مدونة حلمي العلق

أمة واحدة

 | enter-the-peace

مقدمة

تحدثنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة عن آيات السلم في سورة البقرة من آية 208 إلى آية 211 والتي حملت دعوة للسلم للمؤمنين بجميع طوائفهم. وحذرتهم من خطوات الشيطان التي تبعدهم عن هذا السلم. وفي الحلقة الثانية درسنا الآيات السابقة لهذه الآيات وهي الآيات من آية 204 إلى آية 207 والتي تحدثت عن آيات الخصومة

آيات الخصومة:

﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ۝ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ۝ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ۝ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ

عرضت هذه الآيات صنفين من المؤمنين صنف يدّعي الإيمان ولكنه في حقيقته يعيش الخصومة والاعتداء، وقد تبيّن أن طهارة القلب من العدوانية وما يظهر تبعًا لذلك هو مؤشر هام من مؤشرات الإيمان، فإذا انتقضت طهارة القلب من الأحقاد فلا إيمان للمرء، ولقد تبيّن لنا من هذه الآيات أن هذه الفئة متسلقة تنتهز توجه الناس نحو الإيمان للوصول للولاية والسلطة عليهم، فإذا وصلت سعت في الأرض فسادًا، وجاهدت لتحقيق المآرب الشخصية لا لتطبيق أحكام الله في الأرض.

في المقابل هناك فئة أخرى يمتدحها القرآن الكريم، وهي التي تشري نفسها ابتغاء مرضات الله، ولا ترى لنفسها قيمة في هذا السبيل، طاهرة من الأحقاد ومن الخصومة ولا تبغي على غيرها من الطوائف الأخرى.

ولقد فهمنا أن هذه الآيات إنما هي مقدمة للدعوى التي حملتها الآيات التالية، فما يليها من الآيات تدعو للدخول في السلم مع الناس والسلم مع الآيات ومن ثم الدخول في السلم مع الله عز وجل.

آيات الدخول في السلم

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ۝ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۝ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ۝ سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ

تدعو هذه الآيات الطوائف وتناديهم بنداء (ياأيها الذين آمنوا ) أن ادخلوا في السلم ولا تتفرقوا عن كتابكم، ولا تبدّلوا الأحكام والشرائع النازلة فيه، وتحذرهم من عمل الشيطان وخطواته في هذا السبيل، ثم تضرب لحالة الابتعاد عن كتاب الله مثلًا هو بني إسرائيل الذين أنزل الله عليهم البيّنات لكنهم بدلوها وتفرقوا واختلفوا.

في ضوء هذه الآيات نكمل هذا الحديث من خلال الآيات التالية لهذه الدعوة والمتمثلة في الآيات من آية 212 إلى آية 214 والتي تحدثت عن أن الأصل في الناس أنهم كانوا أمة واحدة قبل أن يتفرقوا وتتشعب بهم المذاهب.

آيات الأمة الواحدة

﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ۝ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ۝ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ البقرة (212) - (214)

**﴿**أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ البقرة (212) - (214)

نحاول في هذه المحاضرة أن نقدم دراسة لهذه الآيات، ثم نربطها بما سبقها من الآيات، ونفهم علاقتها بموضوع السلم والإيمان بالكتاب، وتفرق الطوائف.

دراسة في آيات الأمة والواحدة

قبل البدء في دراسة هذه الآيات الكريمة نحن بحاجة للحديث عن الفارق بين الكفر الاصطلاحي والكفر النسبي المعني في خصوصية القرآن.

الكفر النسبي

نطاق الكلمة متحرك وليس ثابت، والكلمة يتمدد مصداقها أو يتقلص تبعًا للسياق الذي وردت فيه، كلمتي الإيمان والكفر، هما كلمتان متضادتان، فمتى ماحددنا الإيمان كان ماسواه كفرًا، وهما كلمتان تتمددان وتتقلصان حسب المفهوم القرآني لا حسب الصورة النمطية التي انطبعت في العقل وحسب.

