مدونة حلمي العلق

سورة البقرة من آية 49 إلى آية 57

 | ayat | elbakara

﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ [49]

تبدأ هذه الآية المباركة بتذكير بني إسرائيل الذين هم في زمن الرسالة ونزول القرآن بنعمة كبيرة أنعمها على آباءهم الذين كانوا في زمن نبي الله موسى (ع)، وهي النجاة من آل فرعون، وآل فرعون هم ذريته الذين كانوا يحكمون بلاد مصر ويسيطرون عليها في ذلك الزمان.

﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ الآية تعطف على الوصايا الربانية التي ذكّرَها الله عز وجل بهم في الآيات السابقة: "وإذ" تُحِيل عقل القارئ لحدث في زمن سابق للحدث الحالي التي تتحدّث فيه الآيات، والمعنى أنه في ذلك الزمان السابق "نجيناكم من آل فرعون"، والنجاة تكون من العذاب أو الهلكة أو العقاب الشديد الذي يسعى الإنسان للخلاص منه. وفي العبارة إحساس يعلمه بنو إسرائيل في أن تلك النجاة لم تكن لولا أن منّ الله عز وجل عليهم بإرسال نبي الله موسى (ع)، فهو الذي أخرجهم من سيطرة آل فرعون عليهم، ورغم لحاق فرعون وجُنده بهم حتى وصولهم إلى البحر، إلا أنه لم يتمكن منهم، وقد كان قوم موسى يشعرون بأنهم مُدركون من قبل آل فرعون، إلا أن الله عز وجل شق البحر لهم فأخرجهم من ذلك اللحاق وخلّصهم من عَدوهم الذي كان يستهدف إذلالهم ثم قتلهم.

﴿ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ﴾ السوم هو التعريض الدائم للشيء، و في استخدام هذه الكلمة دلالة على أنهم لم يكونوا يتعرضون للعذاب وحسب، بل إنه كان عذاب دائم ومستمر، وهذا يُعطي دلالةً على أن ذلك العذاب وذلك التنكيل كان مقررًا عليهم من قبل آل فرعون، ثم تشرح الآية قِسمًا من ذلك العذاب السيء بِقولها ﴿ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ ﴾، والذبح هو فصل الرأس عن الجسد، وهذا الفعل كان يحمّل بني إسرائيل الألم الشديد، فابناءهم تُقَتّل أمامهم ذبحًا دون جريرة اقترفوها أو ذنب فعلوه، أما الغاية من ذلك التقتيل فهي القضاء على نسل هذه الطائفة، وفي وصف الآية "يُذِبحون" بتشديد حرب الباء، دلالة على شدِةِ ما كان ينالهم، فالفعل يتم بالملاحقة والمتابعة والتنكيل، والله عز وجل يمنُّ عليهم - بعد مرور هذه القرون- أن خلصهم من ذلك العذاب، ولولا فضل الله عليهم لانقطع نسلهم ولانتهى وجودهم.

الآية تذكر ما كان يتعرض له بنو إسرائيل في زمن فرعون من سوء وتنكيل، وذكَّرت بتذبيح الأبناء، وهنا تضيف سوء آخر وهو استحياء النساء ﴿ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ﴾، واستحياء النساء هو انتهاك لحشمة النساء وحيائهن، وهذا الفعل هو إساءة أخرى تضاف إلى الإساءة الأولى، وتختم الآية بقولها : ﴿ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ البلوى امتحان يمر على الإنسان بالمصاعب المكروهه على فترة من الزمن ليتم اكتشاف مدى صبره عليه، ولم يكن بنو إسرائيل في بلاء وحسب، بل كانوا في بلاء عظيم، فالقتل والإعتداء على النساء ليس بالأمر الهين على الإنسان، فكيف به إذا كان لسنوات طويلة، وبتعمد وتنكيل مستمرين؟! ونلحظ أن الآية الكريمة بيّنت أن هذا البلاء من رب العالمين، والذي يعني أن الله يمتحن هؤلاء القوم لأمر ما، فالأمر تم بإذن الله، وكان خاتمة هذا البلاء أن أنقذهم من العذاب وأغرق آل فرعون أمام ناظرهم.

﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ [50]

مرة أخرى تذكّر الآية بني إسرائيل بحادثة فلق البحر حين هروبهم بقيادة نبي الله موسى (ع) من ظلم فرعون آله. والآية المباركة ترسم صورة انفلاق ذلك البحر، "وإذ فرقنا بكم البحر" التعبير اللفظي هو أن الله فرق البحر بهم، أي بواسطتهم، فهذه الألفاظ توحي أن البحر كان ينفلق بالتدريج أثناء تقدمهم، فكلما انفرج جزء منه ومشوا فيه، فالطريق كان ينشق أمامهم، وهو ما يُشعر بالتزامن الحركي أو المصاحبة بين التقدم والانفلاق، ولهذا التقدم احساسه من الرهبة والرعب يمازجه التحفز للتقدم خوفًا من إدراك فرعون وجنوده.

"فأنجيناكم" نتيجة لذلك التقدم السريع قبل إدراك فرعون لهم، تقدموا حتى وصلوا إلى البر من الجهة الأخرى من البحر، فنجوا من فرعون، وفي المقابل أغرق الله عز وجل فرعون وجنده، فقد لحقوا بهم في الطريق الذي شقه الله لهم في البحر، غير مكترث بهذه الآية التي تتمثل أمام عينيه، فأخذه الغرور وتقدم للحاق بهم، ولكن الله عز وجل أعاد الماء ليلتقي من جهتيه ويطبق عليه وعلى جنده ليغرق ويموت شر موتة.

حين تقول الآية "وأنتم تنظرون" فهي تعطي صورة أن بني إسرائيل وصلوا إلى الجهة الأخرى من البر، وتوجهوا بأنظارهم إلى فرعون وجنده فرأوا أن الماء عاد إلى سابق عهده، فنظروا إلى هذه الواقعة والماء يبتلع فرعون وجنده، ليروا بأنفسهم كيف أن الله أهلك عدوهم أمام ناظريهم، فهو فضل من عند الله حدث بآية كبرى رأتها عيونهم لتبقى خالدة في أذهانهم وأذهان الأجيال القادمة من بعدهم .

﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [51]

يتواصل التذكير بالمنن التي اختصها الله عز وجل لبني إسرائيل، والتذكير في هذه الآية يُعرض بأسلوب المفارقة بين ما فعله الله لهم، وبين ردود أفعالهم التي لا تليق بمنن الله وكرمه، وهنا تذكير بالانقلاب السريع من قبلهم والتوجه لشيء ما أنزل الله به من سلطان فقط بسبب غياب نبي الله موسى (ع) عنهم فترة قصيرة من الزمان، على الرغم من علمهم بأنه في مواعدة مع الله ﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ إلا أنهم نسوا هذه المواعدة، وتمكن منهم شعورهم بغيابه عنهم.

﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ ﴾، "ثم" تشير لتعاقب حدث من بعد حدث أسبق، وقوله تعالى "من بعده " أي من بعد غياب موسى ولا تحديد للمدة التي بعدها كان ذلك الإنقلاب، وتَمثل ذلك الانقلاب في اتخاذهم العجل، وهو الذي يعني اتخاذهم إياه إلاهًا، ظنًا منهم أنه إله موسى، أو أنه يجسد صورة لإله موسى (ع)، ﴿ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ﴾ أي اتخذتم العجل وأنتم في حالة من الظلم، لأنهم لو اتخذوا شيئًا بأمر من عند الله، فلا ظلم في ذلك، لكنهم ذهبوا لابتداع أمر في الدين لم يأذن به الله.

﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [52]

"ثم" بعد مدة من الزمان ورغم ما كان منكم من الظلم في اتخاذ العجل بعد غياب موسى عنكم إلا أن الله سبحانه وتعالى عنهم، ويلفت النظر صياغة الخطاب الرباني لهم بصيغة الجمع لذاته المقدسة ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾، الأمر الذي يُشعر المستمع بعظمة الخالق ورحمته وصغر المخلوق وضآلته وكثرة خطاياه، ورغم ما كان منهم من هذا الظلم العظيم إلا أنه عز وجل عفا عنهم لغاية ترتجى وهي أن يكونوا من الشاكرين ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾، والشكر هو العمل الذي يقوم به المؤمن مقابل نعم الله، ونعمة العفو هذه توجب على الأجيال اللاحقة لبني إسرائيل أن يعملوا الصالحات لعلهم يبلغوا شكرها.

﴿ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [53]

يضاف إلى تلك النعم التي من الله بها على بني إسرائيل والتي سردتها الآيات السابقة أنه عز وجل آتى موسى الكتاب الفرقان رجاء هدايتهم ﴿ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ ﴾ والمقصود بهذا الكتاب هو التوراة التي جاء بها موسى عليه السلام بعد غياب أربعين ليلة كما بينت ذلك آيات آخرى، ونزل بها من جبل الطور مكتوبة في الألواح، وقد حوت على الفرقان، وهو ما يُفرق به المؤمن بين الحق والباطل، والتي يحكم بها على الخلاف الذي قد يحدث أو حدث بالفعل بين بني إسرائيل في ذلك الزمان، فجاءت التوراة لهم بالهداية والحكم الفصل.

وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ ففيه رجاء أن يُحدث كتاب التوراة الهداية لهم، والأمر متعلق بمدى ارتباطهم به، والأخذ بما جاء فيه، فوجود الكتاب في حد ذاته لا يُؤدي هذه النتيجة المرجوه، إلا إذا اجتهدوا وتمسكوا به. والآية تخاطب بني إسرائيل بشكل مباشر بقولها ﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾.

﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [54]

تنتقل هذه الآية المباركة لنقل صورة أخرى على لسان نبي الله موسى (ع) ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ ﴾، وتوجهه لهم (ع) بقوله: "ياقوم"، فهذه الصيغة تعبر عن الرابطة التي تربطه بهم، وفيها إشفاق ورحمة، وتلفت نظرهم للأمر الذي سيوجهه لهم، ﴿ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ ﴾، إنكم حين اتبعتم إضلال السامري وتوجهتم للعجل بالعبادة ظلمتم أنفسكم، فيتوجب عليكم أن تتوبوا إلى الله ﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ ﴾، وقد عبر عن الله بالبارئ، وهو اسم له علاقة بخلقة الإنسان، وهي كلمة توضح مدى صغرهم وعظمة من ظلموا أنفسهم معه، فقد انحرفوا عن هذا الذي أوجدهم من العدم، وتفضل عليهم بالوجود.

ثم يوضح لهم موسى كيف تكون تلك التوبة ﴿ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾، وهذا أمر بالاقتتال مع الفئة التي افتتنت بالعجل وعبدته حتى بعد رجوع موسى (ع)، وهذا الأمر يوضح أن هذه الفئة اتخذت موقفًا مضادًا مع دعوة موسى (ع)، وانقلبت عليه وبدأت بالاعتداء على من خالفها، لأننا نعلم أن ملة إبراهيم (ع) لا تبيح قتل النفس إلا بالنفس، فكان الأمر أن قاتلوا الذين يقاتلونكم من أهلكم وإخوانكم الذين يعتدون عليكم، فإن كنتم ترومون التوبة من عند الله على ما اقترفتموه من انحراف أثناء غيبة موسى (ع) - والخطاب للفئة التائبة - فقاتلوهم ولا تستسلموا لإكراههم إياكم بعبادة العجل.

﴿ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ﴾ ذلكم، أي قتال الفئة الباغية، خير لكم عند بارئكم من الإستسلام لعبادة العجل، فعلى الرغم مما في القتال من صعوبة وإزهاق للأرواح، إلا أنه خير من البقاء على الضلال والسماح لفئة منحرفة منهم تستولي على بقية بني إسرائيل وتجعلهم على هذه الديانة المنحرفة. أما قوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ فيدل على أن هذه الفئة المخاطبة استجابت لدعوة موسى (ع) في القتال، وتمكنت من إخماد الفتنة، ولأنها فعلت ذلك، تاب الله عليهم، وطهر قلوبهم من العجل.

﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ (55)

الآية الكريمة تتحدث عن موقف بني إسرائيل الأوائل مع نبي الله موسى (ع) من رسالة التوراة التي جاء بها بعد أن غاب أربعين ليلة في جبل الطور حين جاءهم بالألواح، ورغم ما مروا به من عظيم الآيات، أبرزها انفلاق البحر ونجاتهم من فرعون وجنده، إلا أنهم استقبلوا رسالة الله بالتشكيك ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ أي لن نؤمن لادعائك بالرسالة حتى نرى الله عيانًا ليس بيننا وبينه حجاب، وليس بيننا وبينه واسطة، وكأنهم بذلك يطلبون اليقين بأن من يخاطبهم في هذه الألواح هو الله تبارك وتعالى من خلال الرؤية المادية وليس من خلال النظر إلى ما يحويه النص من هدى ونور.

والآية الكريمة تختصر حادثة طلبهم هذا بقولها ﴿ فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ وفي هذا إشارة إلى أن موسى (ع) لبى طلبهم هذا، ولكنهم حين شاؤوا رؤية الله ماتوا صعقًا من هول الموقف. وهذا الصعق يبين استحالة الرؤية، ويبين أن قوم موسى أخطأوا حين طلبوا هذا الطلب. والله عز وجل يضيف هذا الموقف كواحد من مننه عليهم إذ أنه سبحانه وبعد أن صعقوا، أحياهم مرة أخرى، كما تبين الآية التالية.

﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ (56)

طلب بنو إسرائيل من نبي الله موسى (ع) رؤية الله عز وجل، ولكنهم صعقوا حين حاولوا الرؤية، ولم تكن صاعقة عادية فقد كانت شديدة لدرجة الموت، الآية تقول ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ ﴾ أي بعد الصعق بعثوا مرة أخرى من موتتهم ﴿ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ﴾، وهذه منة كبيرة على بني إسرائيل، فالذين أحياهم الله أصبحت له ذراري وعاشوا بعد ذلك لبعثة النبي محمد (ص) ونزول القرآن الكريم، والله يخاطبهم ويمن عليهم بأن أحياهم بعد تلك الصاعقة ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ لعلكم تعملون على أساس كل المبادئ التي أمركم الله بها.

﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ (57)

يتواصل الخطاب لبني إسرائيل، ويمن سبحانه عليهم أنه في بدايات خروجهم من مصر ونجاتهم من فرعون ظلل عليهم الغمام ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ ﴾ وهذا الظلال حماية عن حرارة الشمس، وهذا يعني أنهم كانوا يباتون في العراء يفترشون الأرض ويلتحفون السماء إذ لا مأوى لهم، فهم في فترة لا قرار لهم فيها ولا موطن، وبحاجة للراحة والطعام، فأما الراحة في عز الظهيرة فقد كفلها الله لهم بظلال الغمام، وأما الطعام فقد أنزله عليهم ﴿ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ هذه نعم الله عليكم فكلوا منها يابني إسرائيل، وفي هذا مؤشر على أن الله عز وجل سيكفل لهم حياة طيبة إن هم ساروا في المشروع الذي أريد لهم أن يسيروا عليه، وهو أن يكونوا حملة لملة إبراهيم باتباهم للتوراة وتطبيق تعاليمها، وأن يكونوا قادة في تبليغ تعالميها، لكنهم لم يستقيموا لما أريد لهم وأرادوا بدلًا من ذلك الدنيا وعلوها فظلموا أنفسهم، وخسروا تلك النعمة ولحقتهم اللعنة ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾.


