرون بما يبصرون، وكل ما يدخل إلى القلب فلا يتم معالجته بفقه القلب. والآية تشير إلى الحواس التي يمكنها أن تكون مدخل للقلب بحيث يتأثر به القلب وتغير حالة الإهمال إلى حالة الإهتمام بشأن الدين.
الأنعام في حالة من الضلال، لأنهم لا يغيرون طبائهم ولا يسمعون الأمر الذي يؤمرون به.