سورة آل عمران من آية 1 إلى آية 9
| ayat | alimran﴿ الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ (1)-(2)
تنفي الآية الشريفة الألوهية لغير الله بصيغة الإخبار عن الله، المخاطبون والناس يعرفون الله، ولكن المشكلة أنها لا تعرفه حق المعرفة، فالمخاطب يعلم أن الله هو الإله، ولكن المشكلة التي يناقشها القرآن هي نفي هذه المرتبة عن غير الله، فالله ليس أحد الآلهة التي تعبد، بل هو الإله الوحيد الذي يجب أن نتوجه له ونعبده، فالمشكلة إذًا ليست في المعرفة، ولكن في التقدير، أي تقدير الله، وتمام تقديره نفي الألوهية عن غيره، ونفي الأسماء الحسنى عن غيره.
﴿ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ الحي هو الذي يملك الحياة ولا أحد يملكها غيره، والقيوم القائم على كل نفس و على كل شيء ولا أحد يملك هذه القوامة غيره، هو الحي الحياة السرمدية من الأزل إلى الأبد ولا يموت، وهو سبحانه أزلي ليس حادث، كل المخلوقات حادثة لا تملك الحياة، إذ لم تكن شيئًا مذكورًا يومًا من الأيام تحيا قليلًا ثم تموت، فالموجودات حية لكنها لا تملك الحياة، فحياتها طارئة مؤقتة، وما حياتها إلا مظهر من مظاهر ذلك الحي الذي يهب الحياة.
هو قيوم لأنه قائم على كل شيء في هذه الحياة، بعطاءه وتسييره للأمور وإدارته للكون، هناك نفوس قائمة على شؤونها، ولكن قيامها مؤقت مرهون بحياتها، فإذا فنت وماتت ذهبت قيوميتها لأحد آخر، فقيوميتها إذًا مؤقتة عرضية وليست دائمة، وقد أخذت تلك القيومية المؤقتة والمحدودة من عند القيوم الذي هو قائم على كل نفس وعلى كل شيء.
﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ﴾ (3)
﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ الآية تخاطب النبي محمد (ص) حول تنزيل الكتاب، والكتاب هو القرآن الكريم، نزل هذا الكتاب لأنه حي قيوم، وهذا التنزيل المبارك هو أحد مظاهر هذه القيومية، ومن آمن بالحي القيوم، سيدرك أن هذه الكلمات هي كلماته، ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾ وأنزله بالحقائق الغيبية من أحكام ومفاهيم وعقائد، ﴿ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أن أن محتواه من تلك الحقائق يثبت أنه يصدق الذي سبقه من الكتب التي أنزلها الله، فإذا صدقها كانت هي مصدقة له، أي إذا احتوى القرآن على حقائق غيبية مطابقة لما جاء في الكتب السابقة، فهذا يثبت أن القرآن هو امتداد حقيقي لكتب الله، وأنه آخر الكتب النازلة من السماء كما الذين سبقه من كتب ﴿ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ﴾.
﴿ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾ (4)
﴿ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ ﴾ التوراة والإنجيل سبقا القرآن الكريم في النزول، وقد حملا الهداية للناس، وها هو سبحانه يُنزل القرآن على النبي محمد (ص) حاملًا نفس الأحكام والعقائد والقيم التي جاءت بها تلك الكتب السماوية. ﴿ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ﴾ الفرقان هو أداة تفريق، وفي صدد الحديث عن الكتب السماوية ومن تبعها، فإن الفرقان هو الذي يَفرق بين الحق والباطل، وفي هذا إشارة إلى اختلاطهما ، فبعد مدة من نزول الحق في الكتاب السماوي، يضيف أتباع تلك الكتب إلى الحق إضافات، وتأخذ تلك الإضافات مكانها في الدين بالتلبيس، أي تلبس ثوب الحق حتى يتم قبولها، فينزل الله عز وجل بعد ذلك كتاب يفرق فيه بين الحق والباطل، فالفرقان هي آيات موجودة في الكتاب السماوي غرضها هو احقاق الحق وإبطال الباطل، ويمكن أن نقول أن الكتب السماوية احتوت على الحقائق وعلى الفرقان.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ الآية تهدد الذين كفروا بآيات الله، وهذا الكفر كفر عملي، بمعنى قد يتم الاعتراف بالكتاب والادعاء بالإيمان به، ولكن المشكلة تكمن في السلوك العملي الذي يخالف ما أنزله الله، فتلك المخالفة العملية يسميها القرآن هنا كفر بالآيات، والآية إذ توعد وتهدد فهي تبين مآلاتهم يوم القيامة من جهة وكذلك تكشف مدى تعلقهم بالأهواء والأباطيل التي ما أنزل الله بها من سلطان من جهة أخرى، إذ أصبح الهوى ينازع الحقيقة الربانية، والآية تهدد من مال إلى هواه ولم يَسلم لما أنزله الله من حقائق. أما قوله ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾ فيدل على أن عدم الاكتراث للآيات وعدم تطبيقها هو تقليل من قدرها، وأن قدر الآية مرتبط بقدر الله، لأنها آية من آيات الله، والتقليل من قدرها يعني التقليل من قدر الله، لذا كان مآل الذين كذبوا بالآيات الانتقام، فالله تبارك وتعالى ينتقم لعزته، باعتبار أنهم أهانوا الآيات حين لم يطبقوها.
﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ﴾ (5)
عندما يقول مدير شركة لموظفيه أنه يعلم بكل صغيرة وكبيرة تدور في أروقة شركته، وأنه لا يخفى عليه شيء من أفعال موظفيه، فهذا يُحدث الرهبة في نفوسهم ويردعهم من أن يخالفوا أوامره وتعليماته، وعندما يوضع إشعار في مكان ما أنه مراقب بالكاميرات فهذا يدفع الإنسان للتصرف بحذر شديد، والآية المباركة تعطي ذلك الإحساس، بل إن الله عز وجل أعمق من ذلك في مراقبته لسلوك الإنسان، فهو سبحانه يعلم السر وأخفى.
بالنظر إلى السياق الذي يتحدث عن الكتب المنزلة ومكانتها، وعن مشكلة التكذيب بالآيات، فإن الحديث يشير للفساد الذي يعمل المنحرفون على تثبيته بشكل يخفى على الناس، قوله تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ هي في حد ذاتها مفهوم يجب أن يعتقد به كل مؤمن، ولهذا الاعتقاد أثره في حياته، أما في خصوص السياق فهو يشير إلى فقدان هذا المفهوم من قلوب الذين يتعاملون في الدين بلا ورع، والذين يلبسون الحق بالباطل وتكون النتيجة هي إحراف الناس عن أمر الله، أما تأكيده على شمول علم الله وإحاطته بالأمور بقوله ﴿ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ﴾ فهو علاج لتصورات الإنسان أن الله عز وجل محيط بالأمور في السماء، لكنه بعيد عن ما يجري على الأرض، إن التأمل في هذه الآية يقود الإنسان للشعور بإحاطة الله لكل شيء يجري في الدنيا، ثم تأتي الآية التالية مؤكدة على نفس المعنى:
﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (6)
﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ ﴾ "هو" هي إشارة إلى ذاته المقدسة، ورغم أنها إشارة للبعيد إلا أنها تحمل معنى العظمة، وفي الآية السابقة كانت الإشارة إلى سعة إحاطة علمه بمجريات الأمور، وأنه عز وجل لا يخفى عليه أفعال الناس ولا نواياهم، فالآية السابقة كانت تتحدث الخفاء وقدرته عز وجل لمعرفة ذلك الخفاء، وهذه الآية تلفت نظر المؤمن إلى قدرة الله في تصوير خلق الإنسان وهو في رحم أمه ﴿ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾. تصور الإنسان أن لا أحد له اليد في تشكيل هذا الجنين في بطن أمه، ولكن الآية الكريمة تذكر الإنسان بقدرة الله في ذلك.
الآية تخاطب بني البشر لتحيي معرفتهم بالله من خلال معرفتهم لأنفسهم، فتضع الخطاب على شاكلة "هو وأنتم" ، ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ ﴾ هو القادر على ذلك، هو الفاعل، وأنتم المخلوقين الذين لا دخل لكم في تغيير صوركم التي تخرجون بها للدنيا، لا تستطيعون تغيير لون البشرة، ولا الطول، ولا لون الشعر أو العينين، لم يكن لكم أي يدٍ في تحديد كل تلك التفاصيل، وهو سبحانه من صوركم على مشيئته، فباستكمال الحديث عن قدرته سبحانه على علم ما يجري في الأرض الظاهر منها والخفي في الآية السابقة، هذه الآية تمضي للحديث إلى أكثر من ذلك بقولها هو الذي يصوركم في الأرحام، وفيها تتجلى قدرة الله، ويبان ضعف الإنسان وصغره.
