سورة التوبة من آية 29 إلى آية 37
| ayat | attawbahقَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)
(وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30))
الآية الشريفة تبيّن عقيدة اليهود والنصارى الذين يقاتلون المؤمنين، وذكر قولهم الكبير على الله وهو أن المسيح ابن الله وهي كلمة، وعزير ابن الله، وهذا القول هو أساس الذي أسس الطائفة لأنه أساس عاطفي يجتمع عليه الناس التابعين للمسيح أو التابعين لعزير.
" ذلك قولهم بأفواههم" هو قول الأفواه وليس قول حقيقي، لم يرد من عند الله سبحانه وتعالى، وقد تعزز هذا القول بسبب ترديده بالأفواه وليس لأنه صادر من عند الله، " يضاهئون قول الذين كفروا من قبل" يزايدون على الذين كفروا من قبل اليهود والنصارى ولكأنهم لم ينزل الله عليهم كتاب ولم يعلمهم الله، " قاتلهم الله أنى يؤفكون" كيف يؤفكون كيف يكذب عليهم وتنطلي عليهم هذه الكذبة التي لا أصل لها في كتب الله، قاتلهم الله هو دعاء عليهم بالقتل.
(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31))
" اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله" الأحبار هم علماء اليهود، والرهبان هم علماء النصارى، ولأن هؤلاء العلماء هم الذين يسيّرون الناس من كل طائفة، ويسيرونهم على المبدأ الذي تتحدث عنه الآية السابقة وهو وجود شخصية عالية المقام يتم رفعها وتعزيز محبتها في قلوب أصحاب الطائفة، فالحبر هو امتداد لعزير، والرهبان هو امتداد للمسيح، واعتمدوا على هذه التركيبة على أنها هي .
(يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32))
من يريد شيء فهو قادر عليه، وهم يظنون أن لهم القوة في تغيير مسار الأحداث من خلال مناهضتهم للرسول، " يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم" نور الله هو القرآن الكريم ، ووظيفة الأفواه هي إطلاق الكلمات التي تغير اتجاه الناس لهذا النور، وللحقائق الواردة فيه، كقولهم " عيسى ابن الله " هذه الكلمة يمكن أن تغير أساس الدين، لأنها توجه الناس نحو الأحبار والرهبان كقادة في الدين ينصون ما يريدون من النصوص والأحكام بناءً على هذا التسلسل، أن عيسى ابن الله والأحبار والرهبان هم أيضاً أبناء الله بالتسلسل، وبالتالي فإن اتباعهم هو اتباع لعيسى.
" ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون" إرادتهم في إطفاء النور لن تكون لأن الله يأبى ذلك، فإرادته قضت أن يتم هذا النور وهو القرآن الكريم من خلال نصرة هذا النبي، ولو تم القضاء على النبي في دعوته من مهدها لما وصل نور هذا القرآن الكريم، ولو كره الكافرون، هؤلاء الكفرة هم أهل الكتاب الذين حاربوا هذا الكتاب منذ أول الدعوة، والذين عنتهم الآيات من آية 29.
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33))
" هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق" هو الله الذي يأبى إلا أن يتم نوره، ومن أجل إتمام هذا النور أرسل رسوله، "هو" إشارة لعظيم شأن الخالق، الذي يبين للناس أنه هو الذي أرسل هذا النبي ولم ينطلق من ذاته، فالله أرسله بالهدى أي بهذا القرآن، ودين الحق هو جزء من الكتاب وهي الأحكام التي يريدها الله سبحانه وتعالى، وفي هذا إشارة واضحة إلى أن هذه الأحكام قد اختفت وانطفأت.
" ليظهره على الدين كله" لكي يكون هو الظاهر على بقية الأديان الباطلة التي كانت منتشرة في ذلك الزمان، " ولو كره المشركون في رغبتهم أن لا يصل هذا الأمر للناس.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34))
(يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ (35))
(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36))
في الآية الشريفة تحديد لعدد الشهور في السنة والواحدة وهم اثنا عشر شهر، وحرم من هذه الأشهر أربعة منها، هذه الاشهر يحرم فيها القتال، وبما أن هذه الآية تتحدث عن أمر بقتال المشركين، فهي تحذر من أن يبدأ القتال من قبل المؤمنين في هذه الأشهر، ففي هذا القتال ظلم للنفس.
