سورة النساء من آية 1 إلى آية 7
| ayat | alnnisa(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1))
الخطاب لكافة الناس، لم يخاطب المؤمنين وإنما وجه الخطاب لكافة الناس، بعدها يأمر الله سبحانه وتعالى بالتقوى، وهي مقدمة لما سيتم الحديث عنه في الآيات التالية لأن السورة تتحدث عن حقوق، والحقوق هي مجال مهم من مجالات التقوى، بعدها تحدث عن حقيقة خلق الإنسان وهي أن الإنسان بجميع طوائفه وأجناسه وطبائعه هو مخلوق في الأصل من نفس واحدة، الكل راجع إلى نفس واحدة، وهذه العبارة لنفي الاختلافات التي يراها الإنسان والتي يستشعر أنها تفرق بينه وبين أي جنس آخر، فالحقيقة هي أن جميع الناس يعودون في أصل خلقتهم إلى نفس واحدة.
" وخلق منها زوجها " تلك النفس الواحدة وهي "آدم" خلق منها زوجها التي تزوجها، وبعد ذلك الزواج " وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء"، إذاً أصل الخلقة هو ذكر وأنثى آدم وزوجه ثم انتشرت البشرية بجميع أنواعها وجميع أجناسها المختلفة.
" واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام" اتقوا الله لأنكم تسألون بعضكم بعضاً باسم الله، تسألون بعضكم بعضاً بحقيقة هذا الرحم الذي بينكم، بينكم أرحام هي قرابات هذه القرابات أسماها القرآن الكريم أرحام، لأن القرابة بين الناس هي في أصلها رحمة بينهم، الله يرحم الإنسان بالإنسان من خلال هذه العلاقات، والرحمة تكون من خلال الرعاية وحفظ الشؤون العامة والتربية و في العطاء بشكل عام.
"واتقوا الله" تأكيد على ضرورة التقوى الخاصة في موضوع الأرحام، فيقول اتقوا الله الذي تساءلون به، أي تسألون بعضكم بعضاً في المال وفي العطاء أو في تحمل المسؤوليات "بالله" فتطلبون بعضكم بعضًا باسم الله بحق الله على الناس أن يكونوا متراحمين، وبحق الرحم الذي بين الناس.
" إن الله كان عليكم رقيباً " إن الله سبحانه وتعالى يراقب ما أنتم عليه وما تفعلون وهو يراقب أفعالكم وردود أفعالكم تجاه بعضكم البعض وكيف تتصرفون على أساس تلك التقوى.
(وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً (2))
"إيتاء اليتامى" ليس مثل دفع المال لليتامى، فإيتاء اليتامى يعني إدارة المال بما يحفظه لحين دفع ذلك المال لليتيم في المستقبل حين يكبر.
الآية تأمر المتولي لأمر اليتيم من أن يبدّل شيئًا من أموال اليتيم الجيدة، فيأخذ ذلك الجيد ويستبدله بشيء أقل جودة من عنده، "ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم" والخطاب للمتولي على أموال اليتيم بأن يحذر من أن يأكل شيء من أمواله دون أن يشعر، فلو كان اليتيم ورِث شياه، فالمتولي لأموال اليتيم قد يكون لديه شياه أيضاً ويرعى شياه اليتيم مع شياهه، فقد يستبدل واحدة بواحدة لأنها جيدة، أو قد يضم واحدة إلى شياهه دون أن يشعر أحد والله هو الرقيب عليه. والله سبحانه وتعالى يحذّر من ذلك التصرف فلهذا التصرف نتيجة وهي عقاب في الدنيا قبل الآخرة، ذلك العقاب يسميه القرآن الكريم "حوبة" أي أن هذا الظلم سيرتد عليه وقد يكون في ولده من بعد موته " إنه كان حوباً كبيرا" .
