سورة آل عمران من آية 10 إلى آية 13
| ayat | alimran﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴾ (10)
سار الحديث منذ بداية السورة عن الكتب السماوية، ثم تم تخصيص الحديث في الآية (7) عن آيات القرآن الكريم، ثم الآن يتم الحديث عن الذين كفروا ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ليكون المعنى، هم الذين كفروا بتزيل القرآن الكريم وبآياته، ولم يتبعوها، ثم تكمل الآية ﴿ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً ﴾ أي لن يكون لهم النصر إن هم اعتدوا بما يملكون من أموال وما لديهم من عدد وعتاد، هم يرون أنفسهم أكثر أموالًا وأكثر عددًا ولديهم من الذراري ما يفوق المسلمين المؤمنين بالقرآن، وهذا يشعرهم بأحقية دينهم وما هم عليه من عقائد، وأنهم هم الناجون بتلك العقيدة يوم القيامة، والله عز وجل يبلغهم في هذه الآية أن لا نصرة لهم ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴾ بل وسيكونون هم وقود للنار.
إنها آية تُحبط كل من اعتد بنفسه وعقيدته منهم وتهشم هذا الكيان الهش المصطنع بالكثرة والأموال، فقط بقول الحقيقة التي تشير إليهم أنكم لستم الناجون بل أنتم وقود النار، والحقيقة هي ما تركتموه وراء ظهوركم في هذا الكتاب الذي تأبون إلا وأن تكفروه، وتبين أن ما تتعززون به في هذه الدنيا ماهو إلا كبر يسير على شاكلة كبر فرعون ومن قبله.
﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ (11)
عاشت بعض الأمم السابقة حالة من الشعور المصطنع بأنها سائرة على الحق، وأن لهم الحسنى يوم القيامة، وأن الله راض عنهم وعن سلوكهم في الإيمان، ولكن سيفاجأوا يوم القيامة أن كل ما اعتدوا به كان باطلًا، وهؤلاء الذين واجهوا الرسالة كانوا يعيشون تلك الحالة ولكن القرآن فاجأهم بحقيقتهم في الدنيا قبل الآخرة ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ أنتم لا تسيرون على درب الإيمان، ولا على خطى موسى (ع)، ولا عيسى (ع)، بل أنتم تسيرون على درب فرعون والذين هم على شاكلته من أمثاله الذين كانوا من قبله، فقد رأى الآيات بأم عينه لكنه كفر بها وسار على تكبره ﴿ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ﴾
ويبين الله سبحانه وتعالى مثلاً للذين كفروا هو فرعون ومن هم على شاكلته في القرون التي سبقته الذين كذبوا بآيات الله، فأخذهم الله بذنوبهم رغم ما يمتلكون من قوة.
(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12))
خطاب يوجه للذين كفروا المخاطبين في هذه الآيات بأن قوتهم لن تصمد أمام قوة الله سبحانه وتعالى، فالذي يخاطبهم هو الله سبحانه وتعالى.
(قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ (13))
أولاً: من هم المخاطبون في الآية؟
لا يمكننا تحديد المخاطبين " الذين كفروا" من خلال الآية فقط، لكن يمكننا أن نتعرف عليهم من خلال السورة، أي من خلال سياق الآيات، وهذا يدعونا للتدبر وإرجاع الآيات بعضها لبعض.
تحدثت السورة في بدايتها عن الكتب السماوية، ثم عن الذين يتبعون المتشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وهذا يلزم أن المخاطب هم أهل الكتاب، هم من لديهم خبرة في الكتب السماوية وهم من يستغلون علومهم من أجل دس عقائدهم الباطلة وإعجاز الآيات من أجل أن تنطق بتلك العقائد. ويدل على ذلك الآية (21) التي تتحدث عن أهل الكتاب الذين كانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، والآية (23) والتي تشير إلى أن هناك فئة من أهل الكتاب يرفضون حكم الكتاب. أما في الآية (28) فإنها تشدد على المؤمنين أن لا يتخذوا الذين كفروا أولياء، ما يدل على تداخل المؤمنين معهم وقدرة الكفار على التأثير عليهم. أما الآيات التي بدأت بذكر قصة مريم (ع) فإنها تتحدث عن القصة الحقيقية والكاملة لنبي الله عيسى، على خلاف الأكاذيب التي تروج من قبل أهل الكتاب، أما الآية (93) فإنها تشير إلى تحريف أهل الكتاب من بني إسرائيل إلى الأحكام الشرعية التي أنزلها الله سبحانه وتعالى في التوراة. وقبل تلك الآية يقول الله سبحانه وتعالى : ( كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86))
أي أن الذين كفروا هم من أهل الكتاب الذين آمنوا في بداية الدعوة ثم تراجعوا عن إيمانهم ليقفوا في وجه دعوة الحق. إذاً المخاطبون هم أهل الكتاب القريبين من المؤمنين الذين يعايشونهم والذين آمنوا بالرسالة ثم نكصوا على أعقابهم.
ثانياً: الغرض من الآية ؟
هو إعطاء آية مبصرة للذين كفروا على أن الله على صلة مباشرة بالنبي ومن معه، وأنه مؤيدهم بنصره على كل المستويات القتالية أو غيرها.
ثالثا: ما هو الحدث الذي تذكر به الآية الكفار؟
بإرجاع الآية للآيات اللاحقة في نفس السورة يمكن أن تتضح الصورة، ففي آية (123) يخاطب الله سبحانه المؤمنين مذكراً إياهم بنصره لهم في زمن سابق، وسمى تلك الحادثة بواقعة "بدر" حيث تقول الآية :
( وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125))
وهنا تذكير بالمدد الرباني في تلك الحادثة والذي تمثل بالملائكة المنزلة، وثم المسومة، الأمر الذي أحدث انقلاباً في موازين القوى، وهو ما لمسته الفئة الأخرى "الفئة الكافرة" في حادثة "بدر".
وأهل الكتاب يعلمون تماماً عن هذه الواقعة، لأنهم من سكان المدينة، وفي ذلك آية لهم بأن هذا النبي مؤيد بنصر من عند الله، وأن في هذه النصرة آية لأولي الأبصار .
رابعاً: تحليل الآية
"قد كان لكم آية في فئتين التقتا" : أيها الكافرون، يامن كفرتم بآيات الله ونكصتم على أعقابكم بعد إيمانكم بالرسول.
"فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة" : فئة تقاتل في سبيل الله هم المؤمنين الذين اتبعوا الرسول، وأخرى كافرة هم الذين واجهوا المؤمنين في واقعة "بدر"
"يرونهم مثليهم رأي العين": "الفئة الكافرة" يرون المؤمنين بأعينهم ضعف عددهم الذي كانوا يعلموه عنهم بشكل جيد، خصوصاً وأن المؤمنين كانوا في بداية الدعوة.
" والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار" هي آية مبصرة رأتها العيون، ومن المفترض أن تحدث لكم هذه الآية تغييراً في إيمانكم وتعاطيكم مع الرسالة.
إشارة ضمنية إلى أن الذين كفروا لديهم من الأموال والأولاد ما يظنون به أنهم منتصرون على المؤمنين، والله يبين لهم خلاف ذلك.