خطاب القرآن لبني إسرائيل

خاطب الله عز وجل في هذه الآيات بني إسرائيل الذين هم في زمن رسالة النبي محمد (ص) ، وذكرهم بمننه عليهم بدءًا من نجاتهم من آل فرعون وما تلى ذلك من نعم أخرى، وهو عز وجل يخاطب الجيل اللاحق بمننه على الجيل السابق، ذلك بأنه لو لم ينجي الله بني إسرائيل الأوائل من آل فرعون لما ذاقوا طعم الحرية، ولو لم يحيهم بعد موتهم لما تواصل نسلهم إلى زمن النبي محمد (ص)، ولقد عاش بنوا إسرائيل في تلك الموقف آيات ربانية كبرى بقت راسخة في أذهانهم وستبقى إلى يوم الدين، جعلت الأوائل منهم أمام استحقاق الإيمان برسالة نبي الله موسى (ع)، وتحث اللاحقين منهم للتمسك بكتابهم -التوارة- وكأنهم يعيشون الآيات الكبرى كما عاشها الأوائل.

لذلك الخطاب ولذلك التذكير دلالات هامة، منها أنه يمكننا أن نستنتج أن القرآن الكريم يعتبر الجيل اللاحق وارثًا للجيل السابق في المسؤولية، النعمة التي أنعم الله بها على السابقين يحاسب بها اللاحقون، وتظل النعمة قائمة وباقية على هذا الآل ولهذه السلسلة عبر الزمان، فكل جيل يرث الذي قبله في هذه المسائلة على النعم التي من الله بها على أولئك الأولين، ومطلوب هذه المسائلة أن يقوموا بمسؤولياتهم تجاه الرسالة الربانية التي أنزلها الله عليهم، إذ كان يجب عليهم وهم حملة التوراة أن ينقادوا لها وأن يستسلموا لأوامرها وأن يستشعروا مسؤوليتهم تجاه رسالتهم في وقتهم الراهن هذا من جهة ، من جهة أخرى على كل جيل أن يتعلم من أخطاء الماضين ليتخطى تلك الأخطاء بتصحيح المسار والاعتدال على ما أمر الله عز وجل.


نتساءل كيف يكون من قوم موسى أن ينقلبوا لاتخاذ العجل فقط لغياب موسى فترة وجيزة، وما دلالات هذا؟

هل لو كان موسى معهم تجرأوا على هذا الفعل؟ ما الذي يمثله موسى لهم؟ غياب موسى كأنه غياب للإله، ارتباط الألوهية بالرسالة في عقيدة الإنسان.

هذه التجربة التي شاءت القدرة الإلهية أن تجريها على شعب بني إسرائيل تمثل نموذجًا مختصرًا لحقيقة الأمم مع رسلهم، فهي في حياته لا تولي هذا الرسول أي أهمية في الطاعة، ولكن سرعان بعد غيابه وبعدة أيام، ما ينقلب الأمر ليتحول شخص الرسول إلى شعار يمكن استغلاله لإحراف الناس.

وسرعان ما تظهر الشخصية التي تستغل اسم الرسول من أجل توجيه أتباعه في اتجاه آخر، ولنا أن نتساءل: ما الذي يدفع هذه الشخصيات لابتكار آلهة مصنوعة يتوجه لها الناس؟

يصعب على الناس التعلق بالغيب، ويحبون اللجوء إلى الماديات، وهذه الشخصيات تهوى موقع الرسول، فتتخذ من هذه الرغبة وهذا الجنوح وسيلة للسيطرة على الناس، واتخاذ موقع الرسول من خلال الآلة المصطنعة.


هل كان انقلاب أصحاب موسى بعد ثلاثين ليلة ؟


الرؤية والصاعقة

أليس طلب الرؤية هو طلب منطقي؟

حين ادعي موسى (ع) لقومه أنه رسول من عند الله، وان ما بين يديه من ألواح هي عهد الله إليهم، أليس من حقهم أن يتوثقوا من الرسالة؟ فإذا كان الطلب منطقيًا وصادقًا، فلماذا تأخذهم الصاعقة وتميتهم كعقاب على طلبهم هذا؟ هذه الصاعقة تبين أن الله عز وجل لا يريد للمؤمن أن يتحقق من صدق الرسالة عن طريق الرؤية المادية المشهودة، ولكنه يريد منهم أن يؤمنوا برسالته بالغيب، من خلال النظر فيها والتوثق من خلالها على أنها صادرة من عنده عز وجل لا من غيره.