سورة آل عمران من آية 156 إلى آية 163
| ayat | alimran)(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156))
هذا خطاب للفئة المؤمنة التي هربت لحظة الحسم في المعركة، يقول لهم الله يامن آمنتم بالله لا تكونوا كالذين كفروا في عقائدهم في القوانين الدنيوية، فالمؤمن عندما يؤمن بالله يعني أنه يؤمن باعتقاده الجازم بالله، الآية تعقب على المحنة التي مر بهما المؤمنون في المعركة، فحين هرب من هرب، بقي بعض وثبت، ولكن نتيجة لذلك الثبات قتلوا، فكان هذا الإحساس ملازم للفئة التي هربت وتمنت لو أن أولئك البقية هربوا معهم أيضاً، ولكن هذه العقيدة مشابهة لعقيدة الكفار في كونهم يؤمنون بأن الحفاظ على النفس من الموت هو بيد الإنسان نفسه، فالله يقول لهؤلاء المؤمنين لاتكونوا مثل أولئك الكفار الذين يقولون هذا القول لبعضهم البعض، ما تقولونه هو مطابق لقول الكفار.
(وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157))
وهذا هو الخطاب الرباني لهؤلاء المؤمنين، ما المشكلة في أن تموتوا؟ أنتم مشغولون بهذه الدنيا وبما فيها من نعيم وزخرف زائف، النهاية ستموتون وتلقون الله، فما هو أفضل من أن تموت في سبيل الله فالموت في هذا السبيل فيه مغفرة من الله ورحمة تلك المغفرة والرحمة هو خير مما يجمعون في هذه الدنيا.
(وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإٍلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)
الكل سيحشر لله، سواء أجمعت في الدنيا أو لم تجمع، والموت في سبيل الله خير لمن قتل في ذلك السبيل ممن جمع ما جمع في هذه الدنيا.
(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159))
هذا اللين الذي يبديه النبي محمد (ص) تجاه المؤمنين هي رحمة من الله سبحانه وتعالى، هذه الرحمة هي السبب في التفافهم حول الرسول، وتظهر أهمية هذا اللين في المسائل الأكثر حساسية وخصوصاً أثناء الحرب، والتي تتداخل فيها الآراء، وتفرض فيها الظروف الضغط على المؤمنين أن يبدي كل واحد رأيه وذلك لأن الموقف مخيف ويحتم الحذر من الجميع، ولكن تداخل الآراء وإبداء المواقف المختلفة يكون مزعجاً للقائد المتحمل لمسؤولية الأمر والمتلقي لأوامر من عند الله سبحانه وتعالى، وهذا الإزعاج قد يقوده للشدة في التعامل، ولكن ومع ذلك ومع كل تلك التداخلات في الآراء فإن الرسول يبدي لهم اللين، وهذا هو رحمة من عند الله سبحانه وتعالى.
الآية تقول أنه لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، لانفرط هذا العقد، والرسول لين الجانب فتتكاثف حوله الأغصان، " فاعف عنهم " عن تداخلاتهم المصرة على آراؤهم، " واستغفر لهم " اطلب المغفرة لهم من عند الله على مواقفهم التي اتخذوها سابقاً، " وشاورهم في الأمر " على ما قد يتوصلوا له من خلال التشاور فيما بينهم في شأن من شؤونهم وخصوصاً في موضوع الحرب والتجهيز والترتيبات لها، وبعد هذه المشاورة توكل على الله : " فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين" . توكل على الله لأن الله هو المطلع على ما أنتم فيه وهو القادر على بلوغ أمره. الله سبحانه وتعالى "يحب المتوكلين" وهذا الحب هو ما ينظر له المؤمن ويريد أن يكون في دائرته.
(إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ (160))
إذا توكلتم على الله ونصركم فلا غالب لكم، وهذه الثقة بالله هي بعد أن يعد المؤمن كل مستلزمات النصر، والآية تؤكد على اعتقاده بالله بأنه لن يخذلهم في الشدة إن أراد أن ينصر المؤمنين. العكس صحيح ، فإن أراد الله أن يخذلهم ولا يمدهم بالنصر فلا أحد يستطيع أن ينصر، في الآية رسالة هو أن لا تخالفوا أوامر الله لأن التوكل الحقيقي في الالتزام بأوامره سبحانه وتعالى، والآية تعالج مشكلة التنازع الذي يحدث أثناء الحرب بين قادة الحرب أو المتحاربين أنفسهم حين يتناقشون في شؤون الحرب، الآية السابقة تقول للنبي شاورهم في الأمر، وبعد المشاورة في الأمر يكون قرار النبي على أحد الآراء، أو قد يكون رأي يوافق بين تلك الآراء، أو يكون رأي جديد لا يتوافق مع أي أحد من الآراء، وهاهنا يكون عدم الرضا من قبل بعض الذين لم يؤخذ برأيهم، وقد يفترض من خلال عدم اتخاذ رأيه أن الأمر لن يتحقق، وأن النصر لن يأت، وهنا الآية تعالج هذا الإحساس بالقول أن هذه هي الطريقة الصحيحة في التعامل مع هذه الأمور وهي من خلال التشاور وبعدها اعتماد رأي الرسول على أساس التوكل والاعتقاد بأن الله هو الذي ينصر وليس الرأي الحصيف هو الذي ينصر.
(وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (161))
وما كان لنبي أن يغل أي أن يكون في قلبه درجة من الغل ولو بدرجة صغيرة على أي أحد من أتباعه، ومن يغلل على أحد من المؤمنين يأت بما غل يوم القيامة، يأت بهذا الغل مجسداً أمامه ليحاسب عليه، كي توفى كل نفس بما كسبت
(أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162))
الآية تتحدث عن المؤمنين الذين لم يخرجوا عن طوع الله ورسوله، هم الذين اتبعوا رضوان الله، في المقابل هناك من باء بسخط من الله، الآية تقول هل يستوي من اتبع رضوان الله في كل المواقف التي مرت في فتنة المعركة التي سبق الحديث عنها، هل يستوي مع من باء أي أخذ له موقعاً في خانة السخط الرباني؟ وهذا يعني أن هناك من اتبع التعليمات وهناك من لم يتبع التعليمات التي أمر بها الرسول في آية " شاورهم في الأمر" السابقة، وأن اتباع التعليمات هي اتباع لرضوان الله سبحانه وتعالى.
طريقة الآية جاءت بإسلوب السؤال، ولديك الإجابة وتعلمها بنفسك، فاتباع رضوان الله هو أفضل من باء بسخط من الله.
(هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163))
أولئك الذين اتبعوا رضوان الله واتبعوا التعليمات بكل رضا من أنفسهم وحباً في الله ورسوله في حقيقتهم درجات عن الله سبحانه وتعالى، والله بصير بما يعملون في كل خطوة وفي كل عمل يقومون به.