ولقد جئناهم بكتاب
| follow-what-has-been-revealed-to-you-from-your-lord# مقدمة
يعد الكتاب السماوي نقطة البدء في مشروع الإيمان على المستويين الفردي و الجماعي، وما لم يجعل المؤمن هذا الكتاب دليل لمعرفة الواقع، وسبيل للسير في درب الإيمان فستخطفه السبل إلى اتجاهات مختلفة. لقد كان الحديث في الحلقة السابقة عن السقوط التتابعي للأمم، وكانت المشاهد التي بعثتها سورة الأعراف عن يوم القيامة تيقظ الضمير، وتحيي القلب بأن يضع المؤمن كامل ثقته في كتاب الله، وأن يجعله الحاكم في حياته.
لقد أوضحت سورة الأعراف منهجين مختلفين، متباينين، الأول منهج يضع الثقة ونقطة البدء في الآباء، أما الثاني فيضعها في كتاب الله لأنه نقطة الإيمان الأولى، ولقد واصلت سورة الأعراف في أيضاح ذلك التباين بين هذين الفريقين، وعرض المشاهد الأخروية التي تبين مآلات كل فئة من تلك الفئات، بعد الحديث عن الأمم وتتابعها في السقوط في فتنة الشيطان.
عنوان هذه الحلقة هو " ولقد جئناهم بكتاب " هي عبارة قرآنية من عبارات الآية (52)، وهذه العبارة تنتقد حالة تلك الأمم التي انحازت لغير الكتاب رغم وجوده بين ظهرانيهم، وهو ينتقدهم لسقوطهم في فتنة الأمم المتتابعة، نحاول في هذه الدراسة أن نتعرف على حديث سورة الأعراف عن هتين الفئتين، استكمالًا من آخر آية وقفنا عندها من آية (41)، ومن ثم بمجموعة آيات في خاتمة السورة أكدت على نفس المعنى، ستكون الوقفات مع الآيات التي تبين ملامح الفئتين وعلاقتهما بالنص المنزل.
# ولقد جئناهم بكتاب
كان الحديث قد توقف في الحلقة السابقة عند الآية (40)، الآية (41) تكمل متحدثة عن المكذبين بالآيات من أصحاب النار:
﴿ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ الأعراف (41)-(43).
في الايتين استعراض لفئتين، فئة كذبت بآيات الله، وأخرى آمنت وعملت الصالحات، وهذا الحديث يأتي استكمالًا لحديث التساقط التتابعي للأمم الذي أشارت إليه الآية (38)، وبالتقابل يمكن أن نفهم أن الذين كذبوا بآيات الله كانوا على منهج غير قويم، وأن الذين عملوا الصالحات كانوا من المؤمنين بكلمات الله والمتمسكين بالنص المنزل.
في الصفحة المقابلة يتم الحديث عن المقابلة بين أصحاب النار وأصحاب الجنة، ويبدو أنه مشهد استكمالي لحقيقة الذين عملوا الصالحات والذين كذبوا بالآيات، وتبدأ الآيات في نقل مشهد من مشاهد يوم القيامة وتفريق هتين الفئتين على بوابتي الجنة والنار ، في حديث متناسق مع السياق ومخصصٌ في موضوع التمسك بالنص المنزل.
﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ ﴾ الأعراف (44)-(45)
بدأ الحديث عن التنادي بين الفئتين، أصحاب الجنة ينادون أصحاب النار بعد دخولها بالسؤال عن حقيقة ماهم فيه ليثبتوا صدق وعود الله التي أتت في كتبه المنزلة، ثم يأتي النداء باللعنة على الظالمين، ويبدو من السؤال والإجابة أن هذا الحوار له خلفياته المسبقة أيام الدنيا، ليكون الإثبات بصورة عملية في الآخرة، فالموقف هو ختام لتلك الحوارات المسبقة، ثم تتحدث الآية التالية عن وصف الفئة التي دخلت النار:
﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ ﴾ الأعراف (45)
الآية تتحدث في السياق نفسه استكمالًا للحديث عن الكذب والتكذيب، لقد وصفت الآية الكريمة هذه الفئة بأنهم كانوا يصدون عن سبيل الله ﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ والصد عن سبيل الله هو الممارسة العملية للتكذيب بالآيات، وأضافت إلى ذلك أنهم يبغونها عوجًا ﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ ابتغاء الشيء هو السعي من أجله، وأما عوجًا فهو وصف دقيق للانحراف عن جادة صراط الله المستقيم واتباع الافتراءات، فهم يبغون الدين والجنة، ولكنهم يبغونها بطريقة معوجة، بدلًا من أن يستقيموا على ما أنزل الله، ﴿ وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ ﴾ الكفر بالآخرة هو نتاج ذلك الاعوجاج وبسبب تصديق الافتراءات، فقد اعتمدوا النجاة فيها بالطريقة العوجاء.
