أتقولون على الله ما لا تعلمون
| follow-what-has-been-revealed-to-you-from-your-lord# مقدمة
تحدثنا في الحلقة السابقة عن فتنة الشيطان الرجيم في إبعاد بني البشر عن النص الرباني المنزل وإغوائهم عنه، وفي هذه الحلقة نكمل الحديث في هذا السياق، ومن خلال تتبع الآيات في سورة الأعراف.
للتنزيل المجيد أعداء، وهذه العداوة ممتدة من عداوة الشيطان للإنسان، ورغبته الجموح في أن لا يسلك هذا المخلوق طريق الكرامة والعلو، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأحد وسائل هذا العدو اللعين هي الخدعة باختراق الدين، بدس الباطل ونشر الأكاذيب، والقرآن يكشف مكائد الشيطان ليصون أتباعه من الانحراف عن النص المنزل، وحتى لا يفتتن بني آدم بأقوال الشيطان كما أخرج أبويهما من الجنة.
كانت الحلقة السابقة تحت عنوان " لا يفتننكم الشيطان " تتحدث عن أسلوب الشيطان للتوغل في عقول أتباع الرسالات من خلال الفتنة، أما هذه الحلقة فتتحدث عن تهاون أتباع الرسالات الخاطئ في التعاطي مع أكاذيب الشيطان تلك! ذلك التعاطي الذي يسمح بدخول أحكام منحرفة وعقائد باطلة دون رادع. عنوان هذه الحلقة هو السؤال الاستنكاري : " أتقولون على الله ما لا تعلمون؟ " والذي يستنكر أن يقول المؤمن في الدين مالا يعلم. العبارة مستوحاة من آية (28) من سورة الأعراف والتي درسناها في الحلقة السابقة. نكمل دراسة الآيات التالية لها انطلاقًا من هذا المعنى، ونحاول فهم دلالات هذه العبارة في صيانة الدين من الانحراف.
# أتقولون على الله ما لا تعلمون؟
عند إكمال قراءة الآيات الكريمة من الآية (31) و (32) من سورة الأعراف، نلحظ أن الآيتان تعالج ما أفسده الشيطان عبر الأجيال وبتأثير ابتعاد الناس عن التنزيل، ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ الأعراف (31)-(32) وترجعهم للتوجه لله والتوجه لبيوت الله المساجد، وتناقش الإسراف وتحريم ما أحل الله، وهنا تظهر لنا ملامح الإفساد، فمن جهة تشيع الفاحشة، ومن جهة أخرى يكثر الإسراف، وتزداد ظاهرة التحريم بغير سلطان.
ثم تأتي الآية الكريمة آية (33) لسرد المحرمات بصيغة العموميات، ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ الأعراف (33)، ثم تختم المحرمات بالقول : " وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون"، نريد أن نلحظ أن هذه العبارة المباركة وردت في الآية (28) في مواجهة الذين شرعنوا للفواحش وجعلوها من أوامر الله، حيث قالت الآية الكريمة : ﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ الأعراف (28). فالعبارة تقف في قبال أولئك الذين يدّعون أن الله أمر بالفواحش، والعياذ بالله، لتقول إن هذا الادّعاء باطل وكذب على الله، فكيف ترددون الباطل؟!
نقف عند هذه الآية لنفهم دلالات هذه العبارة المباركة.
﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ الأعراف (33)
تسرد الآية المباركة المحرمات التي نصت عليها الكتب السماوية، ردًا على من شرعن للفواحش وجعلها أمرًا دينيًا يتعبد به، فبدأت بقوله تعالى ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي ﴾ لرفض ما تم تحريمه خلاف ما ذكره الكتاب المنزل بحصره في تعداد المحرمات الحقيقية، ولتصحح العبث الشيطاني الذي توغل في واقع تلك الأمم.