فالإيمان في صورته الاصطلاحية المعروفة هو التصديق بالرسالة، وماعدا ذلك فهو الكفر، فالكفار اصطلاحًا هم الذين لم يصدقوا برسالة الرسل، وبالنسبة لنا لم يصدقوا بالقرآن ولا بالنبي محمد، من جهة أخرى فإن هذه الكلمة قد تأخذ صورتها النسبية وتتقلص لتحدد فئة في نطاق المؤمنين المصدقين بالرسالة، بعد أن تزيد من اشتراطات ذلك الإيمان ليصل إلى إيمان القبول بالحكم النازل من عند الله في قضية ما أو عقيدة محددة في القرآن، ليكون الكفر تبعًا لذلك التحديد متعلق بالمؤمنين ومخصوصًأ بهم، فتكون كلمة الكفر كلمة قد تطلق على فئة من الذين صدقوا بالرسالة ولكنهم لم يقبلوا بحكم محدد أو قضية أو عقيدة ما.

يقول الله عز وجل :

1- (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74)) سورة الأنفال

نلحظ في هذه الآية وجود إيمان حقيقي يطبق الاشتراطات، وإيمان آخر لم يطبقها، فهو إيمان غير حقيقي أو غير مكتمل، وعندما نقول أنه إيمان غير حقيقي يعني أن صاحبه ادعى الإيمان ولكنه فشل في أحد اختبارات الإيمان. تمامًا كما تخبرنا تلك الآية في سورة النساء:

2- (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (60)) سورة النساء

وعليه هناك إيمان حقيقي في قبال من يزعم الإيمان، ولقد تم اكتشاف هذا الزعم من خلال التحرك نحو ما يخالف ذلك الإيمان.

على أساس هذا الفهم نريد أن ندخل لآيات الأمة الواحدة لدراستها والتدقيق فيها:

أولًا: آية 212

**﴿**زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾

1- "زين للذين كفروا الحياة الدنيا"

يبدو أن هذا التزيين هو نتيجة لسوء الأعمال،ويبدو كذلك أنهم يعيشون حالة من العلو ووفرة من المال، الأمر الذي يشعرهم بالرفعة وعلو الشأن.

قد نتصور أن الكفر الذي تتحدث عنه الآية هو الكفر المطلق، أي الكفر بالرسالة بصورة كلية، ولكن تتبع الآيات يؤكد أن هذا الكفر هو كفر نسبي وليس كلي، ونقصد بالكفر النسبي، الكفر الذي يكون ضمن دائرة المؤمنين وليس خارجهم، والمقصود هم المؤمنون الذين لم يستجيبوا لأوامر الكتاب بعد أن آمنوا به، وإذا ألزمنا الآية بسياقها فالآية تتحدث ضمن سياق الحديث عن الدخول في السلم، وهي تقصد أولئك الذين لم يستجيبوا لأمر هام كهذا. وهم الذين زُينت لهم الحياة الدنيا، ويمارسون تبعًا لذلك السخرية من الذين آمنوا.

2-" ويسخرون من الذين آمنوا"

لقد أغرتهم مواقعهم ومناصبهم الدنيوية، وراحوا يقللون من شأن من آمن ويسخرون منهم ومن إيمانهم وتمسكهم بكتابهم إلى هذا الحد. وقد نتصور أن السخرية شيء مستبعد في جماعة المؤمنين، ولكن الآيات السابقة والتي دعت إلى السلم، كانت تحذّر من الفرقة والحرب بين الطوائف المؤمنة، والسخرية مظهر من مظاهر العداوة التي كانت الآيات تأمر المؤمنين كافة أن يجتنبوها ليدخلوا في السلم.

ومن هذا السياق يمكننا أن نقول أن تصنيف الذين آمنوا هنا هو تصنيف خاص أيضًا، فهم الفئة الخاصة من المؤمنين الذين استجابوا استجابة تامة لأوامر الله في الكتاب، هم الفئة التي تطهرت من طائفيتها لصالح كتاب الله، فأصبحوا لذلك موضع سخرية من الفئات الأخرى.

