الخصومة والبغي
| enter-the-peaceتحدثنا في الحلقة السابقة عن آيات السلم من سورة البقرة من آية 208 إلى آية 211 ، هذه الآيات حملت دعوة السلم للمؤمنين بجميع طوائفهم، وحذرتهم من خطوات الشيطان التي تبعدهم عن ذلك السلم وتدفعهم بالنتيجة للعداوة والبغضاء.
يقول الله عز وجل :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ سورة البقرة 208 - 211
تدعو الآيات الكريمة المؤمنين أن ادخلوا في السلم، هي دعوة المتجبر المتكبر الذي لا يساوم من أجل السلام، ادخلوا في السلم، ولا تقفوا موقف العداوة مع الله، فلا طاقة لأحد على انتقامه.
لقد تبين من خلال دراسة هذه الآيات أنه من أجل أن نحقق ذلك السلم معه يجب أن نحققه في المسارين المتلازمين الأول السلم مع الكتاب، والثاني السلم مع الناس، فهما مظهرا ذلك السلم الذي تدعوا إليه الآية، وعلى المؤمنين أن يحققوا هذين السلمين المتلازمين في آن معًا استجابة لهذه الدعوة، وبمعنى آخر فإن عداوة الإنسان للآخر وعدم إسلامه للآيات هما موضوعان مترابطان ويسيران في خط واحد.
الاقتراب من الكتاب يعني الأخذ بكل الكتاب، أما الابتعاد عنه فيعني الإيمان ببعضه والكفر ببعض، وهذا ما وقع فيه بنو إسرائيل، ويمكننا أن نصيغ هذه الدعوة من خلال منظور التمسك بالكتاب على أنها دعوة للإيمان بالكتاب كله، ليتحقق السلم مع الكتاب، هذا من جهة، من جهة أخرى يمكن القول بأن متطلب ذلك الإيمان هو اطفاء نائرة الحرب الدائرة بين الفرق، والعيش في حالة اللاعداوة، فإطفاء هذه النار توجه المؤمن باتجاه الحق بصورة موضوعية لا ميل فيها للهوى.
ما يجعل الفِرق تمتاز وتتفرق عن بعضها البعض وهي تحت مظلة رسالة واحدة هو الموروث الذي تمتلكه، فالفِرق لديها كتب بشرية مختلفة هي التي أسست لتلك الفرقة وذلك التباعد. ومادام المؤمن يعيش عداوةً دينية بينه وبين الآخر فلن ينتصر للحق، ولكنه سيسعى للانتصار لنفسه، وهذا بدوره يوقعه في التبعيض في الإيمان بالكتاب المنزل، فيؤمن ببعض الكتاب الذي يتوافق مع هواه ويكفر بالبعض الآخر.
من هنا يمكننا القول بأن السلام الخارجي بين الفرق هو مؤشر حيوي للسلم الداخلي التي تعيشه أي أمة مع كتابها، فإذا كانت الفرق تعيش السلم مع كتابها وتأخذ بأوامره وتضعه في المرتبة الأولى وفوق كل اعتبار فمؤدى السلم مع الكتاب هو أن تعيش الفرق المحبة والسلام والوئام فيما بينها، أما إذا كانت متناحرة متباعدة متباغضة، فهذا مؤشر على أنها لم تدخل في السلم الذي أَمرت به هذه الآية.
إن مصداق الاستجابة لدعوة الدخول في السلم على المستويين الكتاب والفرق، هو القبول والإقبال على كلمات الله وعدم معاداتها من أجل تحقيق عزة كاذبة، أما مصداق الخروج منه فهو الخصومة الشديدة والفساد في الأرض.
يمكننا أن نزداد في فهم هذه الآيات الكريمة من خلال ربطها بالسياق العام، أي ربطها بالآيات الأخرى التي تناولت نفس الموضوع، ولكننا نقتصر على فهمها هنا من خلال ربطها ببعضها البعض وتدبرها في سياقها، نعود في هذه الحلقة لنفس موضوع هذه الآيات ولكن من خلال المقطع الذي يسبق هذا المقطع الشريف لفهم هذين المقطعين بعضهما ببعض.
# آيات الخصومة
في المقطع الذي يسبق آيات الدخول في السلم نجد آيات الخصومة ونقصد بها الآيات من سورة البقرة من آية 204 إلى 207 ، يقول الله عز وجل :
﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾
سورة البقرة 204 – 207
تعقد هذه الآيات المقارنة بين فئتين من الناس، الفئة الأولى تدّعي الإيمان، والأخرى تعيشه قلبًا وقالبًا. تعطي الآيات دلالات واضحة على فساد طوية ادعاء الفئة الأولى، وفي المقابل تعطي دلالة بينة على قوة إيمان الفئة الثانية. هذه الآيات لا تنفك في فهمها عن آيات الدخول في السلم، فهما متكاملتان وتوضحان بعضهما البعض.