بتأمل الإنسان في قدرة الله، وبتأمله في حقيقة نفسه، تزداد عقيدة الإنسان قوة في ربه، وما تسبب في الأفعال الخاطئة في الدين غير ضعف الإيمان، والآيات الكريمة تعطي مقدمة هامة لموضوع زيغ القلوب في التعامل مع آيات الكتاب الذي ستتحدث عنه الآية التالية بالإشارة للمشكلة من جذورها، وكأنها تعطي قاعدة هامة في التعامل مع الكتب السماوية وهي: بمقدار قوة ما يعتقد الإنسان بقدرة ربه سبحانه، بمقدار ما يستقيم في تعامله مع الآيات، والعكس صحيح، لذا لا يمكن فك الارتباط بين الطرق السليمة لفهم الكتاب وبين تسبيح الله حق التسبيح.
ختمت الآية الكريمة بقولها ﴿ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ لا على أساس الإخبار بألوهيته عز وجل، ولكن لتذكر الإنسان بأن لا يجعل لله إله آخر وهو لا يشعر، فهو الخالق وهو يملك ما خلق، وله الألوهية والربوبية لا لأحد سواه، وقد استخدمت الآية اسمين من أسماء الله الحسنى لتختم بهما وهما العزيز والحكيم، العزيز هو الذي لا تناله الضعة ولا الهوان، والحكيم الذي يفعل باقتدار الشيء الصحيح، وقد يكون في ذلك إشارة للذين لا يقدرون كتبه المنزل حق قدرها، فتقليل قدرها لا يعني أنهم نالوا من عزة الله فهو العزيز، أو الذين يتعاملون مع الله وكأنه نسي أن يضيف في كتابه ما يهوون، أو أضاف فيه ما يكرهون، ونسوا أن الحكيم الذي يضع كل شيء بمقداره الصحيح والدقيق.
بعد أن تحدثت الآيات الكريمة عن إنزال الكتب، وقدرة الله عز وجل وارتباط تلك القدرة بالإيمان بآياته حق الإيمان تنتقل الآن للحديث عن مشكلة التعامل مع الكتاب بحالة من الزيغ، وربطت ذلك بالميل للمتشابهات دون الأخذ بالمحكم من أجل التأويل.
﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ (7)
﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ تكرر استعمال اسم الإشارة "هو" وفي هذا تذكير بعظمته وتأكيد على صدور هذا الكتاب من لدنه عز وجل، وأنه الذي أنزله على نبيه محمد (ص)، وهي عبارة بادئة تدل على أنه نزل الكتاب وهو أدرى بما فيه، وقد اقتضت إرادته في أن يكون للكتاب آيات محكمات وأخر متشابهات ﴿ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ هو الذي أنزله بهذه الكيفية وهو يعلم كيف سيتعامل معه المؤمن، وكيف سيتعامل معه من في قلبه زيغ.
تصنف الآية آيات القرآن الكريم إلى صنفين الأول هو المحكم ﴿ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ من عبارة محكمة نفهم أن دلالتها لا تحتمل التأويل الشخصي، لأنها لا تحتمل أكثر من معنى، ولا يمكن لمن في قلبه هوى أن يأخذها كدليل إلى ما يريد حسب هواه، تلك الآيات يمكن أن يؤخذ منها مراد القرآن، والمواضيع الأساسية التي يتحدث فيها لذا يصفها بأنها هي الأم ﴿ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ الأم هي المرجعية الأساس التي ترتبط معها بقية الآيات أي الصنف الثاني وهم الآيات المتشابهات، ﴿ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾والآيات التشابهات هي حمالة أوجه يمكن تأويلها وحملها إلى حيث تريد الأهواء لأنها - من اسمها - متشابهة يمكن لألفاظها أن تحمل دلالة لأكثر من اتجاه، وهذه الآيات يمكن أن نسميها آيات فرعية يجب أن نرجعها إلى آياتها الأم حتى يتضح معناها ويتبين اتجاهها.
