سورة النساء من آية 11 إلى آية 14
| ayat | alnnisa(يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (11))
الوصية هي العهد الذي يعهده أحد إلى آخر من أجل أن ينفذ من بعد غيابه، ويسمى هذا العهد بالوصية خوفاً عليها من الضياع والتلف والنسيان أو الإهمال، والموصي هنا هو الله سبحانه وتعالى، وقد عهد الله سبحانه وتعالى شأن بعض الخلق إلى بعضهم الآخر على مبدأ الخلافة، فالإنسان هو خليفة الله في الأرض، والآية الشريفة تبدأ بالقول: " يوصيكم الله " دلالة على عظم هذا الأمر وأهميته فالخلق عيال الله، والله سبحانه وتعالى يوصي على الضعفاء مخاطباً الأقوياء منهم.
الموصي هنا الله ولكن من هو المُوصى؟ الموصى هو المسؤولون عن التركة وعن توزيع التركة وليس للمتوفى، لأن الحديث بعد هذه العبارة قد تبدو أنها تخاطب المتوفى ولكن المقطع التالي يتحدث عن الميت بصيغة الغائب فيقول " ولأبوية لكل واحد منهما السدس" على أن الميت غائب في الآية، والسؤال هنا من هو المخاطب في المقطع " يوصيكم الله في أولادكم" ؟ المخاطب هم القائمون على توزيع التركة، وهو استكمال للآيات السابقة في خطابه لأولئك المسؤولين عن التوزيع.
خاتمة الآية تتحدث عن صنفين من الأقربين للمتوفى وهما الآباء والأبناء، فالآية تقول: " آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً فريضة من الله إن الله كان عليماً حكيماً" مبينة أن الحديث في الآية إنما كان مختصاً عن الآباء والأبناء، ولكي نفهم التوزيع الذي تتحدث عنه الآية بدقة يمكننا أن نبدأ من قوله تعالى " ولأبوية لكل واحد منهما السدس إن كان له ولد" ونتفهم هذا المقطع، المقطع يحدد للأبوين في حال وجود ولد، وليس المعني بالولد العدد أو الجنس، وإنما أي ولد وأي عدد، فقط يكفي وجود ولد ذكر كان أو أنثى أو أي عدد من الرجال والنساء، وفي حينها يكون حظ الأبوين لكل واحد منهما السدس.
التالي لذلك هو قوله تعالى " فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلإمه الثلث"، وهنا اختلف الوضع حيث اختفى صنف الولد، وبقي الوالدان، ونرجع لهذا المقطع بعد قراءة الذي يليه.
" فإن كان له إخوة فلإمه السدس" أولاً: الآية تتحدث عن حالة خاصة وهي حالة عدم وجود ولد، مع وجود إخوة، وهنا أيضاً نجد أن الآية استخدمت كلمة الإخوة على أساس أنها صنف وليس عدد أو جنس، بمعنى أنها تتحدث عن وجود أي عنصر من عناصر الإخوة وبأي عدد كان، سواء كان واحداً أو أكثر من الذكور أو الإناث أو أي شراكة منهم. وبهذا يمكن أن نفهم أن المقطع السابق وهو " فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلإمه الثلث" أنه يشير إلى وجود الأبوين مع اختفاء الأبناء والإخوة.
الوراثة
ومن هنا نريد أن نركز على كلمة " ورثه أبواه "، فهي تعني عدم وجود منافس في التركة، ومن خلال هذه الآية التي تذيلت بقوله تعالى " آباؤكم وأبناؤكم" حيث أنها خصصت الحديث عن هذين الصنفين، نفهم أن المنافسين في التركة بالتحديد هم الأبناء والإخوة دون ذكر للزوجة، وقيلت هذه الكلمة حين اختفى الصنفان، ولم تكتفي الآية بالقول إن لم يكن له ولد فلإمه الثلث، بل عبرت عن غياب الإبناء وغياب الأخوة بالقول " وورثه أبواه" للدلالة على عدم وجود أي منهما، وهذه العبارة أيضاً لا تعني عدم وجود الزوجة، فقد تكون موجودة ومع ذلك يصح أن نقول وورثه أبواه، فهي مرتطة ارتباطاً وثيقاً بغياب هذين الصنفين "الآباء والأبناء".
وللتحقق من هذا المعنى وهذا الاتجاه نتابع تعبير " الوراثة " في الآيتان المختصة بتوزيع التركة، وهما آية 12، والآية الأخيرة من نفس السورة، في الآية 12، تقول الآية " وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس"، وكلمة يُورث استخدمت هنا للتعبير عن غياب الأبوين، والأبوين أحد الورثة الأساسيين حسب الفهم السابق.
