سورة التوبة من آية 67 إلى آية 72
| ayat | attawbah(الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (67))
الفسق ينتج بعد شدة التصاق بشيء، وهذا مؤشر إلى ضرورة أن يلتصق المؤمن بأوامر الله، وأن الابتعاد عن هذه الأوامر هو يفسق فيبتعد عن هذا الالتصاق إلى حالة من الابتعاد والتباين عنه.
النسيان: نسيان الله ليس كنسيان البشر، إنما هو نسيان من أن يرشدهم الله أو أن يعيدهم إلى جادة الطريق، وهذا النسيان الرباني لإعادتهم هو عاقبة نسيانهم لله، ونسيان الله هو نسيان أوامر الله، نسيان قدر الله العالي الذي يجب التعامل معه بالدرجة المطلوبة.
قبض اليد: هو ما يعبر عن حالة التمسك بالمادة، والشعور أن المادة هي ملكهم، وأخراج هذا المال منهم هو بشعور الخسارة لأنه خروجه اقتطاع من أملاكهم وخسارة لهم.
"المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض" هي تركيبة بشرية متداخلة فيما بينها، يتقبل بعضها من البعض الآخر، ويأخذ بعضها من البعض الآخر الأوامر والنواهي في أمور الدين، ولذلك عقبت الآية بالقول : " يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف" بهذه الأوامر تتجلى أنهم بعضهم من بعض، فهم يأخذون الأمر بالمنكر، ويأخذون من بعضهم النهي عن المعروف، والأمر بالمنكر هو ما يخالف ما أنزله الله، والنهي عن المعروف هو النهي عن ما أمر الله وما بينه الله. وأبرز علامات مخالفة أوامر الله هو عدم الإنفاق، وسبب ذلك البخل هو شعورهم بالملكية لما بين أيديهم من مال.
وما سبب ذلك الانقلاب، لماذا أصبحوا يخالفون المعروف ويأمرون بالمنكر؟ ذلك لأنهم نسوا الله، نسيان الله الذي يكون تجسيده الحقيقي هو تذكر اوامر الله والالتزام بها.
(وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68))
هذا هو وعد الله لهم بالعذاب.
(كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (69))
هذا تشبيه بالأمم السابقة، الأمم السابقة كان لديها قوة في الجسد وفي المال، والآية تتحدث عن الاستمتاع بالخلاق، والخلاق هو الحظ الذي يعطيه الله سبحانه وتعالى للإنسان، الخلق هو ما يصدر من المخلوق، اليد مخلوق، وفعل اليد هو الخلق، والخلاق هو الحظ الذي يعطيه الله سبحانه وتعالى للإنسان من إمكانيات جسدية خلقها له من يد ومن لسان ومن أرجل.
أولئك استمتعوا بخلاقهم بتلك الحظوظ التي أعطاها الله سبحانه وتعالى لهم، وبالنسبة لكم أنتم استمتعتم أي أخذت فائدتكم أيضًا من هذا الحظ أيضًا كما أولئك، وخضتم كالذي خاضوا أي هم وقعوا في الذنوب، وأنتم أيضًا تتبعوهم في الذنوب التي وقعوا فيها، أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، كما فعلوا هم أنتم فعلتم أيضًا هم خسروا فأنتم تخسرون أيضًا.
والخوض هو التعامل في
(أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70))
الله سبحانه وتعالى يذكر بمآلات الأمم السابقة، ومآلات تلك الأمم وصلت لهؤلاء المنافقين، وهذا النبأ من الفترض أن يؤثر على قلوب المنافقين في تحديد موقفهم مع النبي محمد (ص)، فهم في حالة تذبذب في نظرهم بين ما هو حال النبي ومن معه من ضعف، وبين ما هو عليه المعتدين عليهم من قوة وعتاد، فقد يميل قلب هذا المنافق إلى القوة عن ميله إلى.
(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71))
(وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72))
وعد الله هو الذي ينزله في هذا الكتاب العزيز على المؤمنين، والمؤمن يصدق هذا الوعد فيعمل على أساسه، المنافق ضعيف التصديق بهذا الوعد، ويعمل من أجل أن يضمن شيء من هذا الذي تذكره الآية ولكن بذكاءه في الدنيا، وهنا تكون نظرة المؤمن إلى الغيب في الآخرة ومصدق بوعود الله الغيبية التي لا تمس بالحواس الخمسة، ولكن المنافق يميل قلبه ألى مظاهر الحياة الدنيا، يريد أن يضمن نعيم الحياة الدنيا، فلم يخرج حب الدنيا من قلبه بالكامل، فإذا جاء أمر بالجهاد كان قلبه متعلق بالدنيا، وقد يسلك سلوك المؤمنين ولكن قلبه لازال متعلقًا بالدنيا، أما المؤمن فهو مصدق لهذا الوعد، الله يعد المؤمنين أنهم سيلاقوا ما يحبون في الآخرة.
" جنات تجري من تحتها الأنهارخالدين فيها" الخضرة ووفرة الماء التي تطيب لها النفوس، خالد لا يزول عنك مهما طال الزمان وتبدلت الأحوال.
" ومساكن طيبة في جنات عدن" سكنك هو الذي تسكن فيه نفسك وتستقر ويزول فيه القلق، في هذه المساكن الطيبة، تطيب فيها النفوس وترضاها وتحبها لأنه طيبة، .
" ورضوان من الله أكبر ذلك الفوز العظيم" وأكبر من كل ذلك هو رضوان الله الذي يشعر به الإنسان في ذلك الموقف وتلك الحياة، وهذا يُشعر بالاستقرار النفسي للمؤمن في ذلك المسكن، فأن تكون في النعيم وأنت لا تعلم إن كان الله راض عنك أو لا فلا قيمة له، ولكن عندما يضاف هذا النعيم هذا الرضوان الذي يعطي لكل نعمة قيمة حقيقة في نفس المؤمن.
وهذه الآية جاءت في مقابل الآية (68) التي وعد الله فيها المنافقين بنار جهنم.