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ﴾ وهنا تشير الآية الكريمة إلى مشكلة فئة من المؤمنين في التعامل مع القرآن الكريم، فهم لا يرغبون في التحاكم للآيات المحكمة، ويتوجهون إلى الآيات المتشابهات ليتمكنوا من تأوليها واعتمادها كدليل على ما يهوون، والمشكلة تكمن في زيغ قلوبهم، فقلوبهم مائلة نحو شيء آخر غير ما أنزل الله، فهؤلاء الأشخاص يتعاملون مع القرآن، ولكنهم يخفون في قلوبهم ميل ناحية مفاهيم وعقائد وأحكام ونصوص وكلمات ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يجدون سبيلًا في إثباتها إلا من خلال الآيات المتشابهة،
من هنا يتضح أن لفظة "متشابه" تشير إلى طبيعة الآية في كونها تشبه ما يراد تأويله، ويمكن أخذها باتجاه آخر ومعنى غير الذي جاءت فيه في سياقها، في المقابل فإن الآية المحكمة تستعصي أن تأول. والآية تقول: ﴿ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ﴾ ولا يعني ذلك أنهم يتبعون حقيقة ما تعنيه الآية المتشابهة، ولكنها تعني أنهم يأولونها فتصبح دليلًا قرآنيًا يثبت ما هم عليه ﴿ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ والفتنة هي الانشغال بجهة أخرى، فالمفتون لا ينظر في هدفه ولكن ينظر إلى ما افتتن فيه، ومرضى القلوب يريدون ومن خلال القرآن أن يثبتوا للناس صوابية ما يعتقدون ويفتنوهم عن دينهم الواضح البين في صريح النص المحكم ويأخذوهم إلى ما يهوون.
﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ ﴾ إذا وجدت آية حمالة أوجه، فلا يمكن تحديد اتجاهها إلا من الله، وهذه العبارة يجب أن تفهم من خلال السياق ومن خلال المقدمة التي قدمت بها الآية المشكلة، فأصل المشكلة هو الأخذ بالمتشابهات وعدم الأخذ بالمحكمات، ومن ذلك نفهم ضمنًا أن أخذ المتشابهات يكون بفهم المحكمات أولًا لأنهن أم الكتاب، وكلمة "أم" تعطي معنى المرجعية الكبرى في هذا الموضوع، فيمكن أن نقول أن المشكلة تكمن في عدم إرجاع المتشابهات إلى مواضيعهن الأم، بإرجاعهن إلى الآيات المحكمات حتى يمكن فهمها في سياقات القرآن لا في سياقات الأهواء الشخصية، وبهذا يمكننا القول أن الآيات المتشابهة ليست مبهمة ويمكن فهمها، ومن ذاك يمكننا أن نقول أن المعنى من حصرية علم تأويل المتشابهات عند الله، تعني حصرية علم تأويلها عند القرآن فقط، لأنه هو الذي يحوي أمهات المواضيع في آياته المحكمات.
التعبير القرآني ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ ﴾ يحل محل المعنى القائل بحصرية علم التأويل إلا في القرآن، وهو بهذه الصياغة يعطي دلالة اعتقادية أقوى، مضمونها أن تأويل الحديث لا يؤخذ إلا من صاحبه، والقرآن هو حديث الله، فإذا اردنا تأويله يجب الرجوع لصاحب القول ليحدد المقصود من قوله، والله هنا يبين أنكم إذا اشتبهتم في آية فلا تسألوا عنها أحدًا غيري، وإذا أردتم قولي الفصل فيها فقد حددته في قولي المحكم في الكتاب المنزل.