ذكرت الآية حرمة الفواحش، والإثم والبغي بغير الحق، والشرك بالله ما لم ينزل به سلطانًا، والقول على الله بغير علم. ثلاث أوامر تعنى بالسلوك، وأمران يهتمان بالعقيدة، وأوامر العقيدة هي أوامر تحصينية، أي أنها تحصّن المؤمن من أن يدخل في إيمانه شيئٌ ما أنزل الله به من سلطان، والسلطان هو أحد مسميات الكتاب المنزل والذي يُعطي دلالة أن الحاكمية المطلقة هي لما أنزل الله، وما عداه فلا حاكمية له، وهذا يعني أن الاعتقاد بما ليس له أصل في الكتاب يقود إلى الشرك.
ثم تختم الآية بتحريم آخر بقولها: ﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ والذي يعني حرمة التحدث بشيء أو ترديده أو ترويجه بين الناس بدون علم، لتنفي كل المقولات التي تم تداولها وهي في الأصل تخالف ما أنزل الله. فلا يصح أن يتحول حملة الرسالات إلى ناقلين في الدين من غير تفكير ولا تدقيق، فنقل الحقائق الدينية يجب أن يكون بوعي ومن خلال الارتباط بما أنزله الله، فما وجدته الأمة لدى أممها السالفة يجب أن لا يصل من خلال الأمة الحالية إلى الأجيال اللاحقة دون تمحيص أو تدقيق، كونهم حملة كتاب، لا حملة أثر موروث، والكتاب نور ، أما الأثر فيُنقل للأجيال اللاحقة بفرز وتمحيص، فلا يُسمح لحكم في الدين أن ينتقل إلا بعد عرضه على كتاب الله.
ولكن كيف يصل الحال بالأمة التي أنزل الله عليها كتاب أن تقول على الله ما لا تعلم؟ سورة الأعراف المباركة تنقل صورة تجيب على هذا التساؤل محذرة من خلال نقلها لحال الأمم السابقة الأمم اللاحقة.
ذلك الحال تنقله الآيات من آية (168) إلى الآية (171) من نفس السورة، عن حال بنوا إسرائيل الذين أنزل الله عليهم كتابًا، مبيّنة كيف افتتنوا عن كتابهم المنزل إلى غيره عبر الأجيال وبالتدريج، فأصبحوا ينقلون غير الذي أمرهم الله به، على الرغم من أن كتابهم قد أخذ عليهم ميثاقًا أن لا يفعلوا ذلك.
يقول الله عز وجل
﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمْ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ الأعراف (168)
﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً ﴾ قطعناهم أي قطعنا بني إسرائيل بعد أن كانوا أمة واحدة في زمان موسى (ع)، إلى أمم انتشرت في الأرض، ﴿ مِنْهُمْ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ كل أمة من تلك الأمم منها الصالح ومنها دون الصلاح، وهذا التعبير يوحي بأن الصلاح مرتبة لها اشتراطاتها، فإن بلغها المؤمن وإلا كان أقل من الصلاح، فالصالحون متبعون لتعاليم ربهم ملتزمون بالتوراة، أما من هم دون الصلاح فهم أقل من تلك الفئة كونهم غير ملتزمين،
ثم تبين الآية الكريمة أن الله عز وجل ابتلى الفئة التي هي دون الصلاح بما رزقهم من الحسنات أو بما ابتلاهم من السيئات، من أجل أن يذكروا فيرجعوا لما أمرهم الله أن يلتزموا به فيعودوا من الصالحين. ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ الأعراف (169)
تعاقبت الأمم، فجاءت بعد تلك الأمم أمم أخرى، تطلق عليهم الآية "خلف"، أي من هم خلف أولئك الأولون، ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ ﴾، كانت التوراة بين أيديهم، يتدارسونها ويعلمون مافيها، ولكنهم لا يطبقونها، وبدلًا من أخذ تعاليم الكتاب راحوا يأخذون ويطبقون ما هو أدنى من الكتاب ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ﴾ العَرَض هو شيء يراه الجميع قد يعجب الناظر فيأخذه، لكنه يتصف بعدم الدوام وعدم الثبات، وفي سياق حديث الآية عن الكتاب السماوي، فكل مادون الكتاب السماوي هو عَرَض، لا يتصف بالثبات ولا ضمانٌ لما يحويه من صدق المحتوى أو كذبه، ومع علمهم بذلك يأخذوه، ويقولون سيغفر لنا إن نحن أخذنا به، وهذا يعني أنهم يعتقدون بحرمة الأخذ بغير الكتاب، ولكنهم استثنوا هذا العرض من تلك الحرمة، وأباحوا لأنفسهم أن يأخذوا به.