نقف أولًا في استعراض الآيات والاقتراب منها والتدقيق في معانيها، ثم نقوم بالربط بين هذا المقطع ومقطع آيات السلم، ثم نختم بالفائدة المتعلقة بهذا الفهم.
تقول الآية 204 :
**﴿**وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (204)
تصنف الآية الناس إلى صنفين حسب إيمانهم، وتبدأ بالحديث عن فئة تدّعي ذلك الإيمان دون أن تعيشه حقيقة في قلبها وتقول:
1- "ومن الناس" : هو تصنيف اجتماعي في زمن الرسالة – وفي كل زمان - على أساس حقيقة الإيمان في القلب.
2- "من يعجبك قوله في الحياة الدنيا" : الآية تخاطب النبي محمد وتخاطب كل مؤمن، وتبين أن طوية الناس لا تنكشف من خلال ادعاءات قولية مزخرفة، وإنما من خلال معايير ستكشفها الآية. فالقول قد يأخذ العقل ويُبهر السامع ويعطي صورة ناصعة عن الشخص ولكنها لا تعني بالضرورة أنها تعبر عن حقيقة الإيمان.
3- "ويشهد الله على مافي قلبه": هذا الذي يدّعي مايدعيه إنما يدعي ذلك حتى يعطي صورة يصدقها الآخرون عن إيمانه القوي الكامن في قلبه فيشهد الله على تلك الطوية، رغبة أن يصدقه الآخرون فيما يقول، ولكي يثبت للأنظار أن باطنه مطابق لهذا الشكل الخارجي.
4-"وهو ألد الخصام" : ثم تكشف الآية حقيقة مافي قلبه وأن باطنه لا يتوافق مع هذا الظاهر اللامع والجذاب وتقول بأن ماتراه ليس حقيقيًا، فالمظهر لا يطابق الجوهر، واستخدمت تعبيرًا يختصر كل ذلك ويُعطي جانبًا آخرًا هو المؤشر الحيوي لحقيقة الإيمان وهو الخصومة.
الخصومة تكون بين طرفين، والآية تقول بأن هذا الشخص الذي يدّعي ما يدعيه، إذا خاصم فهو ألد الخصام، واللدود هو الذي لا يراعي أي شي في خصومته من أجل القضاء على خصمه، فيفجر ويجانب التقوى في سعيه من أجل أن تكون له الغلبة ومن أجل أن يظهر بأنه الأقوى و الأبقى.
يطرح القرآن الكريم للمؤمن مقياسًا دقيقًا يقيس حقيقة الإيمان المُدعي، وهو الفجور والاعتداء في الخصومة، هذه الصفات تُعطي دلالة واضحة على أن الذي يتصف بها لا يعيش حقيقة الإيمان، وعلى أن ادعاءه باطل لاحقيقة له، وكأن حقيقة الإيمان تنكشف من خلال التعامل مع الآخر، فإن كان لدود الخصومة إذا خاصم فلا إيمان له.
﴿ َوإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (205)
1- "وإذا تولى" إذا تمكن وأصبحت الولاية بيده،
2- "سعى في الأرض ليفسد فيها" : تحرك على أساس الإفساد وهو التخريب.
3- " ويهلك الحرث والنسل"
ومؤدى ذلك الفساد إهلاك الحرث، أي المحصول الزراعي، وإهلاك النسل، أي المنتوج الحيواني، في إشارة إلى البخل والكنز وعدم الإنفاق في سبيل الله. والله لا يحب الفساد.
الولاية في الدين تثير طمع أصحاب القلوب المريضة، أولئك الذين يحبون العلو في الأرض، وفي الآية إشارة إلى أن هذه الفئة من الناس التي تدّعي الإيمان إنما تسعى للتمكن والحصول على الولاية، وهي ولاية دينية، لأن الآية السابقة تقول أنه يُشهد الله على مافي قلبه وعلى حسن نواياه، فهو يجتهد لإظهار نفسه بالصورة الدينية اللائقة التي تؤهله أمام الناس لهذه الولاية. لكنه،إن تمكن وتحقق له ما يريد، فإن النتيجة ستكون الإفساد في الأرض.
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ (206)
1- " أخذته العزة بالإثم" : كلمة الإثم مرتبطة بالاعتداء وتجاوز الحد مع الآخر، وقوله سبحانه "أخذته" أي منعته، وللإثم عزة يَشعر بها المعتدي ويتلذذ بها ومعناها أنه هو الغالب على من اعتدى عليه، وحب الغلبة نابع من حب العلو في الأرض بغير الحق.
