مدونة حلمي العلق

سورة البقرة من آية 49 إلى آية 57

 | ayat | elbakara

الآيات من (49) إلى (57)

﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ [49]

تبدأ هذه الآية المباركة بتذكير بني إسرائيل الذين هم في زمن الرسالة ونزول القرآن بنعمة كبيرة أنعمها على آباءهم الذين كانوا في زمن نبي الله موسى (ع)، وهي النجاة من آل فرعون، وآل فرعون هم ذريته الذين كانوا يحكمون بلاد مصر ويسيطرون عليها في ذلك الزمان.

﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ الآية تعطف على الوصايا الربانية التي ذكّرَها الله عز وجل بهم في الآيات السابقة: "وإذ" تُحِيل عقل القارئ لحدث في زمن سابق للحدث الحالي التي تتحدّث فيه الآيات، والمعنى أنه في ذلك الزمان السابق ﴿ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾، والنجاة تكون من العذاب أو الهلكة أو العقاب الشديد الذي يسعى الإنسان للخلاص منه. وفي العبارة إحساس يعلمه بنو إسرائيل في أن تلك النجاة لم تكن لولا أن منّ الله عز وجل عليهم بإرسال نبي الله موسى (ع)، فهو الذي أخرجهم من سيطرة آل فرعون عليهم، ورغم لحاق فرعون وجُنده بهم حتى وصولهم إلى البحر، إلا أنه لم يتمكن منهم، وقد كان قوم موسى يشعرون بأنهم مُدركون من قبل آل فرعون، إلا أن الله عز وجل شق البحر لهم فأخرجهم من ذلك اللحاق وخلّصهم من عَدوهم الذي كان يستهدف إذلالهم ثم قتلهم.

﴿ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ﴾ السوم هو التعريض الدائم للشيء، و في استخدام هذه الكلمة دلالة على أنهم لم يكونوا يتعرضون للعذاب وحسب، بل إنه كان عذاب دائم ومستمر، وهذا يُعطي دلالةً على أن ذلك العذاب وذلك التنكيل كان مقررًا عليهم من قبل آل فرعون، ثم تشرح الآية قِسمًا من ذلك العذاب السيء بِقولها ﴿ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ ﴾، والذبح هو فصل الرأس عن الجسد، وهذا الفعل كان يحمّل بني إسرائيل الألم الشديد، فابناءهم تُقَتّل أمامهم ذبحًا دون جريرة اقترفوها أو ذنب فعلوه، أما الغاية من ذلك التقتيل فهي القضاء على نسل هذه الطائفة، وفي وصف الآية ﴿ يُذَبِّحُونَ ﴾ بتشديد حرب الباء، دلالة على شدِةِ ما كان ينالهم، فالفعل يتم بالملاحقة والمتابعة والتنكيل، والله عز وجل يمنُّ عليهم - بعد مرور هذه القرون- أن خلصهم من ذلك العذاب، ولولا فضل الله عليهم لانقطع نسلهم ولانتهى وجودهم.

الآية تذكر ما كان يتعرض له بنو إسرائيل في زمن فرعون من سوء وتنكيل، وذكَّرت بتذبيح الأبناء، وهنا تضيف سوء آخر وهو استحياء النساء ﴿ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ﴾، واستحياء النساء هو انتهاك لحشمة النساء وحيائهن، وهذا الفعل هو إساءة أخرى تضاف إلى الإساءة الأولى، وتختم الآية بقولها : ﴿ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ البلوى امتحان يمر على الإنسان بالمصاعب المكروهه على فترة من الزمن ليتم اكتشاف مدى صبره عليه، ولم يكن بنو إسرائيل في بلاء وحسب، بل كانوا في بلاء عظيم، فالقتل والإعتداء على النساء ليس بالأمر الهين على الإنسان، فكيف به إذا كان لسنوات طويلة، وبتعمد وتنكيل مستمرين؟! ونلحظ أن الآية الكريمة بيّنت أن هذا البلاء من رب العالمين، والذي يعني أن الله يمتحن هؤلاء القوم لأمر ما، فالأمر تم بإذن الله، وكان خاتمة هذا البلاء أن أنقذهم من العذاب وأغرق آل فرعون أمام ناظرهم.

﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ [50]

مرة أخرى تذكّر هذه الآية بني إسرائيل بحادثة فلق البحر حين هروبهم بقيادة نبي الله موسى (ع) من ظلم فرعون وآله. والآية المباركة ترسم صورة انفلاق ذلك البحر، ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ ﴾ التعبير اللفظي هو أن الله فرق البحر بهم، أي بواسطتهم، فهذه الألفاظ توحي أن البحر كان ينفلق بالتدريج أثناء تقدمهم، فكلما انفرج جزء منه ومشوا فيه، فالطريق كان ينشق أمامهم، وهو ما يُشعر بالتزامن الحركي أو المصاحبة بين التقدم والانفلاق، ولهذا التقدم احساسه من الرهبة والرعب يمازجه التحفز للتقدم خوفًا من إدراك فرعون وجنوده.

﴿ فَأَنْجَيْنَاكُمْ ﴾ نتيجة لذلك التقدم السريع قبل إدراك فرعون لهم، تقدموا حتى وصلوا إلى البر من الجهة الأخرى من البحر، فنجوا من فرعون، وفي المقابل أغرق الله عز وجل فرعون وجنده، فقد لحقوا بهم في الطريق الذي شقه الله لهم في البحر، غير مكترث بهذه الآية التي تتمثل أمام عينيه، فأخذه الغرور وتقدم للحاق بهم، ولكن الله عز وجل أعاد الماء ليلتقي من جهتيه ويطبق عليه وعلى جنده ليغرق ويموت شر موتة.

حين تقول الآية ﴿ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ فهي تعطي صورة أن بني إسرائيل وصلوا إلى الجهة الأخرى من البر، وتوجهوا بأنظارهم إلى فرعون وجنده فرأوا أن الماء عاد إلى سابق عهده، فنظروا إلى هذه الواقعة والماء يبتلع فرعون وجنده، ليروا بأنفسهم كيف أن الله أهلك عدوهم أمام ناظريهم، فهو فضل من عند الله حدث بآية كبرى رأتها عيونهم لتبقى خالدة في أذهانهم وأذهان الأجيال القادمة من بعدهم .

﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [51]

يتواصل التذكير بالمنن التي اختصها الله عز وجل لبني إسرائيل، والتذكير في هذه الآية يُعرض بأسلوب المفارقة بين ما فعله الله لهم، وبين ردود أفعالهم التي لا تليق بمنن الله وكرمه، وهنا تذكير بالانقلاب السريع من قبلهم والتوجه لشيء ما أنزل الله به من سلطان فقط بسبب غياب نبي الله موسى (ع) عنهم فترة قصيرة من الزمان، على الرغم من علمهم بأنه في مواعدة مع الله ﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ إلا أنهم نسوا هذه المواعدة، وتمكن منهم شعورهم بغيابه عنهم.

﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ ﴾، "ثم" تشير لتعاقب حدث من بعد حدث أسبق، وقوله تعالى ﴿ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ أي من بعد غياب موسى ولا تحديد للمدة التي بعدها كان ذلك الإنقلاب، وتَمثل ذلك الانقلاب في اتخاذهم العجل، وهو الذي يعني اتخاذهم إياه إلاهًا، ظنًا منهم أنه إله موسى، أو أنه يجسد صورة لإله موسى (ع)، ﴿ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ﴾ أي اتخذتم العجل وأنتم في تعيشون حالة من الظلم، لأنهم لو اتخذوا شيئًا بأمر من عند الله، فلا ظلم في ذلك، لكنهم ذهبوا لابتداع أمر في الدين لم يأذن به الله.

﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [52]

﴿ ثُمَّ ﴾ بعد مدة من الزمان ورغم ما كان منكم من الظلم في اتخاذ العجل بعد غياب موسى عنكم إلا أن الله سبحانه وتعالى عفا عنهم، ويلفت النظر صياغة الخطاب الرباني لهم بصيغة الجمع لذاته المقدسة ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾، الأمر الذي يُشعر المستمع بعظمة الخالق ورحمته وصغر المخلوق وضآلته وكثرة خطاياه، ورغم ما كان منهم من هذا الظلم العظيم إلا أنه عز وجل عفا عنهم لغاية ترتجى وهي أن يكونوا من الشاكرين ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾، والشكر هو العمل الذي يقوم به المؤمن مقابل نعم الله، ونعمة العفو هذه توجب على الأجيال اللاحقة لبني إسرائيل أن يعملوا الصالحات لعلهم يبلغوا شكرها.