﴿ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ﴾ الرسوخ في العلم هو الثبات عليه، والمقصود من العلم هو علم الكتاب، وهؤلاء يمتلكون صفة الرسوخ فيه أي عدم التزحزح عن ما يعلمون منه خصوصًا في وجود الفتن التي تدعوهم للتنازل وترك معتقداتهم الدينية التي ثبتوها من القرآن، وذلك الرسوخ ليس نابعاً من العناد وإنما من دراسة الكتاب والإيمان الحقيقي به ﴿ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ﴾، وقوله تعالى "والراسخون في العلم" تأتي في قبال "الذين في قلوبهم زيغ"، فهناك من تزيغ قلوبهم عن القرآن إلى غيره، وهناك من هم راسخون في فيه ثابتون عليه، فالذين في قلوبهم زيغ يتعاملون مع المتشابهات ويتركون المحكمات، وأما الراسخون فيتعاملون مع المتشابهات والمحكمات، ويحكمون المتشابه بالمحكم لأن المتشابه من عند الله وكذلك المحكم من عند الله ﴿ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ﴾ وهو السلوك الصحيح الذي يعبر عن صدق الإيمان بالكتاب، في المقابل فالذين في قلوبهم زيغ يبعّضون في أخذ الآيات فيأخذون ببعض الكتاب ولا يأخذون بالآخر، فلا يأخذون بالمحكمات وكأنها ليست من عند الله، وذلك التبعيض في حقيقته ضعف إيمان بالكتاب.
المؤمن بالقرآن مدعو لاكتشاف حقيقة إيمانه بالقرآن من خلال تعامله معه، فلينظر في نفسه هل هو يبعض فيه؟ هل يأخذ بالمتشابه ويترك المحكم منه؟ فإن كان سلوكه العملي معه سلوك الذين في قلوبهم زيغ، كان عليه أن يصحح ذلك السلوك، وذاك التصحيح هو التذكر بالآيات ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ التذكر هنا بمعنى التصحيح والتغيير إلى الأخذ بالكتاب كله كما هم الراسخون في العلم، وعدم اتخاذ الذين في قلوبهم زيغ منهجًا، والآية تخصص تفعيلها لأولي الألباب، أي من سيطبق ما جاء في هذه الآية هم أولئك الذين ينظرون في لب الشيء لا شكله الخارجي، وهذا يعني أنهم قادرون على اكتشاف حقيقة أنفسهم ولا يدارون على مساوئهم ولا يبرئون أنفسهم من الخطأ وهم واقعون فيه.
﴿ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾ (8)
الآية المباركة هي استكمال لقول الراسخون في العلم الذين ذكرتهم الآية السابقة ﴿ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾ زيغ القلوب هو انصرافها بالنظر إلى غير ما أمر الله أن ننظر إليه وهو القرآن الكريم، فالقلب إذا امتلأ حبًا بشيء آخر غير ما أنزل الله قلت قيمة كلمات الله ومال إلى ما يهوى وعمل على إثباته، والراسخون في العلم يخشون من الوقوع في تلك المشكلة مع رسوخهم في العلم وثبات مطلبه في عقولهم، ولا ضمان لهم بذلك الثبات إلا بالله ﴿ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾ لقد هديتنا يارب إلى كلماتك وبكلماتك وعلمنا مطلبك منا من خلال الآيات المحكمات وعملنا بها، فلا تسمح لهذه القلوب أن تزغ عنها لغيرها، وثبتنا على هداك، فهم يدعون الله على الدوام بالثبات على الحق لأنهم يعلمون بأن ثباتهم على الحق ليس بذكاء منهم ولكنه بتوكلهم على الله وبهدايته إليهم، وبموهبة رحمة من لدنه سبحانه وتعالى ﴿ وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾
﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ (9)
واستكمالاً لدعائهم في الآية السابقة - الراسخون في العلم - يذكرون أنفسهم بيوم يجمع الله فيه البشر لمحاسبتهم على ما يفعلون ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ وهو تذكير بما قد ينساه الإنسان في خضم صراعاته الدينية مع الآخر، فيميل بقلبه للبحث عن انتصار في الدنيا، ناسيًا انتصاره في الآخرة وفوزه الحقيقي فيها، ويبدو من ذلك أن السعي لنصرة النص الرباني لا يتماشى مع الانتصار في الدنيا، فعلو الدنيا يكون بعلو الباطل لا بعلو الحق، ولكن علو الآخرة يكون بإعلاء كلمة الحق في الدنيا وإن عزت وقلت تلك الكلمة.
إذًا هو يومٌ لاريب في قدومه وحدوثه إذ أن كل آيات الكون ، ومسيرة الأحداث وكتب الله المنزلة تؤكد أن الله عز وجل لن يترك الإنسان سدى بلا محاسبة، ولقد وعد الله عز وجل بذلك في كتابه والله لا يخلف الميعاد ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾، هؤلاء الراسخون يذكرون أنفسهم بتلك الحقيقة لأنها أساس تعالمهم مع آيات الله، فهم مستسلمون لها، لا لأهوائهم ولا يسعون من أجل متاع زائل من متاع الدنيا.