وعندما تستخدم الآية لفظ الإشارة (هذا) ففي ذلك إشارة إلى أن ذلك العَرَض امتد من زمان تلك الأمم وذلك الخلف إلى أن وصل إلى زمن النبي محمد، فلا يزال ذلك العرض متواجدًا في زمن الرسالة وزمن تنزيل القرآن الكريم، ولذا تشير إليه الآية بـ (هذا)، فالعرض هو نفسه، وكذلك من خلف من بعدهم ساروا على ماسار عليه أولئك الأولون، فمن ذلك الحين، حين قبل ذلك الجيل بالأخذ من غير كتاب الله المنزل، إلى هذا الزمان وهم يأخذون عرض الأدنى، لذا تكمل الآية على نفس السياق وتقول ﴿ وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ﴾، فلو عرض عليهم شيئًا جديدًا، لأخذوه وطبقوه وعملوا به، وهذا ما يشير إلى سقوط حصانة الكتاب المنزل وقبول كل ماهو دونه. وهذا ما يتوافق تمامًا مع ما فهمناه في الحلقتين السابقتين في مثال قصة آدم، وفي مثال الذي آتاه الله الآيات فانسلخ منها.
ثم تكمل الآية الكريمة بالحديث عن ميثاق الكتاب والذي ينص على حرمة الانقياد للنصوص التي هي أدنى من النص المنزل، وهو قضية السورة الرئيسي، ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَق ﴾ ألم يؤخذ عليهم؟! هو سؤال استنكاري، ويعني أنه أخذ عليهم ولكنهم خالفوا ذلك الأمر! وعملوا على خلافه، والميثاق هو " أن لا يقولوا على الله إلا الحق" والذي يشير بشكل مباشر إلى أنهم قالوا على الله غير الحق من خلال ذلك العَرَض الذي هو أدنى من الكتاب، وأدنى من حقائقه، فإذا كان الكتاب ينص بوضوح على هذه القضية، فكيف وقعتم فيها؟! ﴿ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ﴾ أي درسوا مافي الكتاب، وعلموا وجود هذا العهد عليهم، ولكنهم مع ذلك لم يلتزموا! وفتنوا بعرض الأدنى.
﴿ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ وأصبح الأخذ من عرض الأدنى هو مؤشر على حب الدنيا، والتي تعني بصورة ضمنية وغير مباشرة أن القبول الاجتماعي -وهو أحد مؤشرات حب الدنيا- لا يتم إلا بقبول ذلك العرض، وأن الدعوة إلى العودة إلى كتاب الله أصبحت دعوة منبوذة وغير مقبولة في أوساطهم، لذا أصبح التمسك بالكتاب مؤشر للتقوى والتعقل والسعي للآخرة.
هؤلاء الذين انحرفوا عن كتابهم إلى غيره، وابتعدوا عن النص المنزل إلى نصوص أخرى، هم الفئة التي صنفتها الآية السابقة أنها أقل من الصلاح، لأن الصلاح في التمسك في كتاب الله، كما تبين الآية التالية..