﴿ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [53]

يضاف إلى تلك النعم التي من الله بها على بني إسرائيل والتي سردتها الآيات السابقة أنه عز وجل آتى موسى الكتاب الفرقان رجاء هدايتهم ﴿ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ ﴾ والمقصود بهذا الكتاب هو التوراة التي جاء بها موسى عليه السلام بعد غياب أربعين ليلة كما بينت ذلك آيات آخرى، ونزل بها من جبل الطور مكتوبة في الألواح، وقد حوت على الفرقان، وهو ما يُفرق به المؤمن بين الحق والباطل، والتي يحكم بها على الخلاف الذي قد يحدث أو حدث بالفعل بين بني إسرائيل في ذلك الزمان، فجاءت التوراة لهم بالهداية والحكم الفصل.

وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ ففيه رجاء أن يُحدث كتاب التوراة الهداية لهم، والأمر متعلق بمدى ارتباطهم به، والأخذ بما جاء فيه، فوجود الكتاب في حد ذاته لا يُؤدي هذه النتيجة المرجوه، إلا إذا اجتهدوا وتمسكوا به. والآية تخاطب بني إسرائيل بشكل مباشر بقولها ﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾.

﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [54]

تنتقل هذه الآية المباركة لنقل صورة أخرى على لسان نبي الله موسى (ع) ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ ﴾، وتوجهه لهم (ع) بقوله: ﴿ يَا قَوْمِ ﴾ يعبر عن الرابطة التي تربطه بهم، وفيها إشفاق ورحمة، وتلفت نظرهم للأمر الذي سيوجهه لهم، ﴿ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ ﴾، إنكم حين اتبعتم إضلال السامري وتوجهتم للعجل بالعبادة ظلمتم أنفسكم، فيتوجب عليكم أن تتوبوا إلى الله ﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ ﴾، وقد عبر عن الله بالبارئ، وهو اسم له علاقة بخلقة الإنسان، وهي كلمة توضح مدى صغرهم وعظمة من ظلموا أنفسهم معه، فقد انحرفوا عن هذا الذي أوجدهم من العدم، وتفضل عليهم بالوجود.

ثم يوضح لهم موسى كيف تكون تلك التوبة ﴿ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾، وهذا أمر بالاقتتال مع الفئة التي افتتنت بالعجل وعبدته حتى بعد رجوع موسى (ع)، وهذا الأمر يوضح أن تلك الفئة اتخذت موقفًا مضادًا مع دعوة موسى (ع)، وانقلبت عليه وبدأت بالاعتداء على من خالفها، لأننا نعلم أن ملة إبراهيم (ع) لا تبيح قتل النفس إلا بالنفس، فكان الأمر أن قاتلوا الذين يقاتلونكم من أهلكم وإخوانكم الذين يعتدون عليكم، فإن كنتم ترومون التوبة من عند الله على ما اقترفتموه من انحراف أثناء غيبة موسى (ع) - والخطاب للفئة التائبة - فقاتلوهم ولا تستسلموا لإكراههم إياكم بعبادة العجل.

﴿ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ﴾ ذلكم، أي قتال الفئة الباغية، خير لكم عند بارئكم من الإستسلام لعبادة العجل، فعلى الرغم مما في القتال من صعوبة وإزهاق للأرواح، إلا أنه خير من البقاء على الضلال والسماح لفئة منحرفة منهم تستولي على بقية بني إسرائيل وتجعلهم على هذه الديانة المنحرفة. أما قوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ فيدل على أن هذه الفئة المخاطبة استجابت لدعوة موسى (ع) في القتال، وتمكنت من إخماد الفتنة، ولأنها فعلت ذلك، تاب الله عليهم، وطهر قلوبهم من العجل.

﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ (55)

الآية الكريمة تتحدث عن موقف بني إسرائيل الأوائل مع نبي الله موسى (ع) من رسالة التوراة التي جاء بها بعد أن غاب أربعين ليلة في جبل الطور حين جاءهم بالألواح، ورغم ما مروا به من عظيم الآيات، أبرزها انفلاق البحر ونجاتهم من فرعون وجنده، إلا أنهم استقبلوا رسالة الله بالتشكيك ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ أي لن نؤمن لادعائك بالرسالة حتى نرى الله عيانًا ليس بيننا وبينه حجاب، وليس بيننا وبينه واسطة، وكأنهم بذلك يطلبون اليقين بأن من يخاطبهم في هذه الألواح هو الله تبارك وتعالى من خلال الرؤية المادية وليس من خلال النظر إلى ما يحويه النص من هدى ونور.

