مدونة حلمي العلق

سورة البقرة من آية 100 إلى آية 104

 | ayat | elbakara

(أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (100))

لو كان بينك وبين شخص عهد ، فلكي تنفذه لابد وأن تؤمن به، هناك عهد بين الله وبني إسرائيل، ونبذه فريق من بني إسرائيل لم يلتزمون به.

"بل أكثرهم لا يؤمنون " : تعني أنهم في أكثر العهود وفي مواقف مختلفة لا يلتزون بعهودهم.

(وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101))

الكتاب هو العهد الذي بين اليهود وبين الله، الله عهد إلى بني إسرائيل التوراة ، ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذوا التوراة "العهد الذي بينهم وبين الله".

"نبذوه وراء ظهورهم" : وضعوه وراء ظهورهم وجعلوا شيئاً آخر هو الذي الصدارة.

"كأنهم لا يعلمون" : كأنهم لا يعلمون بما في الكتاب الذي اتضح لهم فيه أن ما جاء به القرآن مطابق لما معهم.

(وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102))

الكفر برسالة النبي محمد هي فكرة شيطانية، أسس لها الشياطين من حقبة نبي الله سليمان، حيث أن اليهود استبدلوا الكتاب السماوي المنزل وهو التوراة بتعاليم دينية تنسب إلى سليمان، ولكنها لم تصدر منه وإنما صدرت من الشياطين التي كانت تتلو تلك المخالفات على ملك سليمان.

اتبع اليهود تلك النصوص التي خالفوا بها الكتاب، واتبعوا أيضاً ما أنزل على الملكين ببابل، وببابل هي أصل الحضارات الموجودة في العراق.

وبالنسبة للتفريق بين الزوجين فإن هناك علم يمكن أن يمارس في سبيل التفريق بين الأزواج بأعمال محددة.

"لقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق": الدنيا هي مرحلة تدريب للآخرة لذلك ما تطبع عليه الإنسان في الدنيا هو ما سيظهره من خلق في الآخرة. إذا كان إيمان المؤمن بالله قوي جداً، سيلغى أثر السحر وإن كان قوياً.

(وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103))

المثوبة الأخروية تحتاج لإيمان بوجودها حتى يسعى المؤمن لها، وقد تكون الآية تقصد المثوبة الأخروية والدنيوية أيضاً، وهذه الآية متعلقة بالآيات السابقة التي تحدثت عن كفر أهل الكتاب، فلو أنهم آمنوا بما نزل على النبي محمد، واتقوا في إيمانهم ، لأن الإيمان بدون تقوى لا فائدة منه، إذ لابد من الإستجابة بمقتضى الإيمان. أو اتقوا في عدم استخدامهم للعلم السيء في التفريق بين المرء وزوجه.

ذكر المثوبة في مقابل المكانة الاجتماعية التي يتبوؤها اليهود، فلو أنهم آمنوا لكان أثابهم الله بخير مما هم عليه من مكانة وسمعة بين الناس.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104))

خطاب للمؤمنين بأن لا يطلبوا المراعاة في الأحكام الشرعية، بالأمر بالتخفيف، إنما يطلب منهم السمع والصبر حتى الوصول إلى الإسلام .


الشياطين يتلون هذه الأقوال على ملك سليمان، ومن المرجح أن يكونوا قد قالوا ما قالوا بعد موت نبي الله سليمان لأنه كان مسيطراً قبل موته ولا يرضى بالكفر الذي ينسب إليه. الآية تقول (اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) فهل العبارة تعني أن هناك ملك عيني وهم واقفون أمام ذلك الملك يتلون ما يتلون، أم أنها تعني أنهم يتلون تلك الكلمات عن ملك سليمان، فهؤلاء المخاطبون في الآية هم أمام النبي محمد(ص) وقد أنكروا عليه رسالته وهم بعيدون عن ملك سليمان الذي هو من المفترض أن يكون في فلسطين. فالفاصل بينهم وبين نبي الله سليمان وملكه فاصل زماني ومكاني، وهذا يقودنا لفهم أن تلك التلاوات إنما رصدت وجمعت في كتاب وفي زمان قبل هذا الزمان، والآن بقيت هذه التلاوات مانعاً أمام فريق من بني إسرائيل للإيمان برسالة القرآن الكريم، فقد اتبعوها بدلاً من الإصغاء للقرآن والتصديق به على أنه مصدق للتوراة التي معهم. إذاً نحن هنا أمام نزاع بين كتابين، القرآن الكريم وكتاب آخر يحمل تلاوات الشياطين عن ملك سليمان، بين كتاب يؤكد على العودة للتوراة وكتاب آخر يتحدث عن أمجاد مملكة نبي الله سليمان.