هذه الأشهر محددة في " كتاب الله" وكتاب الله يشمل التوراة والإنجيل والقرآن، المشركين يعلمون الأشهر الحرم ولديهم ملة إبراهيم، أهل الكتاب لديهم هذه الحقيقة في كتبهم السماوية، ولكنهم لا يدينون دين الحق، ولا يلتزمون بما ألزمهم الله به في الكتاب السماوي.
" يوم خلق السماوات والأرض" هنا انسجام تام بين الدين وبين تكوين هذا الكون الآية كونية في كون أن القمر يدور دورته خلال اثنا عشر شهر، فمن يوم خلق الله السماوات والأرض خلقت على هذا الأساس، على أساس وجود أربعة أشهر حرم، يحرم فيها القتال وهذه الحرمة هي من أجل المسجد الحرام، فللمسجد الحرام حرمة القتال فيه وحرمة إخراج أهله وحرمة الصيد فيه، وله أيضاً وضعت أربعة أشهر حرمة لزيارته وإقامة الحج.
" ذلك الدين القيم " هذا الأمر يعبر عن القيمة العالية التي يعبر ينصها الدين، والآية بهذه الكلمة تحدد أن هذه هي حقيقة الدين، وهذا هو الأمر الديني الصحيح، رداً على تغيير الدين من قبل المشركين في تغيير عدة الأشهر الحرم.
" فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة" لا تظلموا أنفسكم بقتال العدو في هذه الفترة التي يحرم فيها القتال، وقاتلوهم كافة دون أن تستثنوا منهم أحداً لأي سبب من أسباب الانتماء أو ماشابه، "كما يقاتلونكم كافة" فالقتال هو ردة فعل على فعل بدأ منهم في الأصل، فهو قتال دفاعي والله يؤكد على ضرورته لأنهم لن يتوقفوا عن محاربة الإسلام والمسلمين إلا بهذا القتال.
" إن الله مع المتقين" والتقوى في تنفيذ أمر الله، وفي مراعاة حدود الله في اجتناب القتال في الأشهر الحرم، وفي المبادرة بمقاتلة المشركين بعد الأشهر الحرم.
(إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37))
الآية تكمل الحديث على الآية السابقة، فالأشهر الحرم التي ذكرتها الآية السابقة، وفي الآية تثبيت لشيء تم التلاعب فيه، أولاً في تغيير عدد الأشهر الحرم، فالآية السابقة بيّنت أن عدد الأشهر هو اثنا عشر شهراً بدون زيادة أو تغيير في الأشهر الحرم، والأشهر الحرم أربعة أشهر متسلسلة وليست متفرقة، وهذه الآية تبين أن هناك تغيير بشكل من الأشكال لهذه الأشهر أو لأحد هذه الأشهر عن موضعه، وبتغيير موضعه الزماني يتم تحليل الحرب فيه وهذه الآية تبين أن هذا التغيير إنما هو زيادة في الكفر.
" إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا" النسيء هنا قانون أو حكم شرعي يضل به أي يأخذ به الذين كفروا بالكتب السماوية بدلاً من أن يأخذوا بشرع الله المنزل والمحكم به في كتابه، والنسيء لغوياً مأخوذة من النسيان أو التأجيل وهو تأجيل الشهر المحرم عن مكانه.
" يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً" إذا هذا هو النظام أو هذا القانون "قانون النسيء" أن تكون هناك حلية في عام وحرمة في عام آخر، وعندما يحل في عام تتم مواطئة عدة ما حرم الله "ليوطئوا عدة ما حرم الله" بتحرمهم له في عام وبتحليلهم في عام آخر تتم مواطئة عدة ماحرم الله، أي يطأون وكأنهم يسيرون بأقدامهم على منطقة محرمة، فإذاً هذا القانون نتيجته أن يتم وطأ هذه المنطقة المحرمة، " فيحلوا ماحرم الله" نتيجة لذلك التغيير أو الإضافة.