# هو الذي يصوركم في الأرحام
الله سبحانه وتعالى غيب لا نراه، ويتعامل معنا بالغيب ولكن نرى الآثار والمظاهر فنؤمن به، وآية "هو الذي يصوركم في الأرحام " تتحدث عن مظهر من المظاهر القوية لهذا الإله وهو الخلق، مشيرة إلى تصوير الإنسان في رحم أمه كيف يشاء هو سبحانه، والتصوير هو إعطاء الصورة التي سيخرج عليها الإنسان، تلك العملية التي ليست في قدرة أحد غيره، إن الآية الكريمة تلفت نظر الإنسان إلى عجزه في تغيير شيء من صفاته الشكلية، وتذكره بأنه مخلوق محكوم من قبل إله متحكم في تفاصيل الأمور.
والآية - في ذات الوقت - هي استكمالٌ لتسبيح الله وتقديسه الذي بدأت به الآية التي سبقتها آية " إن الله لا يخفى عليه شيء "، وهذا التسبيح يوصل الإنسان إلى معرفة نفسه ومن ثم تقدير الله حق قدره، فالإنسان لم يختر شكله ولا لون بشرته ولا طوله ولا لون شعره ولا صفات جسده، فما هو إلا مخلوق يصوره الله سبحانه وتعالى وهو في رحم أمه كيف يشاء، وكثيراً ما ينسى الإنسان من هو؟ وماذا كان؟ وما أصله؟ فيخطئ في حساباته وتقديراته لنفسه، ونتيجة لذلك الخطأ يخطئ في تعاملاته مع حقائق الغيب المرسلة من عند الله.
هتين الآيتين المباركتين هي مقدمة الحديث لكيفية التعامل مع كتاب الله، فالإنسان الذي نسى أصله وأن الله عز وجل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يتجرأ ويعتدي على حقائق الغيب بتأويل كلام الله كيف يشاء، وكأن الله لا يعلم ما يفعله، وكأنه لم يكن يومًا في يد الله يصوره في رحم أمه كيف يشاء!
# وما يذكر إلا أولوا الألباب
استخدم القرآن الكريم لفظة التذكير في عرض مشكلة التعامل مع الكتاب السماوي ومع القرآن الكريم، وذلك في قوله تعالى:﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ في نهاية الآية (7)، ذلك لأن أصل العلاقة مع القرآن مبنية على المعاهدة بالتمسك بمفاهيمه، الكتاب السماوي هو عهد المؤمن، وهي علاقة تختلف عن أي علاقة بأي كتاب آخر، وهذه العلاقة تضعَف وتقوَى حسب ارتباط المؤمن بكتابه، إذ لا يكفي ادعاء الإيمان، فإن ضعفت هذه العلاقة وداخل القلب الافتتان بغيره زاغ القلب وسهل أخذه إلى أفكار ومفاهيم أخرى، والابتعاد عن مفاهيم القرآن وعدم تفعيلها هو بمثابة نسيان لذلك العهد، وعندما تقول الآية الكريمة " وما يذكر إلا أولوا الألباب" فهي تقصد بالتذكر تصحيح طريقة التعامل مع القرآن بالأخذ بكل ما فيه من آيات دون استثناء، فلن يتنبه لما تحويه هذه الآية ولن يغير إلى الصواب إلا أولوا الألباب.
ولب الثمرة مغطى فلا تراه العين، وكذلك المشاكل الإيمانية لا يمكن رؤيتها لأن ظاهر الأمر مغطى بصورة إيمانية، والشكل الخارجي لا يمكن أن ينبئ عن حقيقة ما هو موجود في لب هذا الشكل، ولكن أولوا الألباب هم الذين لا يكتفون في الإيمان بظواهره، ولكن هم الباحثون عن حقيقة ذلك الإيمان، وهذا يعني أنه باحثون عن لب هذا المظهر، ويبدو أن ما يدفهم لذلك هو حرصهم الكبير أن يكونوا على ما يريد الله، وهذا الحرص نابع من خشيته سبحانه، ومن حقيقة تمسكهم بالكتاب.