والآية الكريمة تختصر حادثة طلبهم هذا بقولها ﴿ فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ وفي هذا إشارة إلى أن موسى (ع) لبى طلبهم هذا، ولكنهم حين شاؤوا رؤية الله ماتوا صعقًا من هول الموقف. وهذا الصعق يبين استحالة الرؤية، ويبين أن قوم موسى أخطأوا حين طلبوا هذا الطلب. والله عز وجل يضيف هذا الموقف كواحد من مننه عليهم إذ أنه سبحانه وبعد أن صعقوا، أحياهم مرة أخرى، كما تبين الآية التالية.

﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ (56)

طلب بنو إسرائيل من نبي الله موسى (ع) رؤية الله عز وجل، ولكنهم صعقوا حين حاولوا الرؤية، ولم تكن صاعقة عادية فقد كانت شديدة لدرجة الموت، الآية تقول ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ ﴾ أي بعد الصعق بعثوا مرة أخرى من موتتهم ﴿ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ﴾، وهذه منة كبيرة على بني إسرائيل، فالذين أحياهم الله أصبحت لهم ذراري وعاشوا بعد ذلك لبعثة النبي محمد (ص) ونزول القرآن الكريم، والله يخاطبهم ويمن عليهم بأن أحياهم بعد تلك الصاعقة ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ لعلكم تعملون على أساس كل المبادئ التي أمركم الله بها.

﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ (57)

يتواصل الخطاب لبني إسرائيل، ويمن سبحانه عليهم أنه في بدايات خروجهم من مصر ونجاتهم من فرعون ظلل عليهم الغمام ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ ﴾ وكان هذا الظلال حماية لهم عن حرارة الشمس، وهذا يعني أنهم كانوا يباتون في العراء يفترشون الأرض ويلتحفون السماء إذ لا مأوى لهم، فهم في فترة لا قرار لهم فيها ولا موطن، وبحاجة للراحة والطعام، فأما الراحة في عز الظهيرة فقد كفلها الله لهم بظلال الغمام، وأما الطعام فقد أنزله عليهم ﴿ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ هذه نعم الله عليكم فكلوا منها يابني إسرائيل، وفي هذا مؤشر على أن الله عز وجل سيكفل لهم حياة طيبة إن هم ساروا في المشروع الذي أريد لهم أن يسيروا عليه، وهو أن يكونوا حملة لملة إبراهيم باتباهم للتوراة وتطبيق تعاليمها، وأن يكونوا قادة في تبليغ تعالميها للناس، لكنهم لم يستقيموا لما أريد لهم وأرادوا بدلًا من ذلك الدنيا وعلوها فظلموا أنفسهم، وخسروا تلك النعمة ولحقتهم اللعنة ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾.


خطاب القرآن لبني إسرائيل

خاطب الله عز وجل في هذه الآيات بني إسرائيل الذين هم في زمن رسالة النبي محمد (ص) ، وذكرهم بمننه عليهم بدءًا من نجاتهم من آل فرعون وما تلى ذلك من نعم أخرى، وهو عز وجل يخاطب الجيل اللاحق بمننه على الجيل السابق، ذلك بأنه لو لم ينجي الله بني إسرائيل الأوائل من آل فرعون لما ذاقوا طعم الحرية، ولو لم يحيهم بعد موتهم لما تواصل نسلهم إلى زمن النبي محمد (ص)، ولقد عاش بنوا إسرائيل في تلك المواقف آيات ربانية كبرى بقت راسخة في أذهانهم وستبقى إلى يوم الدين، جعلت الأوائل منهم أمام استحقاق الإيمان برسالة نبي الله موسى (ع)، وتحث اللاحقين منهم للتمسك بكتابهم - التوارة - وكأنهم يعيشون الآيات الكبرى كما عاشها الأوائل.

لذلك الخطاب ولذلك التذكير دلالات هامة، منها أنه يمكننا أن نستنتج أن القرآن الكريم يعتبر الجيل اللاحق وارثًا للجيل السابق في المسؤولية، النعمة التي أنعم الله بها على السابقين يحاسب بها اللاحقون، وتظل النعمة قائمة وباقية على هذا الآل ولهذه السلسلة عبر الزمان، فكل جيل يرث الذي قبله في هذه المسائلة على النعم التي من الله بها على أولئك الأولين، ومطلوب هذه المسائلة أن يقوموا بمسؤولياتهم تجاه الرسالة الربانية التي أنزلها الله عليهم، إذ كان يجب عليهم وهم حملة التوراة أن ينقادوا لها وأن يستسلموا لأوامرها وأن يستشعروا مسؤوليتهم تجاه رسالتهم في وقتهم الراهن هذا من جهة، من جهة أخرى على كل جيل أن يتعلم من أخطاء الماضين ليتخطى تلك الأخطاء بتصحيح المسار والاعتدال على ما أمر الله عز وجل.


