مدونة حلمي العلق

سورة آل عمران من آية 164 إلى آية 175

 | ayat | alimran

( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (164))

الله يذكر المؤمنين بمنه عليهم حين بعث فيهم النبي محمد (ص) من أنفسهم، وبين ماهية المنة عليهم بأنها في أن هذا الرسول يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، على أن هؤلاء المؤمنين كانوا يعيشون الضلال المبين قبل بعثة هذا الرسول.
الآية تبيّن ثلاث وظائف هامة للرسول وهي تلاوة الآيات، وتزكية المؤمنين، وتعليم الكتاب والحكمة.
استخدمت الآية كلمة "المؤمنين" للدلالة على الفئة التي آمنت بدعوة الرسول واتبعته واتبعت دعوته، وبهذه الخصوصية تتحدث الآية عن الدور الذي يقوم به الرسول بينهم، وقد قام الرسول بتعليمهم الكتاب، أي يعلمهم الأحكام والشريعة الحق التي اندثرت بعد زمن ابتعد عن دعوة عيسى وموسى.
هناك علاقة بين تلاوة الآيات وتزكية النفس ومن ثم تعليم الكتاب والحكمة، فتلاوة الآيات تقود إلى تزكية النفس، ومن ثم يمكن الانتقال إلى تعليم الكتاب بنفس زكية، وبعد تعلمه يحتاج الإنسان إلى حكمة من أجل تبليغه ، ومن أجل العمل به.

(أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَابْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165))

الآية تتساءل عن تساءل المؤمنين عن المصيبة التي أصابتهم في هذه المعركة، والآية من حيث التسلسل الزماني تشير إلى أن المؤمنين قد أصابتهم مصيبة في هذه المعركة التي تتحدث عنها السورة من بعد أن انتصروا في معركتين سابقتين، ولكنهم فشلوا في هذه المعركة بسبب أنفسهم، وقد تقدم في الحديث عن هذه المعركة في هذه السورة " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا" .

(وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166))

إن الذي أصابكم أيها المؤمنون يوم التقى الجمعان في هذه الحرب كان بإذن الله، ومن أجل أن يعلم الله المؤمنين، الله سبحانه وتعالى يعلم المؤمنون حقاً، ولكن هذه المواقف تثبت من هو المؤمن الحقيقي ويكون حجة عليه من خلال ما تثبته ردة فعله.

الآية تبين أن هزيمة حلت بالمؤمنين من خلال عملهم وكما بينت الآية السابقة (165) " قل هو من عند أنفسكم" ولكن هو بإذن الله، والله أذن بذلك لتكون فتنة ويمحص من خلالها المؤمنين الحقيقيين. وهذا يبين أن هذه المعركة وهي المعركة الثانية للمؤمنين محصت المؤمنين الحقيقيين وأبرزتهم.

(وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ۖ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ(167))

وهذه المصيبة لها هدف آخر وهو معرفة "الذين نافقوا" وللنفاق أفعال من ضمنها هو الذي تذكره هذه الآية وهو التولي عن القتال أو المدافعة عن المؤمنين، هذه الفئة قيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله ولكنهم ردوا بعدم معرفتهم بالقتال، وجعلوا من ذلك مبرر لهم لعدم لحاقهم بالمؤمنين، وهذا القول ليس بالضرورة أن يكون حقيقي فهم يقولون بأفواههم ماليس في قلوبهم، فهم يكتمون في قلوبهم عدم الإيمان الحقيقي الذي يدفعهم للقتال.
الآية تقول " نافقوا " أي مارسوا النفاق، وتظهر ممارسة النفاق بتسللهم من الحرب، بقول يرضي المؤمنين ولكنه يخالف حقيقتهم.
وتقول الآية " هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان " الفارق بين الإيمان والكفر هو خط متدرج، يتحرك فيه المؤمن بالتدرج شيئاً فشيئاً إما للكفر أو إلى الإيمان، والمؤمن من خلال مواقفه أو من خلال جهاده لنفسه وتقربه من الله يقترب أو يبتعد عن الإيمان.

(الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ۗ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (168))

الآية تكمل الحديث عن الذين نافقوا في الآية السابقة، بأنهم قالوا لإخوانهم الذين شهدوا الحرب، بأن الذين قتلوا في الحرب لو أطاعوهم في عدم الذهاب للحرب ما قتلوا، وهذا يشير إلى حقيقة النفاق التي كانت في صدورهم بأنهم لم يخرجوا للحرب من أجل أن يدرؤوا عن أنفسهم القتل وليس لأنهم لا يعلمون قتالاً، كما بينت الآية السابقة. والرد الرباني لهذا النفاق هو : " قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين" ، هل يستطيع أحد أن يحمي نفسه عن الموت؟ من منكم يستطيع ذلك، فالموت الذي وقع للذين قتلوا في الحرب إنما بإذن الله، وعلى المؤمن أن يستجيب لأمر الله حتى يموت على إيمان تام.

(وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169))

إشارة إلى الذين قتلوا في المعركة، أنهم قتلوا في سبيل الله، ولم يقتلوا ولكنهم أحياء عند ربهم يرزقون. ما طبيعة هذه الحياة وماطبيعة هذا الرزق، العلم عند الله سبحانه وتعالى، ولكن الآية تبشر المؤمنين بأن حياتهم متواصلة لن تنقطع.

(فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170))

أولئك الذين قتلوا في سبيل الله في حالة من الفرح بما آتاهم الله من رزق وخير في ذلك العالم الغيبي، وفي حالة ترقب واستبشار بمن سيلحق بهم بعد موته من المؤمنين الذين لم يلحقوا بهم في المعركة التي كانوا فيها، الاستبشار من البشرى والخبر الجيد الذي، فهم يستبشرون ينتظرون الخبر في أن يكون هناك قتيل جديد من أصحابهم الذين في الدنيا من الذين لم يلحقوا بهم لحد الآن، وهم يؤكدون للقادم لهم أن لا خوف عليهم، لا خوف عليهم من العذاب لا خوف عليهم من تعامل الملائكة الغلاظ، بل هناك حياة فيها كرامة ونعمة وخير كثير، " ولا هم يحزنون" لن يحزنوا على الدنيا وفراقها.

( ۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171))

"يستبشرون" ينتظرون الأخبار في النعم القادمة المتوالية من عند الله سبحانه وتعالى، هناك نعم متوالية، وهناك أفضال متوالية من عند الله، " وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين" هذا العمل الذي عملوه في الدنيا من صبر وعبادة وجهاد في سبيل الله.

(الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172))

الآية تتحدث عن القرح الذي مر المؤمنون به في هذه المعركة، وأن هذا القرح قد جعل بعض من المؤمنين يمتنعون من مواصلة الجهاد مع النبي، والآية تتحدث عن استبشار أولئك المؤمنين الذين قتلوا في المعركة وفي الحياة الغيبية بأنهم يستبشرون بالبقية المؤمنة التي استجابت لله والرسول في مواصلة الجهاد، وبقاء العزيمة على الثبات على الدين على الرغم من هذا القرح الذي أصيبوا به، ثم تختم الآية بقولها " للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم" : والآية تعني بذلك هؤلاء الذين استجابوا بعد القرح، أي بعد المعركة التي هزموا فيها التي تتحدث عنها الآيات في السورة، فهذه الأستجابة بعد هذا القرح استجابة تدل على قوة الإيمان، لأن المصيبة التي أصيبوها في المعركة السابقة ليس أمراً هيناً ومع ذلك هم يستجيبون لله وللرسول.
" للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم " أجرهم لن يضيع حتى وإن لم يقتلوا، وخصص بهذا القول المحسن منهم في عمله مع الله سبحانه وتعالى وليس المرائي فيه.

(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173))

تكمل الآية الحديث عن الفئة من المؤمنين التي استجابت لله وللرسول من بعد ذلك القرح، وتصف الوضع الإجتماعي بعد تلك الحرب أن هناك استعداد أكبر قادم من العدو للقضاء عليهم، وخصوصاً بعد أن رأى هزيمتهم في هذه المعركة المذكورة في هذه السورة، وهنا تخويف من الناس إلى هذه الفئة بأن احذروا فإن الضربة القاضية قادمة لكم، ولكن هذا التخويف لا يزيدهم إلا إيماناً وتسليما، " وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل " . فقد اكتفوا بالله حتى وإن كانت الدنيا كلها عليهم فهو حسبهم، واكتفوا بوكالته في يخرجهم من هذا المأزق.
ويمكن إدراج هذه الآية ضمن الحرب النفسية ضد المؤمنين من أجل هزيمتهم النفسية، وإضعاف عزيمتهم.

( فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174))

هنا تتحدث الآية عن النتيجة التي حصلت لهذه الفئة بعد الفتنة وهي أنه لم يمسسهم السوء الذي كانوا يتهددون به، وهذا هو فضل من الله وهي نعمة من الله. وهذا هو نتيجة توكلهم على الله لأنهم توكلوا على الله سبحانه وتعالى وجعلوه حسيبهم في أمرهم هذا.
واتباع رضوان الله هو اتباع الأوامر التي أمر الله بها، وبخصوص الموضوع الذي تتحدث فيه الآيات هو أنهم أأتمروا بأمر الله ورسوله وأطاعوا الرسول على الرغم من إصابتهم بالقرح.
"والله ذو فضل عظيم" ليس من السهل أن ينقلبوا دون أن يمسسهم سوء من الناس الذين يريدون بهم سوءًا ولكن هذا فضل عظيم من الله وليس أمراً عادياً. وهذا الذي يستشعره المؤمنون.
قوة الإيمان لا تأتى إلا بالعمل، والمعاصي التي يقع فيها الإنسان ويستهين بها تؤثر عليه في المواقف الصعبة والتي تكون فيها فتن الإيمان، تلك الفتن هي التي تمحص المؤمن من غير المؤمن.

(إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (175))

قوله تعالى " إنما ذلكم الشيطان " تبيّن أن ذلك التخويف الذي يصل إلى المؤمنين هو من عند الشيطان سواء كان من خلال الوساوس أو من خلال الناس الذين كانوا يقولون للمؤمنين أن الناس قد جمعوا لكم، فهؤلاء إنما هم هو أحد أدوات الشيطان الرجيم حيث يوظف بعض الناس من أجل أن يحقق مشروعه، وأكبر مشكلة لدى الشيطان هي أن يطيع المؤمنون الله ورسوله وأن يستجيبوا للأوامر الإلهية.
والله سبحانه وتعالى يقول أن ذلك التخويف لا يصيب إلا الذين هم أولياء للشيطان، وأولياء الشيطان هو الذين يطيعونه في الصغيرة أو الكبيرة، والله سبحانه وتعالى يقول " فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين" فهنا يتحدث عن عموم التخويف الذي يصدر من أولياء الشيطان فكل من يتحدث بإبعادكم عن طاعة لله والرسول هو من جند الشيطان.