والمشكلة التي تطرحها هذه الآية المباركة تعطي تحذيرًا ربانيًا للإنسان المؤمن من أن يتعامل مع القرآن بصورة انتقائية مع الآيات، فيختار ما يتناسب مع الأهواء ويستبعد عن نظره ما يمكن أن يدحض معتقده، من جهة أخرى تحذر المؤمن أيضًا من أن يقبل هذا التعامل من غيره، فقد يكون المؤمن محرزًا لذلك الأسلوب مع نفسه، فيبقى أن يحرز ذلك الشرط أثناء استقباله للمفاهيم الدينية والعقائد الملتبسة والأحكام الدينية من غيره، فلا يقبل بها إلا بشرطها، فإذا كان الشرط أن تكون مستمدة من كتاب الله، يبقى أن يكون هذا المؤمن واعيًا في طريقة استدلال هذا الداعي! فهل استدل بآيات متشابهة أو أنه أحكمها بآيات محكمة؟ فقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ تعطي جانبًا آخر في شخصية المؤمن، وهي وعيه وتدقيقه ومراجعته لما يشاع ولما يراد أن يأخذه في الدين، فلا يقبل بالفكرة لوجود آية تشبه ما يتم طرحه، هذا لا يكفي، بل يجب أن ندرك حقيقة تلك الآية في ذكرت في أي سياق، وهل هناك آية محكمة تدعم ذلك المعتقد أو لا؟
فالآية تحذر من جهة، وتوصي المؤمن من جهة أخرى أن يكون على مستوى من الوعي والحرص على دينه، وهذا يفرض أن يكون المؤمن بدرجة من الفهم لكتاب الله، وأن يكون منطلقًا في الحياة برؤية قرآنية شاملة وثقافة إيمانية تحصنه من كل الشبهات التي تملأ الفضاء وتحاول خطفه عن حقائق كتابه من هنا وهناك، فهي من جانب آخر توصي - بصورة ضمنية - أن يتحصل المؤمن على علم كاف بالآيات المحكمة والآيات المتشابهة، وإلا كان لقمة سائغة لكل صائد ومتربص، فالآية الكريمة عندما تحصر التذكر لدى أولي الألباب، فهي لا تحرم المؤمن أن يكون من المتذكرين لأنه ليس من أولي الألباب، ولكنها توصيه أن يكون منهم حتى يتحصل على التذكر والتراجع عن أي معتقد فاسد يحاول أن يتوغل إلى صدره.
إذًا الآية الكريمة عندما تعرض المشكلة لا تعرضها لكي تحير المؤمن، أو تعطل حركته عن التعامل مع القرآن، بل هي بهذا الكشف تدفعه لأن يكون أكثر تمسكًا بكتابه، وأكثر تعلقًا وفهمًا وإدراكًا لتفاصيله حتى يمكنه أن يرى الواقع على أساس ما يكشفه القرآن الكريم له، لأن أن يبقى مشوشًا يفتتن بأقل دليل مصطنع، أو فكرة هشة لا تستند إلى قاعدة حقيقة.
# زيغ القلوب
زيغ القلوب هو ميلها عن الجادة وعن الصراط المستقيم الذي خطه القرآن الكريم إلى شيء آخر، ودعاء الراسخون في العلم بأن يثبتهم الله على دينه وأن لا يُوقع قلوبهم في الزيغ في الآية (7) من سورة آل عمران بقولهم: ﴿ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾ ، هو لمعرفتهم بقيادة ذلك القلب، فالقلب هو المتحكم في حركة الإنسان، هو الذي يوجد دوافع الحركة والسعي، والعقل ما هو إلا جندي من جنوده يأمره فيمتثل لأمره، فإذا زاغ القلب أمر العقل أن يبحث عن دليل يؤيد معتقده الباطل، فيقوم العقل بالبحث عن دليل، ولن يكون هناك أقوى من أدلة القرآن الكريم، ولأنه لم يبدأ من القرآن ليستسلم له ولكنه بدأ من دوافع نفسه فلابد وأن يبحث عن آية تشبه ما يبحث عنه، لا آية محكمة تتحدث عن أوامر الله بوضوح وبيان، فآية بتلك الصفة لا تحتمل التأويل وليس فيها ما تهواه النفوس.
