سورة آل عمران من آية 149 إلى آية 155
| ayat | alimran(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149))
هناك أوامر من عند الرسول تمثل جهة الله سبحانه وتعالى، وقد تكون أوامر الرسول غير واقعية بالنسبة لمن تشغله الدنيا ويبقى حبها في قلبه، وهنا تحذير للمؤمنين الذين قد يميلون إلى الأخذ بما يقوله الكافرون، ولكن قد يكون هؤلاء الكفار ليسوا أعداء وليسوا من الذين استهدفوا المؤمنين بالقتال. ولكنهم كفّار بالرسالة ولهم آراء وهم قريبون من المؤمنين ومتعايشون معهم، فالقرآن يحذرهم من أن يستجيبوا لآرؤهم في موضوع القتال.
(بَلْ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150))
لا تضيعوا ولايتكم لغيركم، لأن الله هو مولاكم هو من سيتولى أمركم، هو من سيهديكم لطريقة التعامل مع الذين يقاتلونكم.
(سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151))
وهذا هو أول نصر من عند الله، أنه سيلقي في قلوب الذين كفروا الذين يقاتلوكم الرعب، والرعب أحد أنصارك ضد عدوك، والآية تعطي المبرر والسبب الذي يجعلهم يستحقون هذا الرعب هو أنهم أشركوا بالله مالم ينزل به سلطاناً، وهذا إقرار من الآية أنهم مؤمنون بالله ولكن مشكلتهم هي الشرك وهذا الشرك هو الذي دفعهم لقتال الذين آمنوا.
وهذا الرعب سيُلقى في قلوبهم، لأن القلب هو موضع إدارة الجسد، فإذا وقع هذا الرعب من لدن الله في قلب هذا العدو فلن يكون له القوة في مواجهة المؤمنين، وما يبقى على المؤمنين غير الثبات حتى ينتصر على عدوه.
(وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152))
الآية تبيّن أن الله قد وعد المؤمنين باجتثاثهم للأعداء، وقد صدق الوعد وحقق المؤمنون ذلك، ولكنهم وبعد تحقق ذلك الوعد فشلوا بالتنازع فيما بينهم في أمر الحرب، وهذا التنازع هو عصيان لأمر الله فقد أمرهم بأن لا يقعوا فيه سابقاً في سورة الأنفال " لا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم "، من المؤمنين من كان يريد الدنيا ومنهم من يريد الآخرة لذا حصل هذا التنازع لأن البعض كان ينظر للأمر بنظرة دنيوية، ناسياً أن الأمر لله، وأن الدين له.
"ثم صرفكم عنهم ليبتليكم" صرف المؤمنين عن مواجهة الكفار للبلاء، كيف يتصرفون؟ وكيف يستجيبون لله وكيف يقيمون الأمور، صرفهم عنهم بعد الفشل والتنازع.
(إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153))
الصعود من المعركة هو الخروج منها، يُعبر عن الدخول في المعركة بالنزول لها فنقول نزل ميدان المعركة، وبالعكس فإن الخروج من المعركة هو صعود من الميدان، وهذا الصعود والمعركة قائمة هو هروب وهذا الهروب يسميه القرآن صعود، كما يصعد الدخان، فهو يهرب بشكل سريع، والآية لا تقول "تَصعدون"، وإنما تقول "تُصعدون" وهي حالة أشد من الصعود، لأن الهارب يحث غيره على الصعود، لأنهم يُصعدون غيرهم من المؤمنين، أي يأمرون بالخروج من ساحة المعركة والهروب من المواجهة في حالة تصفها الآية "ولا تلوون على أحد" أي لا تتراجعون عن هذا الخروج، فلا يلويكم عن هذا الهروب أحد مهما نادى واستنجد بكم أو أمركم بالثبات، في الوقت الذي كان فيه الرسول يدعوهم من الفرقة الأخرى، يدعوهم للثبات في مواقعكم إلا أنكم لم تثبتوا وهربتم.
" فأثابكم غماً بغم لكيلا تحزنوا على فاتكم ولا ما أصابكم" كان ثواب ذلك الفشل بالتنازع هو الغم بسبب تمكن الأعداء منهم وقتل بعض المؤمنين، وعلى هذا الغم أنزل عليهم غماً آخر بعد هروبهم من موطن المواجهة وهو غم عصيان الرسول، وهذا الغم الآخر من أجل أن لا يحزنوا على مافاتهم في الحرب وما أصابهم فيها والله خبير بما يعملون.
(ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنْ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154))
ثم بعد ذلك الحدث وبعد هروبكم من ساحة القتال وبعد الغم الذي أصابهم ثم جاءهم، غم أنزله الله على قلوبهم لأنهم عصوا الرسول وهو يناديهم، والآية تتابع بعد ذلك الحدث، وتقول " ثم أنزل عليكم من بعد الغمّ أمنة نعاساً "، ونزول هذا النعاس هو إشارة إلى فضل الله عليهم بالشعور بالطمئنينة والسكينة على الرغم من أجواء الحرب والإحساس بالخسارة التي منوا بها في الحرب. ولكن هناك طائفة من المؤمنين أهمتهم أنفسهم خوفاً من القتل، والآية تحوّل ذلك الظن ناحية الله بأنه ظن سوء وهو ظن الجاهلية، الظن تجسد في قولهم للرسول : "هل لنا من الأمر من شيء"، وظاهر هذا القول عادي ولكن باطنه هو الذي يخفوه في صدروهم هو أنهم سيقتلون في هذه الموقعة بعد الهزيمة التي منوا بها، وبموتهم هذا تكون دعوة الرسول قد انتهت، وبنهايتها يكونون قد عقدوا صفقة خاسرة في الاستجابة لهذه الدعوة. والله سبحانه وتعالى يأمر رسوله بأن يقول لهم "إن الأمر كله لله" ، " لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم الموت إلى مضاجعهم" من يكتب الله عليه الموت سيكون في المكان المحدد له ولا يخرمه القدر، فأنتم الذين تخافون من الموت والهلاك أين ستذهبون من أمر الله إذا أمر بأن يقضي عليكم الموت؟
" وليبتلي الله ما في صدوركم " وهذا بلاء من أجل أن يتبين ما في الصدور من سوء ظن بالله، " وليمحص الله ما في قلوبكم" وهذا الموقف هو تمحيص أيضاً لما في القلب من إيمان أو نفاق، ولو بنسبة ضئيلة، وفي هذا تبيين لمقام كل واحد من المؤمنين في هذه الدعوة.
في الآية درس كبير على المؤمن أن يتوقف عنده وهو الثقة في الله وعدم سوء الظن، وأن يتيقن بأن موعد الموت لن تغيره الظروف فهو وقت محدد عند الله سبحانه وتعالى.
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155))
على المؤمن أن يسعى لأن يكون قلبه سليم ونفسه مطمئنة بحيث يثبت في المواقف الصعبة، وهذه الآية تبين بأن الشيطان يستزل المؤمن من خلال ما يسكبه من أعماله، كل ضعف للمؤمن أمام صروف الدنيا من شهوات أو رغبات يؤثر عليه في المواقف التي فيها تمحيص وطلب للثبات.
الآية تقول "إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان" هم الذين هربوا من ساحة القتال، حقيقة الأمر أنهم ضعفوا في المواجهة بسبب واضح وهو أن الشيطان استزلهم ببعض ماكسبوا، فالإنسان رهين لعمله، ويظهر ذلك في مواقف البلاء الدنيوي. " ولقد عفا الله عنهم " وهذا هو كرم الله مع المؤمنين فالله سبحانه وتعالى غفور رحيم.