فما الذي حوته تلك التلاوات الشيطانية، وهل يمكننا استنتاج ذلك من هذه الآية الكريمة؟ من المرجح أن تكون تلك التلاوات قد حوت أفكاراً وعقائد تتعلق بكونهم أبناء الله وأحباؤه وتؤكد أن الله لا يخاطب أحداً غيرهم وأن ملكهم يجب أن يعود كما كان ملك سليمان، وعليه فهم يكفرون بكتاب الله العزيز القرآن الكريم النازل على نبي الله وإن حوى حقائق التوراة، لأن المسألة بالنسبة لهم ليست في أنه يصدق التوراة ولكنها في أن يعترف بوجودهم ومكانتهم عند الله، وأن لا يخطف مركز الرسالة منهم. فكيف بهم وقد أتاهم رسول أمي مكي قرشي في اعتبارهم أقل منهم علماً ومكانة يدعوهم للإيمان بدعوة من عند الله.

إذاً أصبح بعض بني إسرائيل يبحثون عن المكانة والسلطة وعودة أمجاد مملكة سليمان التي صورتها لهم الشياطين أنها غاية، ولم يعودوا باحثين عن الحقيقة ولا عن الإسلام لله، وهي ذات الحالة التي تجعلهم متلهفين نحو العلوم التي تجعل لهم القوة والغلبة بدلاً من العلوم التي تسأل عن وسائل النجاة يوم القيامة وعن الطريقة الصحيحة التي يريدها الله منا في الشريعة والأحكام، وبدلاً من إقامة الكتب السماوية ذابوا في خيالات السيطرة، وأشربوا في قلوبهم حب الملك والغلبة. وهو ما أشارت إليه الآية في اختصار جميل بأن أولئك الشياطين راحوا يعلمون الناس السحر، إضافة لتلاواتهم الكافرة التي تبعد عن قيم الكتاب وشرائعه، فبالسحر ينشغل اللب وتظن النفس أنها في الحقيقة وتزداد تعلقاً وتمسكاً بالباطل.

وتضيف الآية علماً آخر تعلمه بنو إسرائيل في بابل وهو علم التفريق بين المرء وزوجه، وفي ذكر بابل بعد ملك سليمان إشارة تختصر حقبة زمانية عاشها بنو إسرائيل بعد سقوط المملكة، وتشير إلى ماعاشه الإسرائيلون فيما يسمى بالخراب الأول، ويؤكد هذا المعنى ما توحيه اللفظة " ماتتلو الشياطين على ملك سليمان" على أنها تتلو ما تتلو على ذكرى أطلال وليس على كيان قائم بعد، هذا فيما يخص الحقبة الزمانية، أما فيما يخص العلم الذي تم تعلمه في بابل فإن عبارة " فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه" يختصر طبيعة العلم ولكنه لا يختصر أفعاله، فمن المؤكد أن أفعال هذا العلم كثيرة وهذا الفعل "التفريق" هو أبرز تلك الأفعال لأنه أمقتها، وهو علم يصب في طبيعته في علوم القوة والسيطرة أيضاً، في مرحلة شعر بها الإسرائليون بأنهم فقدوا سلطتهم وسيطرتهم ومكانتهم.

( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم) آية ليست مفاجئة ولا خارجة عن مسار الحديث السابق الذي تناول نبذ بني إسرائيل لكتابهم، بل إنها تؤطر هدف الآيات التي سبقتها تأطيراً عملياً لمن استلم الكتاب من بعد أولئك. فإذا كانت الآيات السابقة تتحدث عن نبذ التوراة وراء الظهور بالنظر لملك الدنيا وسلطانه وبالانشغال بعلوم تضر ولا تنفع فإنها حين دعت المؤمنين بالقرآن للعمل بما جاء في الكتاب بدون طلب المراعاة فإنها تؤكد بأن الحالة السابقة ليست مخصوصة ولكنها حالة عامة قد يقع فيها كل من تتنزل عليه نعمة الهدى. وتؤكد أن الكتاب يؤخذ ليعمل به لا من أجل التباهي على بقية الأمم فهو كتاب قِيم يواجه به الإنسان نفسه ليصلحها وليس شارة شرف للتمايز والتعالي.

هاهنا حالة ليست خاصة، ومن يحمل الكتاب من بعد أولئك ليس معصوماً منها، بل إن السياق يوحي بأن لكل كلمة أشارت إلى مشكلة وقع فيها بنو إسرائيل لها ظل آخر يسايرها بلطف يحذر بني إسماعيل المعنيين بالقرآن من الوقوع في ذات الخطأ ومن نفس المشكلة، فالشياطين التي كفرت بالتوراة لن تؤمن بالقرآن، والتي حرفت الناس عن كلمات الله هناك لن توقف عداوتها عن كلمات الله هنا، ولن تعجزها الحيل في جذب انتباه أصحاب الكتب السماوية وفتنتهم عن الحق الذي أنزل إليهم بكل وسيلة، سحراً كان أو قولاً مزخرفا، علوم تفريق أو أمنيات، فالمهم عند شياطين الإنس والجن أن لا ينظر الناس للكتاب ولا يؤخذ به وأن يكون ما هو أمام الأنظار شيء آخر غير الذي أراده الله وليبق الكتاب السماوي وراء الظهور.

إن من أخطر ما أشارت إليه آية (هاروت وماروت) هو استغلال اسم نبي الله سليمان في بث الكفر (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا) لم يكفر سليمان، ودعوى الكفر قيلت بإسمه لكنه في الواقع لم يقلها بلسانه، على غرار ما قيل عن نبي الله عيسى من قول بالكفر بالله وهو لم يقله ( أأنت قلت للناس وأمي إلهين من دون الله * قال سبحانك ) ، والمشكلة تكمن في محاربة وتغيير وإحراف الناس عما كان نبي الله سليمان نفسه متمسكاً به، وداعياً إليه باسمه.

ولقد جاء الخطاب في الآية التالية موجهاً للمؤمنين ولمن أنزل عليهم القرآن الكريم بعد سرد تلك الحقائق بالنهي عن طلب المراعاة (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا .. ) ، وهي كلمة تتجاوز المراحل والعقبات، تتجاوز مرحلة العلم بالكتاب إلى العمل به مباشرة في انسجام مع حكمة " إذا قيل اذبحوا بقرة فلا تسألوا عن لونها"، وتقفز فوق عقبة العلم من أجل الدنيا لتصل إلى العمل من أجل الآخرة، لأن المسارعة بتنفيذ الأمر هو ذاته مدرسة وباب من أبواب الهدى والفهم. وهي بهذا تضع المؤمنين على المسار الصحيح، المسار الذي تاه عنه الأقدمون في التعامل مع الكتاب إلى أن أصبح وراء ظهورهم فانفتنوا بغيره. إن الآية الشريفة تضع المؤمنين في مسار المسارعة في الخيرات، بأن يعملوا خوفاً من أن يتحول العلم من وسيلة إلى غاية فيقعدهم البحث فيه عن غاية العبودية التامة لله. إذاً الآية تقول (لاتقولوا راعنا) في تخفيف مطلب الكتاب منكم في الاستقامة التامة، على أساس أن المؤمنين به قد دخلوا في تطبيقه فعلاً ولم يضيعوا قيمه في التراخي والتأجيل ، وتقول الآية أيضاً ( وقولوا انظرنا) طلباً للنظرة والمهلة من عند رب العباد في الوصول لتجسيد الصلاح في القول والفعل، ( واسمعوا ) التي تنفي الوقوع في فخ الجدل معتمدة على أن الإصغاء والرغبة في التنفيذ ومن لم يعمل لم يسمع، ( وللكافرين) بالكتاب ( عذاب أليم)، وفي هذا التهديد تحذير من أن يتحول الإيمان بالكتاب إلى مجرد شعار يسعى به المتسلقون إلى حطام الدنيا وعلومها، والآية تشير ضمناً إلى دينين، دين وجهته الآخرة وآخر وجهته الدنيا، وقد بيّنت الآية أن بني إسرائيل قد اختاروا دين الدنيا بدلاً عن دين الآخرة، دين اشتروا به أنفسهم يهدف للعزة والمكانة والغلبة والسلطة ( ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق )، فهل ينجو بنو إسماعيل من فخاخ الشياطين؟