وما أن يحصل العقل على تلك الآية يصيغ معناها بجدارة واقتدار بحيث تحمل المعتقد الذي أراد له أن يثبت أمام الناس، ولا شك في أن تلك الصياغة وذلك العرض له أثره في نفوس الناس، لذا تقول الآية عن هؤلاء بأنهم يبتغون الفتنة ويبتغون تأويل الآيات، فيفتتن من لا علم له بالقرآن، ولا دراية له بتصنيف آياته الذي تتحدث عنه الآية (7) من سورة آل عمران من كون بعض الآيات محكمات وأخر متشابهات، يفتتن بظاهر الآية، ويقتنع بأن القرآن يأمر بما يتحدث عنه هذا القائل، وأن هذا المعتقد أو ذاك هو معتقد مطلوب، بل وقد يشك المؤمن أن رفضه لذلك المعتقد إنما هو من قصور في علمه بالقرآن، لأنه ظن أن الدليل الذي سيق في ذلك السبيل دليل صحيح، ولا يعلم أنه انقاد وراء آية متشابهة ووقع في خدعة وهو لا يعلم.
إذًا سبيل مرضى القلوب هو الخداع بواسطة آيات القرآن، وسبيل المؤمن للثبات هو أن يصل في علمه بالقرآن لدرجة الرسوخ الذي لا تهزه العواصف والفتن، ومع كل ما يعلمه المؤمن من كتاب الله، فهو لا يثق في نفسه ولا في علمه وإنما يثق في تثبيت الله عز وجل لقلبه، وهذا هو ديدن الأنبياء والرسل والأئمة والصالحين، هو اعتقادهم الجازم بأن لا ثبات لهم بحولهم ولا قوتهم ولكن بحول الله وقوته.
# فتنة التأويل
الحديث في الآية (7) عن فتنة التأويل ، يشي بوجود هذه الفتنة منذ بداية نزول القرآن، ويكشف ما الذي سيحدث مع هذا الكتاب الكريم من تعاملات من أجل تحجيم تأثيره، وتحويله من متبوع إلى تابع، ومن حاكم إلى محكوم بالحيلة والخديعة، فبدلًا من الاستسلام لما يأمر الله في كتابه، يتحول بواسطة مرضى القلوب إلى خادم للمصالح الشخصية ، ليصبح تابعًا لهم، وتنطق آياته بما يهوون، وإذا تأملنا في الآية جيدًا وجدنا أن تلك الأهواء هي مما ورثته تلك الأمم من آبائها.
ومن وراء هذا الدافع -المتمثل في إثبات الأهواء من القرآن- دافع آخر أخفى منه هو السيطرة على عقول الآخرين وتثبيت المعتقدات الباطلة فيهم، ليكونوا أتباعًا لنفس الميل ولنفس الهوى، وهذا بدوره يكشف لنا كيف تكون السيطرة باسم الدين وباسم الله، فالقرآن يملك قوة ربانية مؤثرة، وبحقائقه تتهدم كل المعتقدات الباطلة، ولكن لكي يضمن أتباع تلك المعتقدات بقاءها لابد لهم من الانطلاق من المنصة الأقوى منصة القرآن، واستغلال تلك الحقيقة الجاذبة والاعتلاء على منبرها من أجل الحديث منها وعنها، فيفرضوا أنفسهم كوسيط بين الناس وبين النص ليضعوا فيه ما يضعوا، ويسيّروا أفهام الناس بالخدعة والمكيدة إلى أهوائهم، ولكن لا يحصل ذلك إلا بواسطة الآيات المتشابهة.
الآية الكريمة تبين بشكل غير مباشر أحد مخاطر عدم دراسة القرآن، وتعيدنا للحديث مرة لموضوع مهم و هو خطورة الأمية في الكتاب، وضرورة الانعتاق من الجهل بالاقتراب منه، فالقرآن بالنسبة للجاهل فيه هو حمال أوجه ويمكن تسييره باتجاهات عدة إلا للذين درسوه تمسكوا به من خلال دراسة آياته المحكمة وفهم المتشابه منه وإحكامها، ثم رسخوا في علمهم هذا، فالحل الحقيقي من الانزلاق في أتون هذه الفتن هو التعلق بالقرآن، ومن لم يفعل ذلك و لم يعرف أمر الإسلام الحقيقي من القرآن لم يتنكب الفتن.