التقوى تنبع من شعور، وهذا الشعور إما أن يكون غالبًا أو مغلوباً، فإن كان غالبًا صلح الإنسان، وإن كان مغلوباً فسد. مشاعر التقوى تتراجع في التأثير إذا غلبت مشاعر الرغبة في العلو، ولذا عبرت الآية أن العزة بالإثم أخذته ومنعته من أن يستجيب لنداء التقوى. وهذه المشاعر الباطلة غالبة عليه.
والإثم كلمة مرتبطة بالاعتداء، والاعتداء يكون في اتجاهين، الأول في الدين أي على أحكام الله وشريعته البينة على الرغم من أن الناس تتولاه في الدين، أما الاتجاه الثاني فهو الاعتداء على الآخرين المخالفين له في طريقه ومساره.
2- "وإذا قيل له اتق الله " قيل له اتق الله من شخص ملتفت لأفعاله وواع لها لا منبهر بأقواله وادعاءاته،وهذا المراقب يدعوه للتوقف عنها لأنها مخالفة للتقوى، هو يدعي أنه على الإيمان، ويكذب ويشهد الله على مافي قلبه، ومن المفترض أن يتق الله، ولكنه في ميدان الواقع وحين يتحرك في الفعل تظهر حقيقته أنه لا يتق الله، وإذا قيل له اتق الله في أفعالك التي تؤدي إلى الإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل، تكبر على هذه النصيحة، وتعالى على هذا النداء.
3- " فحسبه جهنم ولبئس المهاد" : والله عز وجل يتوعد هذه الفئة من الناس بالعذاب الأليم والمهين على خرقهم للتقوى، وعلى اعتداءاتهم في الدين وعلى الناس.
﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ (207)
في المقابل هناك فئة أخرى مغايرة لتلك الفئة:
1- "ومن الناس ": هذا هو الصنف الثاني من الناس وهو الصنف المعاكس والمغاير للصنف الأول.
2- "من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله" : يشري نفسه أي يرخصها يبيعها بغية مرضاة الله، وهذا يعني أنه يتبع مرضاة الله باتباع ما يأمر به في كتابه.
3- "والله رؤوف بالعباد" : فهذا المؤمن اجتهد من أجل أن يصل لمرضاة الله ومن أجل أن يتبع أوامره المنزلة.
هذه الفئة النادرة لا تتحدث عن إيمانها للناس، ولا تشهد الله على ما في قلبها، ولا تسعى للحصول على مكانة في قلوب الناس، ولكن أفعالها هي التي تتحدث، وإذا كانت هذه هي الفئة هي التي يشهد الله عز وجل بإيمانها فهي لا تعيش الخصومة مع الآخر، وهمها - كما بيّنت الآية الكريمة في كلمات موجزة - هو أن تصل إلى مرضاة الله وإن كان ذلك على حساب أن ترخص نفسها في ذلك السبيل.
هذا استعراض سريع لآيات الخصومة، والآن نسأل : كيف نفهم هتين الفئتين من خلال فهم آيات الدخول في السلم؟
# الخصومة والسلم
نعود لآيات السلم التي تم الحديث عنها في الحلقة الأولى، لنعقد المقارنة ونربط بين المقطعين من أجل الوصول إلى فهم أعمق لعلاقةهذين العنوانين الهامين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمْ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
البقرة 208 – 211
من خلال ربط الآيات بعضها ببعض، وتدبر المقطعين الأول و الثاني ، تتأكد لنا عدة معاني:
أولًا : لقد فهمنا من مقطع هذه الآيات (آيات الدخول في السلم) أن أحد اتجاهات الدخول في السلم هو الدخول في السلم مع الآخر المخالف في العقيدة، ولقد تأكد لنا هذا المعنى في آيات الخصومة التي صنفت هذه الحالة بأنها مخالفة لحقيقة الإيمان، فالمخاصم اللدود يقف موقفًا معاديًا محاربًا لمن يخالفه في الرأي والعقيدة، ويتخذ اجراءات انتقامية حتى يهزم من يخالفه، وجاءت هذه الآيات في معارضة هذا السلوك لتأمر بالدخول في السلم الداخلي، الذي ينزع تلك الأحقاد من القلوب فيصل بعدها المؤمنون بمختلف طوائفهم وفرقهم إلى حالة السلم الخارجي فيما بينهم.