﴿ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ﴾ الأعراف (170)
﴿ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ ﴾ حرف الواو في بداية الآية يشير إلى ارتباط الآية بما سبقها، ولقد أكملت هذه الآية الحديث بذكر فئة متمايزة عن الفئة التي ذكرت في الآية السابقة، فإذا كانت الفئة السابقة تأخذ عرض الأدنى، ولا تأخذ بالكتاب، فهناك فئة أخرى يقومون بدور صحيح ومتوافق مع ما أمر الله عز وجل وهو أنهم يُمَسِكون بالكتاب، والذي تعني أنهم يدعون للتمسك بالكتاب، ليعود الناس له، فإذا كانوا يدعون لذلك فمن باب أولى أنهم متمسكون به أيضًا لذا فالآية تصفهم بإقامة الصلاة ﴿ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ ﴾ وإقامة الصلاة في بعدها الحقيقي هي إقامة ما أنزل الله، وهذا التمسك يأتي في مقابل أولئك الذين لم يتمسكوا به، بسبب افتتانهم بعرض النصوص الأخرى.
ثم تصف الآية الداعين لكتاب الله بالمصلحين ﴿ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ﴾، وعلى هذا الأساس نفهم أن التصنيف في الآية (168) على أساس الصلاح ودون ذلك، متوافق مع الأخذ بالكتاب ومادون الكتاب، فالصالحون يأخذون بالأعلى وهو ما أنزل الله، أما من هم دون الصلاح فيأخذون بما هو أدنى من الكتاب.
في خاتمة هذا المقطع من الآيات المباركة يأتي التذكير بالأصول التاريخية لمسيرتهم الدينية حين أخذ الله عز وجل على آبائهم الميثاق في زمن موسى (ع)، وأخذه عليهم بآية كبرى شهدها آباءهم، أما الأبناء فقد علموا بتلك الحقيقة وتوارثوها عبر الأجيال.
﴿ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ الأعراف (171)
﴿ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ﴾ الآية تذكر بموقف يعود إلى زمن نبي الله موسى(ع) مع بني إسرائيل حين نتق الله الجبل فوقهم، ونتقه أي اقتلعه ورفعه للأعلى ليصبح متعلقًا فوفق رؤوسهم وهم أسفل منه وكأنه سقف يظللهم، ﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ ﴾، وامتلأت قلوبهم بالخوف، لأنهم ظنوا أنه قد يقع عليهم في أي لحظة، في ذلك المشهد المهيب، أُخذ عليهم ميثاق الكتاب أن ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾ خذوا الكتاب المنزل إليكم، والتزموا بتعاليمه ولا تنحرفوا عنه، والأمر هو الأخذ بقوة، وأي أخذ بأقل من القوة قد يؤدي إلى السقوط في وحل الأدنى، ﴿ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ ذكر مافي الكتاب هو طريقة الأخذ بقوة، فالأمر هو:كونوا على تماس مباشر مع الكتاب وتواصل مستمر ذاكرين أوامره، فمحاربة الشيطان تتجسد بمحاربة النسيان.
# خاتمة
كان الحديث عن حرمة القول على الله بما لا نعلم، والذي يعني ضرورة أن نعلم ما في الكتاب ونتحدث بما فيه، وحرمة العبث بالدين، وتجنب كل ما هو معروض مخالف لأوامر الله، وقد درسنا في الحلقة الأولى الأمر الرباني المتمثل في العبارة الكريمة " إن وليي الله " التي تؤسس لعلاقة حقيقية لا انفصال لها مع النص المنزل لتحقيق الأمر الرباني " اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم "، وفهمنا ومن خلال الحلقة الثانية والتي كانت بعنوان " لا يفتننكم الشيطان " كيف تتمكن تلك النصوص الدخيلة من التوغل في كيان الأمة المؤمنة لتحل محل النص الأصلي بسبب عمل الشيطان وفتنته، أما في هذه الحلقة ففهمنا أن هناك من تنفتل يده عن التمسك بالعروة الوثقى ليسقط فيما هو أدنى من الكتاب بسبب عدم التزامه بميثاق الكتاب بأن لا يقول على الله إلا الحق، فيقبل بالعرض الأدنى، وينسحب تدريجًا عن أوامر الله دون أن يشعر، وهذا الانفلات يبدأ لدى أمة ثم يتواصل عبر الأجيال مخلفًا سلسلة متتابعة من الأمم التي تبتعد حقيقة عن كتابها، وهذا ما يمكن أن نؤكد عليه في الحلقة القادمة إن شاء الله.