ثم تنتقل الآيات للحديث عن فئة ثالثة إضافة لأصحاب الجنة وأصحاب النار، وهي فئة أصحاب الأعراف
﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾ الأعراف (46)
بين أصحاب الجنة وأصحاب النار حجاب، لا يستطيع هؤلاء الدخول على هؤلاء، ثم تتحدث الآية عن أهل الأعراف، هذه الفئة تقيم بتقييم موضوعي للمشهد، وهم رجال يقفون على مرتفع يشاهدون الأفواج من الفئتين فئة تقبل على بوابة الجنة وأخرى تقبل على بوابة النار، يعرفون كل جماعة بسيماهم، يعرفون أهل الجنة بعلامات ظاهرة بادية عليهم، ويعرفون أهل النار بعلامات ظاهرة وبادية عليهم أيضًا، فيعرفون كل فوج أي اتجاه سيمضي؟ يتوجهون لأصحاب الجنة بالتحية : أن سلام عليكم، والبشر بادٍ على محياهم فرحين بما آتاهم الله من فضله.
﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ الأعراف (47)
أما إذا اتجهوا بالنظر إلى أهل النار، فيرون حالهم ويتوجهون بالدعاء إلى الله: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين.
﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمْ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ الأعراف (48)-(49)
ثم يتوجه أصحاب الأعراف بالنداء لأصحاب النار، إلى رجال يعرفونهم بعلامات مميزة تميزهم عن غيرهم، يسألونهم : ﴿ مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ؟! مضمون السؤال يكشف حقيقتهم في الدنيا ويقول: أنكم كنتم جمعًا كبيرًا في الدنيا، وكانت لكم حظوة ومكانة عظيمة بين الناس، وكنتم مستكبرين متعاليين تشعرون أنكم مهتدون ومتميزون عن غيركم! ولكن كل هذا لم يكن له أي نفع في هذا اليوم وأمام هذا المشهد!
ألم تكونوا تستصغرون وتحتقرون الفئة الأخرى والتي هي الآن على أبواب الجنة؟! بينما أنتم اليوم على أعتاب النار! لقد كنتم تتحدثون باستصغار عنهم، وقد أقسمتم في الدنيا أنهم لا يدخلون الجنة، فاليوم ينعكس المشهد، وعلى عكس المتوقع، أنتم تدخلون النار وهم يدخلون الجنة، وهاهي الملائكة تستقبلهم، ويقال لهم : ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون! فكيف انقلبت الموازين؟ لتظهر النتيجة على غير المتوقع!
﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنْ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ الأعراف (50)
على غير المتوقع أيضًا أن هؤلاء -المحتقرون من قبلهم في الدنيا- هم اليوم أصحاب الشأن والرفعة، بينما أصحاب الرفعة يدخلون النار. ثم يشعر أصحاب النار بالعطش والجوع، ليقفون خلف الجدار، خلف الحاجز الفاصل بينهما وبين أصحاب الجنة، ليتوسلوا إليهم يطلبون منهم شيئًا من الماء أو مما رزقهم الله! ولكن النداء يصلهم ، فيكون الرد، لايمكننا مساعدتكم بشيء من ذلك لإن الله حرمهما على الكافرين.