غياب الرسول

كيف يكون من قوم موسى أن ينقلبوا باتخاذهم العجل فقط بسبب غياب موسى فترة وجيزة، وما دلالات هذا؟ و هل لو كان نبي الله موسى (ع) معهم تجرأوا على هذا الفعل؟ ما الذي يمثله وجود الرسول لأي قوم أرسل الله لهم رسولًا؟ وما الذي يسببه غيابه عنهم؟

من خلال هذه الحادثة يمكننا أن نفهم الارتباط الكبير بين وجود الرسول وارتباط الإنسان بمادئ التوجه للإله الواحد، وهذا يشير بدوره إلى وجود قوة حضورية للرسول، هذه القوة تؤثر على الناس بصورة عامة و على أتباعه بصورة خاصة، هذا لا يعني الإحترام التام لشخصه، ولكن يمكن أن نقول أن الجرأة تزداد لدى من لديه انحراف لإبراز انحرافه عن الجادة عند غياب الرسول، وهو ذات السياق الذي تحدثت فيه الآية الكريمة: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ آل عمران (144)

هذه التجربة التي شاءت الإقدار الربانية أن تجريها على شعب بني إسرائيل تمثل نموذجًا مختصرًا لحقيقة الأمم مع رسلهم، ففي وجود نبي الله موسى (ع) لم يحظ بالتقدير والطاعة التامة من قبل من اتبعوه، ولكن سرعان ما تبدل الأمر بعد غيابه وبعدة أيام حيث انقلب الأمر ليتحول شخص الرسول إلى رمز يمكن استغلاله لتوجيه الناس، فالسامري الذي أحرف بني إسرائيل بعد غياب موسى (ع) استغل اسم النبي لإقناعهم بعبادة العجل، فقال لهم : ﴿ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ﴾ طه (88).

ظهور السامري في فترة غياب نبي الله موسى (ع) مؤشر على وجود شخصيات في الوسط الرسالي تتطلع لموقع القيادة، تنتظر فرصة غياب الرسول لتصعد الموجة وتحرك المجتمع التابع للرسالة حيث ما تشاء وبإسم الرسول، وبدلًا من أن توجههم إلى الإله الحقيقي، تصنع لهم رمزية تهواها قلوبهم وتعشقها أنفسهم ليلتفوا حولها ويفرغوا كل طاقتهم العبادية نحوها، وفي فترة زمانية وجيزة لم تتعد الأيام اتسق الأمر للسامري وتحقق ما يريد، ووقع أغلب الناس من حوله في فتنة العجل التي صنعها لهم من أموالهم وبيديه.

العجل هو رمز قد تشربته قلوبهم من السابق، ومن السهل الارتباط به، بينما فكرة الإله الذي لا يرى تصعب على لا يتعقل ولا يحب التأمل في حقائق الأمور، وهكذا يكون اللجوء لكل ما هو محسوس، والابتعاد عن التعلق بالغيب، ومن هذا تتجلى أهمية الإيمان بالغيب كشرط أساس في سلسلة الإيمان الحقيقي بالله وكتبه ورسله، وما يثير الغرابة هو أن الفترة الوجيزة من هذه الفتنة كانت كفيلة بأن تنسيهم نبي الله موسى (ع) وما أجراه الله عز وجل على يديه من نعم عظمى أبرزها إنقاذهم وإغراق عدوهم وهم ينظرون، لينقلبوا عليه حين يعود إليهم رفضًا لترك عبادة العجل.


متى عبدوا العجل؟

كان نبي الله موسى (ع) قد أخبر قومه بأنه على موعد مع ربه ثلاثين ليلة، كما أخبره الله عز وجل بذلك، ولكنه حين توجه إلى الميقات، وتمت الثلاثين ليلة أتمها الله عز وجل له بعشر ليال ليكون تمام الميقات أربعين ليلة كما هو مقرر في علم الله عز وجل من قبل، فكان ما قاله موسى (ع) عن مدة الميقات بمثابة الاختبار لهم عن كيف يخلفوه من بعده إن هو غاب عنهم؟ ومن المحتمل أن يكون تحرك السامري لصناعة العجل بعد مرور المدة المعلومة وهي ثلاثين ليلة.