ثانياً : بينت آيات الخصومة أن الفئة الأولى تمتنع عن الاستجابة لدعوى التقوى، بسبب شعورها بالعزة بالإثم، وقد تبين لنا في آيات الدخول في السلم أن العزة تأخذ الإنسان بالاتجاه الخطأ وتمنعه من التواضع مع الفرق المخالفة، وفهمنا ذلك في إشارة قوله تعالى " والله عزيز حكيم" وأن العزة لله جميعاً ومن ابتغى العزة فعليه بطاعة الله في كتابه.
لقد تحدثت آيات الخصومة حول موقف المخاصم مدعي الإيمان من نداء التقوى، فإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم، اتق الله أي لا تجعل نفسك عرضة لعذاب الله يوم القيامة بسبب ما تقترفه من أفعال، هذه الدعوى تؤكد مخالفته لأحكام الله وعبثه بها، وتؤكد أن الذي لا يكترث بأحكام الله فهو ليس في سلم مع الله، وقد جعل نفسه في موضع الخطر .
ننتقل الآن لمقارنة بصرية بين الآيات من أجل تأكيد هذه المعاني:
مقارنة بصرية .
مقارنة بصرية بين آيات الخصومة وآيات الدخول في السلم،
الأولى: بين كلمتي الخصومة والسلم
1- وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ
2- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
هذه الصورة تؤكد ارتباط المقطعين، فالخروج من الخصومة هو بداية الدخول في السلم، والعكس صحيح: فالدخول في السلم الداخلي هو بداية النجاة من هاوية الخصومة والبغي على الآخر.
الثانية : بين كلمتي أخذته العزة وعزيز حكيم
1- وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ
2- فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمْ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
هذه الصورة تؤكد ارتباط المقطعين أيضًا فالمؤمن الحق هو الذي يخرج من عزته الباطلة ويدخل في عزة الله.
الخصومةوالفساد
فهمنا – من آيات الدخول في السلم - أن الاتجاه الآخر للسلم هو مع الله عز وجل، أو بمعنى أدق مع دينه وشرائعه وأحكامه، ويتأكد لنا هذا الاتجاه – الهام – للسلم، من خلال فهمنا للفساد الذي أشارت إليه آيات الخصومة، ذلك الفساد الذي تتحرك به الفئة الأولى فهم في الحقيقة معادون لشرع الله وأحكامه، ومفسدون في الأرض بتغيير تلك الأحكام، وهذا ما بينته الآيات عن بني اسرائيل في تبديل الأحكام وتبديل نعمة الله بالكفر.
( سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من فإن الله شديد العقاب).
لطالما ارتبط هذا المصطلح - الإفساد في الأرض - بتغيير أحكام الله وتبديل الشريعة، فقد كان الإنبياء يصلحون في الأرض بنشر تعاليم الله وحث الناس على التمسك بأحكامه، أما هذا المتزين بالدين فإنه يسعى للحصول على منصب الولاية على الناس من أجل العلو في الأرض ومن أجل أن تكون له الكلمة العليا.
منصب كهذا يثير شهوة أولئك الذين لا يرون في الدين إلا وسيلة لتحقيق مآرب شخصية، مستغلين ميل قلوب الناس لله وللدين ليتصدروا المشهد، وأولئك لن يكون نتاجهم إلا الفساد في الأرض، لأن المآرب الشخصية لا تتحقق بتطبيق أحكام الله، فلابد من تغييرها، ولأن المآرب الشخصية لا تتحقق بالإنفاق الحقيقي ولكنها تتحقق بكنز الأموال، لذا يحصل الفساد ويحدث إهلاك الحرث والنسل.
وفي هذا السبيل نصل إلى مقارنة بصرية ثالثة لنفس الآيات
الكلمة الثالثة : بين كلمتي التبديل والفساد
1- وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ
2- سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
فمؤدى تبديل أحكام الله هو الفساد في الأرض، ولأن لهذا التبديل علاقة فهذا ما يكون مؤداه هلك الحرث والنسل
خاتمة
دعت آيات الدخول في السلم إلى التواضع مع بقية الفرق والنزول على حكم الله، في المقابل فإن آيات الخصومة تدعو المؤمن للنظر إلى الأشخاص بشيء من الوعي والنظر إلى الأفعال لا الانبهار بالأقوال، على أن هناك خصومة مخفية يخفيها صاحبها من أجل كسب ولاية الناس له ومن أجل تحقيق مآرب شخصية ليس أكثر.
التمسك بالكتاب يعني الحركة والتغيير، والدعوة للدخول في السلم هي دعوة عالية في مضمونها وغالية لأنها نازلة من الرب العظيم الذي يدعو إلى دار السلام، وبوابة عبور تلك الدار تبدأ بحصد الشرور من قلوبنا وتطهيرها الغل والكراهية وحب العلو وتزكية النفوس من الخصومة والبغي.