السؤال المحوري هو : ماهو منهج كل فئة من هتين الفئتين؟ هل يمكننا أن نتبين لماذا جازى الله كل فئة بهذا الجزاء؟
﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ الأعراف (51)
﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً ﴾ اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، أصبح دينهم الذي أنزله الله في مرتبة اللهو واللعب وليس في مرتبة الجد، وهذا يعني أن لهم أعمال هذه الأعمال تبعدهم عن حقيقة وعن ما أنزل الله، و لم يأخذوا علاقتهم مع الله بالجدية التي يتحدث فيها معهم في الكتب السماوية، فاتخذوها لعبًا، وغرتهم الحياة الدينا ﴿ وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ ﴾ غرهم جمعهم وما يدعون، ﴿ فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ فهذا يوم ينساهم الله فيذرهم في النار، كما نسوا لقاء يومهم هذا وبما كانوا بآيات الله يجحدون .
تعيد هذه الآية الكريمة الحديث عن التكذيب بالآيات، وتعبّر عنه بالجحود، وهو النكران السيء للنعمة وللفضل الذي تفضل الله به عليهم، ثم تأتي الآية التالية لتؤكد أن مشكلة هذه الفئة كانت مع كتاب الله.
في بداية الصفحة (157): تتحدث الآية الكريمة عن المشكلة، فقد وقعوا فيما وقعوا فيه على الرغم من أن الله عز وجل جاءهم بكتاب، يقول الله عز وجل في (52) – (53)
﴿ وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ الأعراف (52)
﴿ وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ ﴾ هذه العبارة هي تعقيب على حال أصحاب النار، الذين غرتهم مكانتهم وجمعهم في الدنيا وظنوا أنهم هم الناجون بينما أقسموا أن الآخرين لا يدخلون الجنة، أولئك الذين تفاجئوا بمآلاتهم يوم القيامة، هذه الآية تبين أصل الخلل! فقولها: ولقد جئناهم بكتاب، يؤكد وجود الكتاب السماوي– التوراة – في حوزتهم، ثم تصفه بأنه كان مفصلًا ﴿ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ لتؤكد أن فيه مبتغاهم، وفيه الهدى والرحمة لمن يؤمن به ويأخذ بما فيه.
على الرغم من أن الله عز وجل جاءهم بهذا الكتاب إلا أنهم وانحازوا لغيره، ولم يلتزموا بالنص ومشوا خلف فتنة الشيطان وتعصبوا إلى آباءهم فكانت هذه هي النتيجة! موازينهم كانت مغايرة للنص المنزل، وعلى أساس تلك الموازين رأوا بطلان المنهج الذي يسير عليه المؤمنون، وصوابية منهجهم. إلا أن الحقيقة ستنكشف في ذلك اليوم، وسيفاجئوا أن ما ساروا عليه هو وهم أوقعهم فيه الشيطان دون أن يشعروا، وأن نصرهم ونجاتهم يوم القيامة ماهو إلا كذبة ستنسف في المحشر أمام الجميع. وفي المقابل يمكننا أن نفهم أن الفئة الأخرى كان الكتاب هو سبب نجاتها وسبب انتصارها وعلوها في ذلك اليوم، على عكس ما اعتقدته الفئة الأولى فيهم.
﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ الأعراف(53)
تنتقل هذه الآية من الحديث عن يوم القيامة، إلى الحديث عن اللحظة الراهنة، أي لحظة نزول القرآن الكريم ويقول متسائلًا تساؤلًا استنكاريًا على عدم تجاوبهم مع رسالته : ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ﴾ بمعنى ماذا ينتظرون؟ هل ينتظرون تحقق كل تلك الوعود المستقبلية في حقهم! إذ إنه من المفترض أن تحدث لهم هذه الآيات هزة وجدانية تحركهم نحو التغيير، وتبعثهم بعثًا نحو الحقيقة! فإذا جاءت تلك اللحظة لن ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل ﴿ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ﴾ يوم يتحقق تأويل القرآن الكريم وتقف تلك الأمم أمام أبواب النار سيندمون الندم الكبير، حينها فقط سيدركون أن ما جاءت به الرسل كان حقيقة واقعة.