بعد أن طال على بني إسرائيل العهد، أي الموعد الذي وعده موسى (ع) إياهم، بدأ السامري في التحرك تجاه سد تلك الثغرة وإثارة الفتنة بصنع العجل، فبينما كان القوم في انتظار نبيهم ومخلصهم وبعد طول الانتظار خرج السامري بفكرته أن موسى غاب وأنه سيخرج لهم الإله، طلب منهم أن يأتوه بالذهب المودع عندهم في رحالهم، استجابوا له، وصنع لهم العجل، ثم أخرجه لهم قائلًا بأن هذا هو إله موسى.

من المحتمل أن تكون فتنة بني إسرائيل بعبادة العجل، جاءت خلال فترة الفتنة التي قررها الله عز وجل لينظر ماذا يفعلون فيها؟ أي بعد الثلاثين ليلة، ليكون إخفاء المدة الحقيقية وهي أربعين ليلة بمثابة الاختبار، كيف يكون حالهم إن غاب عنهم الرسول؟ هل تظهر البدع؟ والأكاذيب؟ وهل يصدقون ما يدعيه أي مدع بعد غياب الرسول؟ أم أنهم يثبتوا على ما عاهدوا عليه؟


الرؤية والصاعقة

بعد انتهاء مرحلة النجاة من آل فرعون، جاءت مرحلة الرسالة وإنزال التعاليم من الرب، ولقد عاد موسى من ميقات ربه حاملًا الألواح قائلًا بأن ما تحمله هذه الألواح هي تعاليم الله العظيم! فلقائل أن يقول: وكيف نثق في أنها من عند الله وليست من عندك؟ قد تكون قد كتبتها بنفسك وجئت بها لتدعي أنها من عند الله، قد يكون الطلب عجيبًا خصوصًا بعد أن رأوا الآيات العظام وخصوصًا آية نجاتهم وهلاك آل فرعون، ولكن هذا ما حدث، فقد قالوا : ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ البقرة (5)، فقد طلبوا من موسى (ع) أن يروا الله جهرة، بمعنى : حتى نؤمن بك ونؤمن لما لرسالتك وما تحمله من تعاليم، نريد أن نرى الله بأعيننا جهارًا !

لكن ما حدث أنهم حين تقدموا لهذه الرؤية صعقوا ! ﴿ فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ البقرة (5)، وهذا يعني أن المتقدمين لهذا الأمر نزلت عليهم صاعقة من السماء، وماتوا جميعًا بسببها، الأمر الذي يعني أن الله عز وجل أدخلهم قبل أن يجربوا، فصعقهم عقابًا لذلك الطلب، لكي يعملوا أن طلبهم غير مقبول ولا يمكن تحقيقه، وبدلًا من أن يكون ذلك التعليم من خلال رسالة يوصلها لهم نبيهم موسى (ع)، كان ذلك الرد عمليًا من قبل الله، فلو قال لهم نبيهم أن الله لا يقبل منكم هذا الطلب، فسيكون الرد: وكيف نعرف أنه لا يقبله؟!

ولكن السؤال: أليس طلب الرؤية طلب منطقي؟ أليس من حقهم أن يتوثقوا من الرسالة؟ هم يطلبون من مدعي الرسالة أن يؤكد صدق ارتباطه بالسماء، هو يدعي لهم أن الله كلّمَهُ، وأن الله واعده ثم عاد من بعد الميقات بألواح فيها تعاليم، ويقول بأنها من عند الله، وهم يريدون أن يسمعوا الله كما سمعه موسى (ع)، وزادوا على ذلك طلب الرؤية! فهل لهم الحق في هذا الطلب ؟ وإذا كانوا محقين في طلبهم، فلم تأخذهم الصاعقة ليموتوا جميعًا؟

الصاعقة التي أخذتهم تبين أن الله عز وجل عاقبهم على طلبهم هذا! حتى لا يعيدوا طلبه هم ، ولا الأجيال اللاحقة من بعدهم، وذلك لاستحالة رؤية الله هذا أولًا، ثانيًا: لأن التوثق من الرسالة التي تحمل التعاليم من عند الله لا يتم بالتحقق الحسي والمادي المتمثل في الرؤية المادية والمشاهدة البصرية، وإنما يتحقق بالإيمان بالغيب، ومن خلال النظر فيها والتأمل في حقيقتها، وكما أن لله آيات كونية تتجلى فيها قدرته وعلى الإنسان أن يذعن لتلك الآيات، كذلك لله آيات في تعاليمه وكلماته يجب على الإنسان أن يدركها بعقله ووجدانه، حين يتأمل ويتفكر في تلك الكلمات.