مدونة حلمي العلق

سورة التوبة من آية 17 إلى آية 22

 | ayat | attawbah

(مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17))

الآية تبين أن المشركين ليسوا هم أصحاب الحق في إعمار المسجد، على الرغم من أنهم يعمرون المسجد الحرام في استقبال الحجاج وضيافتهم، ولكن الله سبحانه وتعالى لا يعتبر لهذا الإعمار رغم أنه للمسجد الحرام. فلا يحق لهم هذا الإعمار فهم يشهدون على أنفسهم بالكفر برسالة النبي محمد (ص).
" أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون" هي أعمال معتبرة الوزن للمؤمن، ولكن بالنسبة لهم فأعمالهم ليس لها وزن وحبطت لأنهم كفروا برسالة النبي محمد وكان من المفترض أن يؤمنوا بها.

(إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ (18))

هو يعقب على أولئك الذين يعمرون المسجد الحرام من المشركين، المشركون أثناء نزول هذه الآية كانوا هم من يعمرون المسجد الحرام، ولكن هذا الإعمار ليس معتبراً عند الله على أنهم غير مستحقين لولاية هذا البيت وهم يشهدون على أنفسهم أنهم يكفرون برسالة النبي محمد وبما فيها من قيم متعلقة بملة إبراهيم.
والحق أن الذي يستحق هذه عمارة هذا المسجد هو من يؤمن بالله المشركون يؤمنون بالله إيمان المشرك والآية هنا تريد الإيمان المخلص التوحيدي التام، فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين.

(أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19))

الآية تخاطب الذين انفتنوا بالمظهر الخارجي للمشركين بما يقومون به من أعمال لها قيمة معتبرة في أنظار الله ولكن ليس لها اعتبار عند الله لأن الله ينظر للقلوب وليس للأعمال فقط، والآية تناقش المؤمنين هؤلاء بأنه كيف تجعلون هذه الفئة كتلك التي تجاهد في سبيل الله، فالأعمال الشريفة التي يقومون به من سدانة البيت وخدمة الحجيج وهي أعمال شريفة في أنظار الناس ولها ثواب عند الله، ولكن في الحقيقة لا تتساوى مع من يجاهد في سبيل الله، من يبذل ماله ونفسه في سبيل إعلاء كلمة الحق، لأن ذلك العمل قد يتداخل فيه الرياء، ولكن من يبذل نفسه لا يبذلها إلا مخلصاً لأنها نفس قد تهلك في هذا السبيل، فهو يضحي بحياته، والله سبحانه وتعالى هنا يقول : بأنهم "لا يستوون عند الله" وإن تساوو في أعينكم، والله لا يهدي القوم الظالمين، الشرك أكبر ظلم، فهؤلاء المشركون لايمكن أن يهديهم الله بسبب هذا الذي وقعوا فيه من الشرك.

(الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ (20))

الآية في معرض الحديث عن المقارنة بين من يقيم الشكليات المتعلقة بالدين وبين من يؤمن حقيقة بالله، عمارة المسجد وسقاية الحاج أشياء شكلية قد يداخلها الرياء من أجل مكسب سمعة الناس، ولكن موضوع الهجرة والجهاد في سبيل الله هي أعمال وجهود يمكن أن يفقد فيها الإنسان حياته وماله دون أن يكتسب السمعة، وبذل النفس أعلى هو غاية الجود، فقد يفقد الإنسان نفسه من خلال الحرب، ومن يبذل ماله في الحرب قد لا يعود على صاحبه بفائدة دنيوية.
العنصر الرئيسي في الموضوع هو الإيمان بالله والذي تمثل في الإيمان برسالة النبي، وهذا الإيمان هو العلامة الفارقة بين هؤلاء وأولئك. والآيتين تناقش الأفضلية التي يمكن أن يكتسبها من ادعى الإيمان بالله وبالرسول ولكن ترك القتال من أجل سقاية الحاج ادعاءًا أنه عمل لوجه الله، ولكن العمل الأوجب الآن هو القتال في سبيل الله. والآية هنا تقول أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون، وهذه المفاضلة صارت بسبب وجود جهاد وهجرة في سبيل الله، ولكن لو لم تكن هناك هجرة ولا جهاد في سبيل الله فسقاية الحاج وعمارة المسجد يعد عمل كريم وجيد إذا كان بنية التقرب لله.

(يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21))

يبشرهم الله في القرآن الكريم، هذه الكلمة التي في نفس الآية هي البشرى، أي لا توجد بشرى خارج الكتاب يرسلها الله سبحانه وتعالى بصورة خاصة لأحد، ولكن الله من خلال نزول القرآن ومن خلال هذه الآية أوصل هذه البشرى لهم.
"يبشرهم ربهم برحمة منه" يبشرهم الله سبحانه وتعالى بأن له رحمة وله رضوان من الله، الله سيرحمه في الدنيا وفي الآخرة وأنه سيحصل على رضوان أي هو مرحوم والله راض عنه أيضاً ليست رحمة خالية من الرضى بل مضاف إليها رضى الرب، وهذا الرضى يحبه المؤمن.
" وجنات لهم فيها نعيم مقيم" كذلك له البشرى بجنات في الآخرة بعد الموت، لهم فيها نعيم مقيم، والمقيم هو الذي لا يزول ليس كما في الدنيا إذ أن فيها نعيم ولكنه زائل.

(خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22))

الخلود هو بقاء الشخص بلا موت ولا انتهاء، النعيم في الآية السابقة دائم، والشخص هو دائم أيضاً، " إن الله عنده أجر عظيم" ، من يبتغي الأجر فهو عند الله سبحانه وتعالى.