3- "والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة"

ورود كلمة "فوق" في هذه الجملة الشريفة يشعر بأن الذين كفروا كانوا يظنون أن هؤلاء الذين استجابوا من المؤمنين ليسوا على هدى وأن من أسمتهم الآية (الذين كفروا) هم الذين سيكونون فوق الجميع يوم القيامة، والآية تبين لهم، أن العلوا والرفعة والعزة ستكون للذين استجابوا، أولئك الذين لم تأخذهم العزة بالإثم، وتعززوا بعزة الله.

كما وتؤكد الآية على التقوى على أنه هو السبيل الوحيد لدخول الجنة والفوز بالرضوان في دار السلام، ومدار التقوى هو العمل على أساس ما تأمر به الآيات بصورة عامة، وبصورة خاصة التقوى في عدم التجاوب مع السخرية بالمثل، وعدم الوقوع في حبائل الشيطان واستدراجاته التي تؤدي إلى الفرقة والحرب البينية.

4- " والله يرزق من يشاء بغير حساب"

الله يرزق من يشاء، بغض النظر استجاب أو لم يستجب لأوامر الله، والإشارة إلى الرزق توضح أن الذين يسخرون من الذين آمنوا يتعززون بالمال، ويجعلون منه شعارًا لقوتهم وغلبتهم ودافعًا يدفعهم للسخرية من الآخرين.

إذًا هذه الفئة - من الذين كفروا - هي الفئة التي لم تدخل في السلم، ولازالت تحارب الفئة الأخرى التي دخلت في السلم من المؤمنين.

ثانيًا: آية 213

﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

1- "كان الناس أمة واحدة"

الناس هم المجتمع الذي نزلت فيه الرسالة، والقرآن يصف ذلك المجتمع أنه مجتمع متفرق، لأنه يقول: "كان الناس أمة واحدة" أي أنهم الآن ليسوا أمة واحدة، ولكنهم كانوا في السابق على أصل واحد، إذًا هم في فرقة وهذه الفرقة حادثة ولم تكن هي الأصل. الأصل في الديانات هو ملة إبراهيم، إبراهيم هو أبو الأنبياء وإمام الأمة، وهو الأصل الذي يجب أن يعود إليه الجميع.

2- " فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس"

بعد الحديث عن تلك الفرقة وذلك الابتعاد عن الأصل، عطفت الآية الحديث إلى بعثة الأنبياء المبشرين والمنذرين، ثم تقول: " وأنزل معهم الكتاب" هم رسل لإيصال رسالة من عند الله، هذه الرسالة هي الكتاب، ثم تبين الآية دور تلك الرسالة المحمولة بيد أولئك الرسل وهي : "ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه"، الاختلاف هو أمر حادث على الناس، والمنقذ من ذلك الاختلاف هو الكتاب، والمعيد من تلك الفرقة وذلك الشتات والابتعاد هو آيات الله التي أنزلت على يد الأنبياء والرسل، وهذا لا يصح إلا إذا كانت الرسالة التي بين أيدي أولئك الرسل والأنبياء هي على ذات الأصل الذي كانت عليه ملة إبراهيم (ع).

الكتاب حاكم، ولا يمكن للكتاب أن يمارس هذه المهمة وهذه الوظيفة مالم يأخذ موقعه، وقد أنزل الله عز وجل الكتاب لتحقيق هذه الوظيفة، ولقد طرأ الاختلاف في الأحكام بين الناس بعد ملة إبراهيم، فأنزل الله التوراة ليحكموا بتفاصيلها، وأنزل الله الإنجيل ليحكموا بتفاصيله دون أن تختلف هذه الكتب عن ذلك الأصل، ومن ثم أنزل القرآن مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل.

3- "وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات"

الاختلاف بعد الإيتاء يدل على تباعد الفترات الزمنية، فهم يؤتوه جيل بعد جيل، وكلما ابتعد جيل عن ذلك الأصل بعث الله نبيًا ليعيدهم إلى الكتاب مرة أخرى، وهذا يعني أن الكتاب يتنزل عليهم باستمرار عبر عصور هذه الرسالات ليصحح لهم المسار على الدوام، وماكان دور الأنبياء والرسل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لإعادتهم إلى أحكام الكتاب، وكفر الناس بدعوى أولئك الأنبياء ليس كفرًا كليًا، أي أنه لم يكن رفضًا لملة ابراهيم، لأنهم يدّعون أنهم سائرون عليها، ولكن كان رفضًا لبعض الأحكام التي ابتعدوا عنها، وهذا ما أسميناه بالكفر النسبي، أو مايسميه القرآن بالكفر ببعض الكتاب (أتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)، هو كفر بالأخذ بالكتاب كله، وعلى أساس هذه الدعوة كان الأنبياء يتعرضون للمحاربة التي تصل إلى التصفية والقتل.

الآية تقول: على الرغم من أن الحقائق الإلهية هي بين أيديهم وفي كتبهم المنزلة عليهم إلا إنهم اختلفوا فيه، وكأنها تستنكر : كيف يقعون في الاختلاف بعد البيان؟ وكيف يختلفون فيه وهم الذين أوتوه؟ وكأنها تقول بلغة أخرى: لو لم يؤتوه واختلفوا لكان ذلك الاختلاف مبررًا، ولكن كيف يكون وهم الذين أوتوه، ومن بعد أن جاءتهم البينات فيه؟ والبيّن شيء واضح، والواضح لا يختلف فيه، فما السبب ياترى؟!

وعندما تذكر الآية إتيان الكتاب فهي تشير إلى معنى المحاسبة، فمن أوتي الكتاب محاسب في دينه بدرجة أعلى من الذي لم يؤتاه. وهذا الوضع هو ما وصلت إليه طوائف بني إسرائيل بعد نزول التوراة والإنجيل وبعد إرسال الرسل، فبعد أن أنزل الله إليهم البيّنات في الكتب السماوية السابقة ورغم ما احتوت تلك الكتب من بينات واضحات، إلا أنهم اختلفوا. ثم بيّنت الآية الكريمة طبيعة ذلك الإختلاف، بكلمة مهمة في ذات السياق الذي تتحدث فيه آيات الدعوة للسلم.

4- " بغيًا بينهم "

إذًا تلك الأمة الواحدة التي انطلقت من أصل واحد، وصل بها الحال إلى التفرق، ولم يصل بها الأمر إلى هذا الحد وحسب، بل وتغير توجههم، فبدلًا من البحث عن الحق راحوا يبغون على بعضهم البعض، فأصبح الاختلاف في الدين هو مادة ذلك البغي، والبغي شهوة تستمد طاقتها من حب العلو في الأرض، ويوري سعيرها شيطان لا يريد للناس أن يعودوا للحق والهدى، ولا التمسك بالكتاب.

الآية تكشف سوء الطوية، هؤلاء لم يستطيعوا أن يصلحوا أنفسهم ولم يتمكنوا من نزع شهوة الاعتداء، فلم يدخلوا في السلم فيما بينهم، ومؤدى تلك النار المستعرة هو الابتعاد عن الكتاب وعدم القدرة على رؤية بيناته الواضحة التي لا لبس فيها. لذا لم يتمكنوا من التواضع أمام الكتاب، فإقرارهم بما جاءت به الآيات البينات يعني نسف معتقداتهم الخاصة وأحكامهم الموروثة، واعتراف بأخطائهم وهذا يؤدي بطبيعة الحال إلى زعزعة مكانتهم المزعومة وضياع تميزهم على بقية الطوائف،وهذا ما لا ترتضيه أنفسهم.

وفي أجواء كهذه لا يمكن لهم رؤية الحق، لأنهم قد حكموا على الكتاب بدلًا من أن يجعلوه حاكمًا، وغلّبوا أهواءهم ومصادرهم الأخرى عليه، فلا يمكن أن يهبهم الله الهدى من الكتاب، ومن هنا يتأكد معنى الإيمان بمعناه الخاص، والكفر بمعناه النسبي والضيق، فهؤلاء أوتوا الكتاب ولكن الآيات تتحدث عن كفرهم بسبب بغيهم وعدم إذعانهم لدعوى الدخول في السلم، وتخصص الإيمان للذين خصهم الله بالهداية من الكتاب.

