مدونة حلمي العلق

سورة البقرة من آية 6 إلى آية 7

 | ayat | elbakara

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ [6]

الآية تتحدث عن فئة من الناس لن ينفعها الإنذار، تلك الفئة التي كفرت بالآيات المنزلة، وهي المشكلة التي عاشها أهل الكتاب الذين كان من الفترض أن يكونوا أول الناس تصديقًا بالقرآن الكريم، فقد رفضوا القرآن لأنهم كانوا يعيشون الكفر بالتوراة والإنجيل وهم يظنون أنهم يؤمنون بها.

الرسول منذر فكيف يقول الله لن ينفع إنذاره؟ الإنذار لا ينفع مع الكفر بالآيات، لكنه ينفع مع الذين يخافون البعث وليس لهم من دون الله ولي ولا نصير، أولئك الذين يصدقون الآيات، والكفر هنا هو كفر خاص بالفئة التي لم تؤمن بآيات الله، وليس كفر إنكار لوجود الله، وإذا كان النبي محمد حامل لتلك الآيات وتلك الرسالة الربانية فلن يُقبل منه ما جاء به، ولن يتم تصديقه لكفرهم بالمادة المرسلة من الأصل.

الله سبحانه وتعالى يقول للنبي محمد (ع): ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ الذاريات (55)، الذكرى لها وسيلة ووسيلتها الذكر أى الكتاب فمن كان مؤمنًا بالكتاب نفعته الذكرى ونفعه الإنذار، فإن صحت العقيدة في أساسها قبل نزول القرآن نفعت الذكرى وإن لم تصح العقيده فلن تنفع الذكرى ولا الإنذر.

أغلب استخدامات القرآن الكريم لكلمة "الكفر" هي في الكفر الخاص الذي يصدر من أناس يدّعون اتباعهم للكتب السماوية ولكنهم يكفرون ببعض ما أنزل الله، وهذا ما يعتبره القرآن كفر بالآيات والكفر بالآيات مؤداه كفر بالله.

﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [7]

الختم هو ما نُنهي به أمرًا أو قضية ما، كما هو الحال في الختم الذي يوضع نهاية المكتوب فلا كلام ولا شيء يأتي من بعده، فلا يمكن التعقيب أو التعديل بعد الختم على أي شيء كتب قبل الختم، كذلك بالنسبة للقلوب التي ارتضت أن لا تأخذ بحقائق الكتاب وارتضت أن تبتعد عنه ولا تأخذ آيات الله بقوة، فمن كان هذا هو اتجاهه وكانت هذه نظرته للآيات فقد ختم الله على قلبه وسمعه، والسمع هو فوهة هذا القلب، والقلب هو آلة استقبال حقائق الرحمن، فإذا ختم الله على هتين الآلتين، فلا تتقبل أي شيء جاء بعد الختم، فقد أغلقت المداخل وأوصدت الأبواب.

"وعلى أبصارهم غشاوة" الغشاوة هي ما يأتي على الشيء فيغطيه كما يغشى الليل النهار فإذا نحن مظلمون، والغشاوة على البصر هي غطاء يأتي على العين فلا تبصر بسببه، والمقصود هو أن البصيرة الداخلية لم تعد ترى الحقيقة بسبب ما تغشاها من كفر بالآيات، "ولهم عذاب عظيم" بسبب كفرهم هذا. والذي تسبب لهم في هذا الختم وهذه الغشاوة هو عدم تقديرهم لكلام الله وعدم استجابتهم له، ولو أنهم حين رأوا الحق تنازلوا عن كبريائهم ومالوا نحو الهدى لأزال الله عنهم هذا الختم ولرفع عنهم هذه الغشاوة.

والغشاوة على العين لا تحجب الرؤية كاملة، لكنها تتسبب في ضعفها، والغشاوة كلمه بليغه تخبر عن واقع المشرك الذي استبدل كلمات الله بغيرها، فهو يرى ويسمع ولكنه لا يستطيع أن يميّز حقيقة ما يسمع، ولا معنى ما يرى، لأنه لا يسمع ولا يرى بشكل جيد.


هامش

لقد قررت هذه الآيات المباركة الصفات التي يجب أن يتحلى بها المؤمن حتى يصل للتقوى التي تؤهله لدرجة اليقين بالكتاب فيعمل به دون ارتياب، لأن الارتياب يداخل كل من آمن بالكتاب مالم يؤمن ويتصف بهذه العناوين، فضعف الإيمان يقود إلى مرض القلب الذي ستشير إليه الآيات اللاحقة.

في بداية السورة يبيّن الله عز وجل صفات المتقين، وأول تلك الصفات هي الإيمان بالغيب، وهذا الإيمان شرط لاكتساب الهدى، وهنا لابد من أن يأخذ الإنسان موقفًا جادًا مع نفسه وأن يواجه حقيقة إيمانه بالغيب، وأن لا يتجاوز هذه الكلمة حتى يرصد افعاله فيحكم على نفسه من خلال تلك الأفعال، هل هو مؤمن بالغيب أو لا ؟

ثم تتحدث الآيات عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهما الوسيلة للوصول إلى التقوى المطلوبة، وتحدثت كذلك عن الإيمان بالآخرة، والذين يؤمنون بما أُنزل إليك وما أنزل من قبلك، وبالآخرة هم يوقنون، إذ لابد من الوصول لليقين بالآخرة. ولن ينال هذا الكتاب ويتعامل معه بيقين إلا من ارتقى إلى درجة التقوى، وهذه الدرجة هي التي أوضحت الآيات الأولى من السورة مطلبها.

التعامل مع القرآن هو في حقيقته تعامل مع الله، لأنه يمثل أوامره وكلماته وكل الحقائق المتعلقة بالآخرة ، لذا لزم ذلك إقامة الصلاة حق الإقامة لأنها صلة العبد مع الله الذي نؤمن به في عالم الغيب ، والنتيجة الطبيعية لهذه الصلة هو تزكية النفس والطمأنينة ومعرفة الحقوق والواجبات وأبرز مصاديقها الإنفاق.

أما الهدى فهو الذي يقود إلى فهم الكتاب، وبالتالي هو الذي يقود إلى الصراط المستقيم، وقراءة القرآن بلا تقوى هي قراءة سطحية لا تقود إلى الصراط المستقيم، بل إن مدعي الإيمان قد يساوم مع الآيات فيبيعها بمعنى يرفضها، ويشتري غيرها بمعنى أنه يستبدل بها غيرها، وهذا ما بينته الآيات الأولى التالية لهذه الآيات المباركة حين أشارت إلى بيع الآيات من قبل مرضى القلوب بسبب الارتياب، وإذهاب النور من سمائهم كعقاب، وجعْل الأنداد كنتيجة حتمية للابتعاد عن الكتاب.

الآيات الكريمة تبيّن المشكلة أثناء طرحها للحل، هي تشير إلى مشكلة المتلقي في ذلك الزمان والتي تكمن في أنه مرتاب في كتابه والذي يتجسد في طريقة تعامله معه وتلقيه العقائد والأحكام منه، ونتيجة لذلك الارتياب في كتابه السابق هو لا يستطيع أن يُذعن بالرسالة اللاحقة "القرآن الكريم"، ولقد استخدمت الآيات كلمة "الكتاب" بدلًا من كلمة "القرآن" للدلالة على عموم المشكلة فالكتاب أعم ﴿ الم ۝ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ والقرآن هو صورة جديدة للكتاب السماوي أما التوراة فصورة سابقة له، أما كلمة الكتاب فهي كلمة شاملة لما أنزله الله على الناس وكتبه عليهم. أهل الكتاب يرفعون التوراة شعارًا على أساس أنهم كتابيون متمسكون بما أنزل الله، ولكنهم حين جاء النبي محمد (ص) برسالة القرآن كفروا به فكشف ذلك زيف ادعاء تمسكهم بالكتب السماوية، وكشف ارتيابهم في كتابهم!