سورة آل عمران من آية 72 إلى آية 80
| ayat | alimran(وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72))
بدأت الآيات تكشف طوائف من أهل الكتاب، وبدأت بكشف أول طائفة وهي التي حاولت أن تعزل الناس عن الإيمان ومتابعة النبي محمد (ص)، وهذه طائفة من الطوائف اتخذت طريقة ادعاء الإيمان في بداية الأمر ومن ثم إعلان الكفر به من أجل زعزعة إيمان الناس، وهذا لأن أهل الكتاب لهم مكانة علمية ولأنهم هم من نصروا الرسول في بداية دعوته، ولكن عندما وصل الرسول إلى تغيير معتقدات هي أساس بالنسبة لهم أصبحوا يحتالون من أجل إسقاط مكانته ودعوته، وهي حيلة العاجز الذي لا يستطيع أن يرد على الحجة.
وهذا يكشف المكانة التي تتمتع بها بعض طوائف أهل الكتاب في المدينة المنورة، ودليل على المكانة التي وصل إليها النبي محمد في ذلك الوقت، وأن النبي بدأ يستقطب الكثير من أتباعهم من أهل الكتاب في إيمانهم للرسول ودعوة القرآن الكريم. وقول الآية الشريفة "لعلهم يرجعون" إلى نفس الطائفة التي هم كانوا عليها قبل أن يأتي النبي.
(وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73))
هذه توصية خاصة بين أفراد الطائفة أهل الكتاب التي تحاول أن تنقض نبوة النبي محمد (ص)، بأن لا تؤمنوا لمن يغير في دينكم الشرائع والأحكام والعقائد، كونوا أنتم المتبوعين وليس التابعين لأحد، فلا يصح أن يكون لأحد مثل ما أوتيتم من الكتاب ويوم القيامة يحاججك أمام الله سبحانه وتعالى، فالقول في هذا من عند الله سبحانه وتعالى: إن الهدى الحقيقي هو الهدى الصادر من عند الله سبحانه وتعالى ومن كتابه الكريم، " إن الهدى هدى الله" وليس محتكراً عند أحد ويختص برحمته من يشاء فيعطيه الهدى. وقل لهم أن الفضل بيد الله فلو آتانا هذا الفضل فيجب عليكم أن تؤمنوا به. وفي الآية مرض قلب واضح وخطأ متعمد ولكنهم وقعوا فيه بدون أدنى شعور بالمشكلة، وقولهم لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم لا تأمنوا لأحد من غيركم فتحدثونه بما لديكم من العلم فيقوم بمحاججتكم وإلزامكم بما ألزمتم به أنفسكم.
(يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74))
وهذا اختصاص من عند الله إلى آل إسماعيل على النبي محمد (ص)، وكل المشكلة هي الحسد في أن يكون محمد هذا النبي الأمي هو الرسول القادم برسالة من عند الله سبحانه وتعالى.
(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75))
تتحدث الآية عن فئة أخرى من أهل الكتاب التي تتعامل بالحسنى مع الناس وتفي بالعهود والديون مع الآخرين حتى وإن كان المبلغ كبيراً، ولكن هناك فئة أخرى لا تؤتمن حتى على الدينار القليل ولا يمكنك أن تحصل على دينك منه إلا إذا كنت عليه قائماً، ويعتمدون على ذلك بقولهم أن الله لا يؤاخذنا في عدم الوفاء مع الأميين، لأنهم ليسوا أهل كتاب ولا حرج في عدم الوفاء معهم، وفي ذلك قول الكذب على الله، لأن الله يأمر بالوفاء بالعهود مع الناس.
وفي هذه الآية دلالة واضحة على التعاملات المالية والتجارية المعقودة بين أهل الكتاب والأميين، وهذا يشير إلى التعايش الحقيقي بين الطائفتين وتواجدهم في موطن جغرافي واحد وليسوا متباعدين.
وفي قولهم " الأميين " فيها احتقار إلى الفئة من المجتمع التي يمكن استضعافها وأخذ حقها دون رادع لدنو مكانتها الإجتماعية أو لأنها ليست على الكتاب وليست من الطائفة التي ينتمي إليها. والميزان هو الوفاء وليس قيمة الشخص الإجتماعية. ومن أكثر متلازمات الإحتقار هي انتماء الشخص الديني.
(بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76))
هذا مايريده الله من المؤمن وهذا ما يأمر الله به أن يكون وفياً بعهده مع الناس كل الناس، وذلك هو من التقوى، وهذا ما تؤكده الآية التالية. التقوى هو الباعث على الحفاظ على الدين، وعدم التعالي على الناس.
(إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77))
هذه الآية تؤكد ضرورة حفظ العهود مع الناس، وأن العهد مع الناس حتى في الديون البسيطة هو عهد مع الله ويجب الوفاء بها، ومن لم يف بها فقد باع عهده مع الله بقيمة ذلك الدينار الذي أكله على صاحبه، بل وتشدد الآية على وضع ذلك الشخص بأن لا خلاق له في الآخرة ولا يكلمه الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.
الله سبحانه وتعالى يلغي الازدواجية في التعامل مع الناس بناءً على تصنيفات محددة، أو أن الإنسان يخشى الشخص فيدفع له الدين، ولكن المؤمن الحق هو الذي يخشى الله حتى مع الإنسان الضعيف.
"لا خلاق" أي لاحياة لهم في الآخرة، وقد عبرت الله الآية عن الدين السابق في الآية (75) أنه عهد مع الله، وهو يمين حين واثقه بأن يسد دينه أو يعيد أمانته، وموضوع العهود والديون من المواضيع المغلظ عليها من عند الله مع أي شخص كان.
(وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78))
قراءة كلام الله مميزة في كل زمان في كونه يقرأ بنغم الخشوع لأنه كلام رباني، والآية تشير إلى طائفة من طوائف أهل الكتاب الذين كانوا ينغمون كلام من عندهم حتى يوهمون الذين آمنوا بأن ما يقولونه هو من الكتاب، ويقولون أن ما نقوله هو من عند الله وما هو من عند الله. وتضيف الآية إلى أن ما يقولونه هو الكذب على الله.
وتبين هذه الآية أن فريقاً من أهل الكتاب كانوا يحاولون سحب البساط من المؤمنين وعن الرسول بادعاء أن كتابهم يقول خلاف ما يقوله النبي محمد (ص)، وهذا بدوره يقود إلى فهم أن المؤمنين مع النبي يؤمنون بالتوراة ولكن هناك فارق في اللغة، فلا يستطيعون قراءة أو فهم التوراة لما فيها من اختلاف في اللغة، وقد يشير إلى أن التوراة ليست متواجدة ومتوافرة في المجتمع المدينة وليس مشاع وليس مكتوب وليس منتشر، ومحفوظ في صدور بعض أهل الكتاب.
ولربما كانوا يلوون اللسان بالكتاب بمعنى أنهم يحاولون أن يحاججوا بالكتاب باستخدام أساليب في الكلام بحيث يشعروا المستمع بأن ما يقولونه هو مطابق للقرآن. على أساس أن كلمة اللي هي أنها إحراف كما يقال يلوون عنق الآية، أي يخرجونها عن إطارها الصحيح.
(مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (79))
هذه الآية تنفي ما يحاول ذلك الفريق من أهل الكتاب في إثباته، وهي أن للنبي أن يشرع وقد شرع موسى بشرائع أخرى غير التي ذكرها الله في الكتاب في التوراة وكذلك بالنسبة للنصارى والذين ادعوا عن عيسى غير الذي ورد في الإنجيل.
والآية تعبر على أن الطاعة في الدين هي عبادة، كما أن الآية تشير إلى أن الطريقة التي يريدها الله سبحانه وتعالى من المؤمنين بالكتاب هي دراسة الكتاب ومن ثم تعليمه للناس، وليس تعليمهم شيء آخر، أو كتاب آخر. ومن يتعلم الكتاب يسمى رباني، أما الذي يتعلم غير الكتاب يسمى رب من دون الله.
(وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80))
هناك أوامر صدرت وتنسب إلى الملائكة، وهناك أوامر وصدرت من النبيين، لأن الربوبية هي أن يصدر منه الأمر مستقلاً من عنده شخصياً من دون أن يكون راجعاً إلى الكتاب السماوي، أيامركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون؟ الإسلام هو الإذعان إلى الآية والإستسلام لها، ومن هنا يتبين أن تلك الأوامر إنما جاءت بأسماء أنبياء وأسماء ملائكة وهي تتضارب في الأصل مع الكتاب السماوي.