4- "فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه"

الآية لا تسمي كل الذين أوتوا الكتاب بالمؤمنين، ولكنها في هذا السياق تسمي الذين تمسكوا بالكتاب بالمؤمنين هم المتمسكون بالكتاب، ومن هذا التعبير القرآني يمكن أن نستنتج أن السائرين على نهج الكتاب هم أهل الله وخاصته، هداهم الله حين استجابوا له، لا حين عاندوه ونادوه.

الهداية فعل من أفعال الله، إن شاء هدى، وإن شاء ضل، لكنه عز وجل خصصها لهؤلاء المتسمكون بكتابه دون هوى أو ميل لحمية أو جاهلية. أولئك الذين برأوا أنفسم من الاعتداء ودخلوا في السلم مع بقية الطوائف ومع الكتاب، لذا هداهم الله للحق الذي ضل عنه كثير من مجتمعهم المتفرق والمشتت عن الهدى.

5- " والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم"

عقائد وأحكام الكتاب هي الصراط المستقيم، والله يهدي ومن خلال كلماته ومن خلال آياته من يشاء، ولقد حكمت مشيئته عز وجل أن يجعل هذه الهداية لمن توكل عليه واستجاب، لا من اعتد بنفسه وبعلمه بما يملك.

آية 214

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ البقرة (214)

تختتم آيات الأمة الواحدة بالآية التي تتحدث عن الصبر، فما علاقة هذه الحالة وهذا الصبر بموضوع الدخول في السلم بين الطوائف؟

حين يقام الكتاب من قبل الذين يؤمنون بالكتاب كله تثور ثائرة الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، ولقد جاء النبي محمد والذين معه لإقامة الكتاب على أساس الإيمان به كله والكفر بالطاغوت، وقيام هذه الثلة المؤمنة بالكتاب ودخولهم في السلم يبقى حجة على الذين لم يؤمنوا به كله، لذا تثور ثائرتهم ولا يهدأ لهم بال حتى يُسقطوا هذه الحجة، وهذا هو أصل الحروب التي شُنت على الرسول والذين آمنوا معه.

حورب الرسول لأنه يحمل دعوى القرآن الخالصة، ولأنه يحمل دعوى الكتب السماوية خالصة بلا خلط أو تقليل من حكم أو عقيدة من عقائده، ولقد حورب وجوبه لأنه يحمل هذه الدعوة، ومقاومة كل تلك الحروب من أجل إعلاء كلمة الله يحتاج إلى صبر واحتساب عند الله حتى الوصول إلى النصر المؤزر من عنده سبحانه.

الله عز وجل يخاطب المؤمنين بالرسالة - في هذه الآية -بالتساؤل: ماهي حساباتكم في الإيمان؟ هل كنتم تحسبون أنكم تدخلون الجنة دون أن تمروا بخطوات مر بها كل الذين تمسكوا بهذا الكتاب، حتى وصلوا إلى أن مستهم البأساء والضراء، ووصل بهم الحال إلى درجة الزلزال في الإيمان؟

إذا وقع الزلزال في أرض فإنه يدمر كل شيء مهزوز ولا تبقى إلا الجبال الرواسي، والله عز وجل يبيّن للمؤمنين أنكم ستزلزلوا في هذا السبيل ومن كان إيمانه ضعيفًا بالكتاب وبهذه الرسالة لن يصمد ولن يواصل الطريق، فالحرب ضد الكتاب شاملة، معنوية ونفسية ومادية وعلى جميع الأصعدة، ولن يصمد إلا قوي الإيمان، وقد وصف الله عز وجل تلك الحالة بقوله: حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله؟ إلا إن نصر الله قريب.

ملخص

آيات الأمة الواحدة تتحدث عن الوضع الاجتماعي في زمن الرسالة، وتخبر عن حقيقة وهي أنهم قبل هذا العصر كانوا أمة واحدة، وذلك لأن إمامهم هو إبراهيم (ع)، كانوا تبع أصل واحد، الآية تتحدث على أساس أن واقعهم في زمن الرسالة مختلف عن الأصل الذي كانوا عليه، فالأصل أنهم أمة واحدة، ولكنهم تفرقوا بعد ذلك.

وبعد أن كان إمامهم هو نبي الله إبراهيم بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، على أساس المواصلة على إمامة نبي الله إبراهيم، وعلى أساس الثبات على الملة، وأنزل الكتاب الذي كان أصله صحف إبراهيم، ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه في الشريعة والعقيدة، فالكتاب يفصل بين الخلافات، وإذا كان الكتاب يحكم بين الخلافات ويفصل بينها فلا ينبغي الاختلاف بعد ذلك.

وما اختلف فيه إلا الذين أتوه من بعد ما جاءتهم البينات، اختلفوا في الكتاب وتباعدوا عنه رغم أن الكتاب كان يحمل لهم البيّنات التي لا يختلف عليها، ولكن سبب ذلك الاختلاف، أنهم كانوا يبغون على بعضهم البعض، والبغي حالة داخلية تدفعهم لإسقاط بعضهم البعض، هذا السعي وهذه الحالة تبعد عن حقيقة الكتاب.

ثم تعقب الآية على هذه الحالة، لتبيّن من هم الذين يستحقون الهدى من عند الله عز وجل، هم الذين آمنوا، وماهذا الإيمان؟ أليس الذين اختلفوا في الكتاب مؤمنين؟ هو يقصد إيمان بالدرجة الأعلى الدرجة التي تحدثت عنها ألآيات السابقة إنه السلم مع الله، هداهم لإنهم في الأصل يريدون الهدى، ولأنهم لم يكن هدفهم من دراسة الكتاب سوى رضوان الله، وليس العلو أو البغي، ولأنهم دخلوا في السلم مع بعضهم البعض وإن كانوا من مخلتف الطوائف لذا أوصل الله لهم هداه من آياته الكريمة. وهذا هو الصراط المستقيم.

في ظل هذه الدراسة يمكن أن نقول أن هذه الآيات هي استكمال للحديث عن آيات الخصومة ومن ثم آيات السلم، فالخصومة هي المانع من الدخول في السلم، والدعوة إلى السلم هي دعوة للتمسك بالكتاب والعودة إلى الأصل، وآيات الأمة والواحدة تؤكد على ذلك الأصل وضرورة العودة له بقلوب منفتحة ملؤها التسامح والمحبة، وتؤكد أيضًا أن الخصومة والبغي هما ما يمنعان الإنسان من نيل الهدى.

تشير الآيات إلى مؤشر مهم يعبر عن الحالة الصحية للأمة التي انطلقت من أصل واحد، وهو اتفاقها، وهذا الاتفاق لا يكون إلا عن رضا، وهو نتيجة للوحدة، والوحدة لا تكون إلا إذا كان الأصل واحد متفق عليه، أما إذا تعززت كل فرقة بفرعها الذي يبعدها عن ذلك الأصل فلن تتوحد مع الآخر ولن ترى الحقيقة التي يريدها الله منها، وتؤكد الآية أن كتب الله ليست سببًا في تفرق الفرق، بل على العكس هي السبيل الوحيد في عزتها وكرامتها ووحدتها إن أرادت (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه).

ليس من المنطق أن ينزل الله كتابًا ليحكم بين الناس في الاختلاف ثم يصدر منها الاختلاف إلا إذا غيرت مصدر التشريع ونقطة الالتقاء، يقول الله عز وجل:

(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) البقرة (176)

فإذا كان الله عز وجل يرفض أن تحصل الفرقة والاختلاف بعد نزول البين من الكتاب، ووقعت الأمة في اختلاف فهذا مؤشر هام على الابتعاد عن ذلك الكتاب وعن ذلك الأصل، لذا تبقى الدعوة للدخول في السلم قائمة ومستمرة عبر الأجيال، وتبقى آيات الله الكريمة هي بوابة الدخول لذلك السلم.