(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا (3))
الحديث لمتولي إدارة أموال اليتامى استكمالاً للحديث في الآية السابقة "وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى" أيها المتولون لإدارة أموال اليتامى، إن خفتم أن لا تقسطوا في إدارة هذه الأموال بشكل من الأشكال، والخوف هو لما سيأتي مستقبلًا، هو خوف توخي لحذر الوقوع في عدم القسط.
القضية التي تتحدث عنها الآية هي أم لديها أيتام، وهذه الأم تحمل على عاتقها تربية الأيتام ورعاية حقوقهم وإدارة شؤون التركة التي ورثوها، ولأن هذه الرعاية موكلة للرجال الذين يتولون شؤون الأيتام، فالحديث لهذا الرجل بأنك إن خفت أن لا تقسط في اليتامى فانكح الأم، والقسط هو إعطاء كل ذي حقه حسب حاجته، والكلمة عامة بحيث يتحقق عليها مصاديق كثيرة بأشكال مختلفة لا يمكن حصرها إلا على سبيل المثال وليس الحصر.
ومثال ذلك في سعي هذا المتولي لتلبية حاجات الأم مع أيتامها، وهذه السعي يحتاج إلى اقتراب، وقد يقع الحرج من قبل الأيتام أو الأم بالبوح بالحاجات الأساسية أو المتابعة المستمرة، فيكون النكاح باب للاطلاع المباشر بحاجات الأم مع أيتامها دون حرج.
ولكن هذا الأمر جاء بصيغه العموم، مع ذكر شرط أن تكون النفس قابلة على ذلك النكاح، فهو مع طيب النفس وليس إكراهًا، " فانكحوا ماطاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع"، وشرط آخر وهو العدل بين النساء، وقد اختتمت الآية تحذير آخر وهو إن كان هناك خوف من عدم العدل " وإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة " فإن تحقق ذلك الخوف فلا إمكانية للنكاح من أكثر من امرأة، فوجب الاكتفاء بواحدة أو ملك اليمين " فواحدة أو ما ملكت أيمانكم" واختتمت الآية الحديث بقولها " ذلك أدنى أن لا تعولوا " في إشارة إلى أن المال هو مادة أساسية في توزيع العدل والمساواة بين النساء المتعدد بهن، فإن كانت المادة لا تسع للعطاء العادل فقد سقط شرط مهم لتحقيق التعدد.
هذه الصيغة جاءت بصورة العموم إجابة على حالة خاصة، بمعنى جاءت الآية بالحكم العام لإمكانية تعدد نكاح الرجل بأربع نساء بصورة عامة، في موضوع خاص وهو موضوع رعاية الأيتام، فمن يرعى الأيتام ويخشى أن لا يقسط في رعايتهم ورعاية أموالهم، فله أن ينكح أم الأيتام ، على أن الآية تفترض أن هذا الرجل لديه زوجة في الأصل فيمكنه أن يضيف إلى زوجته الأولى زوجة أخرى هي أم الأيتام على أساس إمكانية التعدد.
(وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (4))
"وآتوا النساء صدقاتهن" الإيتاء: ليس بالضرورة الدفع فقد يشمل الإدارة والرعاية المنتهي بالدفع، الصدقات مفردها الصدقة وهي مأخوذة من معنى الصدق، والصدق عكس الكذب، والصدق يتحقق بعد الوعد، وهذا يعني أن المخاطب وهو الرجل قد قام بوعد هذه المرأة، والوعد له صدقه، وصدق قوله يسمى في الحالة صداقًا، وأما قوله : "نحلة" النحلة هي الشيء المنحول المستخرج والمستخلص من شيء ثم يعطى خالصًا إلى صاحبه كاملًا دون نقيصه. فحشرة النحلة تذهب للزهور تأخذ الرحيق، فتنحله في خلية النحل دون أن تأخذ منه شيء، فهي تعمل في جمع الرحيق ومن ثم تنحل ما جمعته في الخلية دون نقيصة.
ولمعرفة حقيقة الآية يجب أن توضع في السياق، فالحديث قبل الآية هو عن إدارة شؤون الأيتام والنكاح من أمهات الأيتام إن كانت هناك حاجة لذلك، وحتى تتحقق معاني الألفاظ التي تناولتها الآية الشريفة بالنظر لذلك السياق، فالآية تخاطب الرجل الذي دخل على هذه الأسرة من أجل إدارة شؤونها ورعايتها، وقد يكون لهذه الأم مع أيتامها أموال تدار فتجني أرباحًا ومدخولًا ماديًا، فالآية تقول للرجل أن وعدك لهذه المرأة هو أن ترعى أموالها رعاية للأيتام لا عن طمع أو رغبة في التملك، فلها ما وعدتها وهو أن تأخذ ما تجنيه من أرباح كاملة دون أن تأخذ منه شيئًا، ولكن إن طابت نفسها لك عن شيء من ذلك الذي جئت به فخذه دون حرج. وعلى الرجل المتقي هنا أن يتحرز دقة في استشعار رضاها عن طيب نفس لا عن حياء أو تحرج، فإن تحقق ذلك "فكلوه هنيئًا مريئًا" لا عتب عليكم في أخذه والاستفادة منه بصورة شخصية.
( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (5))
السفيه هو الذي لا يستطيع إدارة شؤون أنفسهم وخصوصاً في الأموال وعكسه الرشد، الآية الشريفة تقول "لا تؤتوا السفهاء أموالكم" الله سبحانه وتعالى يمنع أن يؤتى السفيه أمولك، والإيتيان يشمل الإدارة، لأن السفيه لا يستطيع إدارة المال.
"التي جعل الله لكم قياما" هذا وصف للمال الذي أسماه القرآن الكريم "أموالكم"، وهذا الجعل من عند الله بسبب القرب من صاحب المال أو بسبب امتلاك المال كلاهما نكون مكلفين بإدارة المال.
(وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً (6))
" وابتلوا اليتامى " الابتلاء هو فحص حقيقة مكنون، وفي هذا الموضوع الذي تتحدث عنه الآية، الحقيقة المكنونة هي حسن تصرف هذا الإنسان الذي كان طفلاً لا يستطيع أن يدير أمواله، واليوم أصبح كبيراً، فهل يمكن أن يحسن التصرف في أمواله أم لا؟
" حتى إذا بلغوا النكاح" بلوغ النكاح هو بلوغ العمر، بلوغه إلى عمر محدد هو ما يبدو فيه تغير في ملامح الجسد وطبيعة الشخص من حالة الطفولة إلى حالة الرجولة، " فإن آنستم منهم رشداً" والاستئناس هو الشعور الداخلي بالاطمئنان تجاه ما يتوقعه من هذا الإنسان من أنه سيدير هذه الأموال بشكل جيد ولن يبددها أو يضيعها.
" فادفعوا إليهم أموالهم" دفع المال هو إعطاء كامل الأموال إلى أصحابها بعد الفترة التي قضاها في إدارة المال، فلا يطلب هذا الرجل بعد أن كان يتيماً ممن تولى هذا المال أي شيء منه.
" ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا" يخاطب فيها ولي المال كفيل اليتيم بأن لا يأكل هذا المال إلا بالاقتصاد حسب حاجته فلا يسرف أولاً، ثم لا يبادر بأكل المال خوف أن يكبر هذا اليتيم فيأكلها مسبقاً مستفيداً من غفلة هذا اليتيم.
" ومن كان غنياً فليستعفف" إن كان الكفيل غنياً ولديه ما يكفيه من المال فليستعفف من الأخذ من مال اليتيم، والعفة عن المال هو الامتناع عنه. "ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف" أما إن كان الكفيل فقير فليأكل من أموال اليتيم بالمعروف وهو خلاف الإسراف في المقطع السابق.
" فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيباً" .
( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7))
النصيب هو المقدار المحدد المقسوم من مقدار أكبر منه، كالمساهمين في شركة فإن الأرباح توزع لكل مشارك منهم كل حسب السهم الذي شارك فيه، فيقال له هذا نصيبك من الأرباح حسب نسبة المشاركة.
الوالدان والأقربون: هما الأب والأم وقد يشمل ذلك الجد والجدة، أما الأقربون فهي من الأقرب، والأقرب غير القريب أو أولي القربى، فالأقرب للأنسان يكون إخوته وأخواته.
الآية تؤكد أن التركة يجب أن توزع للورثة من الرجال والنساء دون إغماض لحق النساء في شيء، ودون أن يغمض في الرجال بأي أحد منهم حتى وإن كانت التركة قليلة يجب أن توزع.
الآية استخدمت كلمة "الرجال" واستخدمت كلمة "النساء" لأن الرجل هي مرحلة عمرية لا تشتمل على الصغار في السن وكذلك كلمة النساء، لأن الصغير له مال مخصوص هو حظه ولكن لا يستلمه، ولكن هنا عندما نقول أن له نصيب، فهو له قسمة من المال يستلمها فلا يأخذ نصيبه إلا إذا كان رجلاً.
# مدخل سورة النساء
يفرض علينا تدبر القرآن أن نقرأ السورة من خلال معرفتنا المسبقة لها، والقراءة تعني أن نفهم، وليس أن نتتبع الكلمات بنطقها فقط، والفهم بالتدبر يعني أن نتتبع فهم السورة من البداية من خلال معرفتنا لآياتها وترابطها حتى النهاية، وعلى هذا الأساس يمكننا أن نقرأ سورة النساء تدبراً من بدايتها من خلال الآية (127):
(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً (127))
أهل الكتاب الذين تعلّموا من كتابهم أحكام النساء يستفتون النبي في أحكام تفصيلية، ولقد بيّنت الآيات في أحكام أهل الكتاب جواز التعدد أي الزواج من أكثر من امرأة بشرط العدل بين النساء، فكان شرط العدل لازم التوفر وأساس في التعدد، ولكن ماذا لو كان العدل متوافراً في بداية التعدد، ولكنه فُقد بعد الزواج فهل يلزم ذلك الطلاق لافتقاد هذا الشرط ؟ هذا هو أساس الاستفتاء؟ ومن هنا كان السؤال للنبي محمد حول هذا الموضوع. وحين سؤل النبي عن ذلك، كون هذا الحكم غير متواجد في الكتب السماوية السابقة، نزلت سورة النساء المباركة لتبين سنن الذين من قبل وتجيب على الاستفتاءات لتضيف على النور نورا.
الآية (127) تقول للنبي محمد (ص): "يستفتونك في النساء" : أي أنهم يطالبونك بالإجابة على أسئلتهم في أحكام النساء، وبالخصوص في حكم فقدان العدل بعد تعدد الزواج، نزلت سورة النساء وأجابت وفي بدايتها تتحدث عن الأيتام وعن الحاجة للتعدد في حال الخوف من عدم القسط مع الأيتام. بدأت السورة بالأمر بالتقوى :
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1))
مبينة أن أساس الرجل والمرأة هو نفس واحدة، فلا فرق بين النفسين في المكانة عند الله فكلاهما مخلوق وعلى الرجل الذي يسيطر على زمام الأمور أن يتقي الله ولايبخس من حقوق الضعفاء. ثم تحدثت عن إيتاء الأيتام أموالهم، والإيتاء غير الدفع، الإيتاء هو تخصيص الأموال وإدارتها والحفاظ عليها، إذ لايمكن إيتاء اليتيم ماله بمعنى الدفع إلا إذا كبر، والآية تتحدث على أساس أن المرأة ذات الأيتام غير قادرة على إدارة أموال أيتامها، وبحاجة إلى من يديرها، والآية تخاطب الرجال لأنهم مسؤولون عن ما بين أيديهم من الضعفاء ومن ضمنهم الأيتام والنساء. فبدأت بخطاب الرجل:
( وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً (2))
وهنا تأمر الآية الرجل المدير لأموال اليتامى أن يؤتى اليتامى الذين هم في رعايته أموالهم التي خصصت لهم من التركة، وأن لا يستغل هذه الحالة في تبديل ما لديه من أموال بأموال اليتامى فيأخذ الطيب ويخصص الخبيث لليتيم، وتحذره من أن يجمع أموالهم إلى أمواله، في غفلة من الأيتام عن مايجري لصغر سنهم.
الآية الثالثة لتتحدث للرجل الذي يخاف من عدم التقوى في إدارته لأموال الأيتام بأن يقع في عدم القسط، أي أن لا يعطي في إدارته حقهم الذي يستحقونه، فتقول :
(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا (3))
بالتدبر مع الآية (127) فهذه الآية تتحدث عن يتامى النساء، أي النساء اللاتي لديهن أيتام، والآية (127) تقول : " وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن"، الآية لا تستنكر على الرجال الذين لا يؤتون يتامى النساء ماكتب الله لهن من تركة ورثوها من أزواجهن، لأن الموضوع هو في إدارة هذه الأموال وهذا أمر يسير في الخير، ولقد كانت الإجابة عن هذه الفتوى في آية (3) التي أباحت النكاح منهن، فكانت الإجابة على الاستفتاء قبل ذكر الاستفتاء في نفس السورة.
الآية (3) تجيب عن إجابتين في نفس الوقت، الإجابة الأولى هي إباحة النكاح من يتامى النساء، وتجيب عن إباحة التعدد في النساء أيضاً، ذلك أن الذي يرغب في نكاح يتامى النساء من أجل أن يقسط في اليتامى قد يكون متزوجاً في الأصل، فجاء الحديث عن التعدد هاهنا كقاعدة عامة بأنه يجوز التعدد في الزوجات بشرط العدل بينهن. وعن هذا المعنى تتحدث الآية (127) بقولها أنكم استفتيتم في النساء، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يفتيكم، ويفتيكم فيما تعلمونه عن يتامى النساء في الكتاب المنزل عليكم، بجواز النكاح منهن إن كنتم ترغبون من ذلك رغبة في القسط في الأيتام، وهنا يقدم الأهم وهو الحديث عن التعدد في الزوجات في موضوع الأيتام لأن الأمر فيه إصلاح وتوجيه خاص من رب العالمين لليتيم، قبل أن يتحدث عن الفتوى الأصلية التي هم بصددها، وهنا يأتي دور الحديث عن الفتوى الأصلية التي استفتوا فيها ، فما هي ؟
الفتوى تتبين من خلال الآية (128): " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضا " فالفتوى حول نشوز الرجل الناتج بعد الزواج، فإذا كان الرجل قد تزوج من امرأة ثانية بنية العدل ولكنه وقع في النشوز بعد ذلك، فما الواجب عليه؟ لأنه فقد شرط التعدد وهو "العدل" ، فكانت الإجابة هي " الإصلاح" وإقامة الصلح بين الإثنين بالاتفاق خارج إطار العدل الذي كان أساس التعدد لوجود حالة نشوز وتجنباً للطلاق ما أمكن، والإتفاق يجب أن يجري بما يرضي الطرفين وبيقي الحياة الزوجية قائمة. وعقبت على ذلك بقولها في الآية ( 129) : " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة" .
مسار الحديث في مجمل السورة من بدايتها عن النساء، على أساس وجوب الحفاظ على حقوق الضعيف، ويجب أن تراعى من قبل القوي وهو الرجل، فهو المسؤول عن ذلك، وجاء الحديث عن أحكام النساء في هذه السورة وعن حقوقهن ورعايتهن وحفظ تركتهن في ظروف القتال التي كان يعيشها المسلمون في فترة إنزال الرسالة كما تبين ذلك السورة نفسها، ذلك أن القتال يخلف كثير من الأرامل والأيتام، وعلى المسؤولين من المقربين أن يقوموا بواجبهم تجاه هذه الفئات المستضعفة بعد رحيل الرجال والأزواج.