وفي آخر آية من سورة النساء وهي آية الكلالة، آية رقم 176، تقول الآية: " وهو يرثها إن لم يكن لها ولد" مشيرة إلى أن الأخ يرث إخته إن غاب أولادها وغاب والديها، وتحدثت هنا عن الوراثة فذكرت الكلمة في حال غياب الورثة الأساسيين الذين فهمنا وراثتهم من آية 11.
وفي نفس آية 176 وفي نهاية المقطع للآية تقول " وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"، ويمكن أن نفهم أن هؤلاء الإخوة يأخذون نفس ما أخذه الأخ في الحالة السابقة حين قالت الآية "وهو يرثها إن لم يكن لها ولد" بمعنى أن هؤلاء يأخذون ما يأخذه الأخ الواحد، والأخ يرث اخته، فهم أيضاً يرثون اختهم، وفي هذه الحالة كانت الوراثة ضمناً وإن لم تذكر لفظاً وجاءت في حال غياب الأبوين والأبناء الذين فهمنا من آية 11 أنهم من تعنيهم كلمة الوراثة.
جاءت كلمة الوارث أيضاً في آية الرضاعة، لتعطي لمن تنطبق عليه هذه الكلمة خصوصية في مسؤولية النفقة على الرضيع على الرغم من أن زوجته قد تكون أحد من يأخذ من تركته إن لم تكن طليقة، وابنه الرضيع هو أحد ورثته، ولكن الخصوصية هنا للوارث الذي يأخذ موقع المسؤولية في النفقة وإدراة شؤون المتوفى بعده.
نسبة الأب في قوله " وورثه أبواه "
خطاب الآية خطاب مختصر ويستهدف أحد يجب أن يفهم ضمناً بقية الحالات الفرعية، وفي هذه الحالة ( حالة وراثة الأبوين) مطلوب من القارئ أن يفهم كم هي نسبة الأب؟ ويجب أن يكون ما يفهمه منسجماً مع بقية الآيات، ويتوافق مع الفهم العام للإنسان غير المنحاز. الآية تفترض أن القارئ يستند إلى فهم أساسي تتحرك فيه الآيات وتسير على أساسه كما تسير القاطرة على سكة الحديد، فأين هو هذا الفهم؟ وأين هي سكة الحديد؟
الوسيلة الوحيدة التي يمكننا أن نقيس من خلالها مدى صحة أي فهم تعتمد على مدى انسجام الآيات التي تتحدث عن ذلك الشيء مع ذلك الفهم، بحيث يتمم الفهم وينسجم مع بقية الآيات ويعطي كل الحالات بصورة بسيطة قابلة للفهم والقبول، وهذا يعتمد أيضاً على مدى اطمئنان القلب لذلك الفهم، لأن تطبيق الأحكام يحتاج إلى تقوى وليس إلى فن، ويحتاج إلى خشية من الله وليس إلى ثقة بالنفس واطمئنان إلى قوة الذات العلمية.
س: الوارث مكتوبة بوضوح في الآية الأولى، أبناؤه وأبواه، وهنا أصبح الإخوة هم لهم التأثير في الوراثة.
س: يورث كلالة، فهنا لم يتحدث عن الأبناء إن كان موجود أو لا؟
س : هو يرثها كما ترثه هذا ما نفهمه؟
(وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12))
(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13))
الآية تتحدث عن الحدود بصورة عامة والحدود بصورة خاصة التي ذكرتها السورة من بدايتها وهي حدود توزيع التركة وطبيعة التعامل مع الأيتام، والله يقول هنا أنها حدود الله، وهذه الحدود ليست لأي أحد آخر، والله سبحانه وتعالى صاحب الحق في أن يحدد هذه الحدود على من يؤمن بملكيته.
" ومن يطع الله ورسوله " الذي يحدد الحدود هو الله سبحانه وتعالى، فطاعة الله في الالتزام بهذه الحدود التي ذكرها في آيات التركة من آية 1 وحتى آية 12، وعندما يعطف القول على الرسول وفي هذا إشارة إلى أن من يوصل هذه الأوامر هو الرسول، فطاعة الرسول تكون في الالتزام بحدود الله، وهذا يعرفنا بأن طاعة الرسول إنما أمر الله بها فلأنه يوصل أوامر الله ويأمر بالالتزام بحدود الله.
(وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14))
" ومن يعص الله ورسوله" معصية الرسول تكون في معصية أوامر الله، والآية تبين أن طاعتكم أو معصيتكم إلى الرسول