حينها يبحثون عن وسيلة للخلاص، عن شفعاء يخرجونهم من ذلك المأزق فلا يجدون ﴿ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾ يطلبون الرجوع إلى الدنيا علهم يغيرون الأعمال على ما يطابق ما أمر الله به، لكن لا رجعة وستكون الخسارة هي المآل، ولن ينفعهم أي استجداء أو طلب للعودة أو الشفاعة ﴿ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾
وجدنا في الآيات السابقة كيف أن الآيات سارت لكشف مآل تلك الفئتني، الفئة التي اتبعت ما أنزل الله، والفئة الأخرى التي افتتنت بالأولياء من خلال الآباء، ومن خلال الأمم السابقة، ولقد ركزت سورة الأعراف المباركة لتوضيح مشكلة اتباع الأولياء الاتباع المضاد لما أنزل الله.
في نهايات السورة في صفحة (174) مقطع الآيات من آية (181) إلى آية (186) ينقل مقارنة بين هتين الفئتين أيضًا
﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ الأعراف (181)
هذه هي الفئة التي تعمل على أساس النص المنزل ﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ في اللفظ المعبر " ممن خلقنا " إشارة إلى حق الرب في أن ينصاع له مخلوقوه لما يأمر به، من هؤلاء المخلوقين، أمة يدعون إلى الحق ويهدون الناس إليه، في إشارة إلى ما أنزل من كتب قيمة، وبه يعدلون، إشارة إلى أن هذه الأمة تطبق ما تدعو إليه، والآية التالية تؤكد على ذلك بالتقابل مع الأمة المخالفة لهذا المنهج.
﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ الأعراف (182)-(183)
في المقابل هناك أمة أخرى تكذب بآيات الله ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ﴾ مما يعني أن الشرف الذي نالته الأمة السابقة هو شرف الهدي بالكتاب المنزل، وأن ما تناله هذه الأمة من عقاب فهو بسبب تكذيبها به، ولم يقتصر العقاب على العقاب الأخروي بل إنه كان في الدنيا عقاب من نوع آخر وهو الاستدراج ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ﴾ والاستدراج هو عملية تتم بخطوات وبالتدريج وخلال مدة من الوقت، فالعدو مثلًا يستدرج للوقوع في مكيدة ما من أجل التخلص منه، فيقع من حيث لا يشعر، والآية تقول ﴿ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أي من جهة لا يظنون أن الاستدراج يأتي من ناحيتها، الأمر الذي يشير إلى علاقة هذا الاستدراج بفتنة الشيطان اللعين.
﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ هذه الآية الكريمة تبيّن كيفية الاستدراج، فهو يتم بالإملاء الذي يحوي على كيد، والإملاء له دور في دعم اتجاه محدد، وإذا كان الأمر فيه كيد فهو يخرج هذا الذي يملى عليه من طريق الحق إلى طريق آخر، وكأن الآية تشير إلى أن العقاب من جنس العمل، فإذا ابتغى الإنسان الباطل وجده بطريقة تزيد من ثباته وقوته عليه، وهذا هو الخطر!
# خاتمة
تستعرض سورة الأعراف المباركة فئتين تباينتا في التعامل مع ما أنزل الله، فئة تقدس كتابها وتعمل على أساسه، وأخرى استكبرت عليه واتبعت منهجًا آخر، وظنت أنها بذلك المنهج ستحصل على مبتغاها في الدنيا والآخرة ولكن الآيات بينت أنها ستتفاجأ ببطلان منهجها وفوز من ساروا على مبدأ الكتاب وهديه.
المفاجأة التي خيبت آمال الفئة التي أقسمت بأن غيرها لن يدخل الجنة لم تعلم أنها كانت تستدرج إلى ما ابتغته، كعقاب على الميل عن النص المنزل إلى غيره، فقوله تعالى : "ولقد جئناهم بكتاب" هو توضيح من جهتين، الأول هو توضيح لسبب انحرافهم، والثاني هو بيان لسبب عقابهم بالاستدراج، بهذا يكون بيان الآيات واضحًا حول ما الذي ينتظر من لا يطبق ما أمر الله به وهو " اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء"