كلما دخلت أمة لعنت أختها
| follow-what-has-been-revealed-to-you-from-your-lord# مقدمة
مسؤولية كل جيل من أجيال الرسالات تجاه رسالتهم تكمن في إتقان الاستلام والتسليم، استلام الرسالة ممن سبقهم، وتسليمها لمن بعدهم، الآية (33) من سورة الأعراف أوجزت هذه القاعدة بعبارتين مهمتين، الأولى هي حرمة " أن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا" وهي ما تمثل حرمة استلام الدين من الجيل السابق بلا علم، أما العبارة الثانية فهي حرمة " أن تقولوا على الله ما لا تعلمون" وهي ما تمثل حرمة التسليم بلا علم أيضًا.
المشكلة إذًا ليست في عدم وجود الكتاب بصورته المادية في كل زمان، فوجوده نعمة أنعم الله بها على بني آدم، ولكن المشكلة في وجوده معطلًا لا فاعلية له، وذاك هو هدف الشيطان الأكبر، هو إيقاف تأثير النص المنزل بالفتنة وإشغال أتباعه بغيره، والشيطان يأتي إلى بني آدم من حيث يثقون لا من حيث يحذرون، وقد وجدنا في الحلقة السابقة وخصوصًا في آية (169) آية العَرَض الأدنى، أن جيل الأبناء من أجيال الرسالات، كان مطمئنًا لكل ما وجد عليه جيل الآباء، فكان ذلك الإطمئنان هو الثغرة التي استغلها الشيطان لدس الفساد وتأسيس دين باتجاه آخر.
سورة الأعراف المباركة تبيّن مسؤولية كل جيل من أجيال الرسالات من خلال توضيح النتيجة التي قد يقع فيها كل جيل يوم القيامة حين يعيش التواكل على من سبقه والاعتماد على صوابية ما نقلوه على حساب ما أنزل الله، وتعرض مشاهد الخيبة التي تسببت فيها تلك الثقة الزائفة.
عنوان حلقتنا لهذا اليوم هو " كلما دخلت أمة لعنت أختها " وهي عبارة في آية (38) من نفس السورة، ندرس واستكمالًا لموضوع السورة المباركة مشاهد يوم القيامة للاجيال المتتالية في الآيات من آية (38) إلى الآية (40) على أنه هو المشهد الأخير، ثم نعود بالتاريخ الإنساني للمشهد الأول الذي انطلقت منه هذه البشرية لنتمم الصورة وذلك بدراسة آيات الإشهاد على الذريات في أواخر نفس السورة، من الآية (172) وحتى الآية (174).
# كلما دخلت أمة لعنت أختها
كان الحديث في الحلقة السابقة حول آية (33)، نكلمل من الآية (34) حيث تقول :
﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنْ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ آل عمران (34)-(36)
تحول الحديث في آية (34) عن الأمم، وتبين الآية أن كل أمة إنما تأتي لهذه الدنيا بأجل، وهذا الأجل يبين مرحلة الاختبار التي تعيشها، ويتواصل الحديث في الآية التالية إلى بني آدم، في إشارة إلى أبو البشر الذي وقع في خطأ بسبب فتنة الشيطان، ثم يشير إليهم إلى أن الآيات ستأتيكم من خلال الرسل لإيضاح أهمية النص الرباني المنزل، ويشير إلى أن موضوع التقوى مبني على اتباع تلك الآيات، ثم في الآية التالية يبين أن تكذيب الآيات يوجب العقاب، وقد أُلحق الاستكبار بالتكذيب على أساس أنه لا يكذب بها إنسان إلا لوجود هذه الخصلة الذميمة في نفسه.
في الآية التالية آية (37) يقول الله عز وجل :
﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنْ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ﴾ الأعراف (37)
هذه الآية تتحدث عن عاملين أساسيين في الإفساد، هما: الكذب على الله والتكذيب بآيات الله، أما الكذب فهو الافتراء في الدين، بوضع أوامر ونواهي ما أنزل الله بها من سلطان، وهنا تتحدث الآية عن مرحلة تأسيس الكذب في الدين، هذه الفئة هم أولياء الشيطان من البشر الذين يستغلهم لزرع فتنته، هؤلاء – حسب القرآن - لا يوجد أظلم منهم. أما الأساس الثاني فهو تكذيب آيات الله، وهو دور مضمونه الصد عن سبيل الله، وإيقاف حبل الله المدود من أن يصل إلى الناس، وفي هذين الفعلين فعل مضاد لمسؤولية أجيال الرسالات المتمثل في استلام الرسالة وتسليمها، لأن تكذيب الآيات هو صد عن الآيات، أما الافتراءات فهي تفتح السبيل باتجاه آخر غير الذي يرسمه الكتاب المنزل، وعندما نجمع هذين الفعلين نحصل على نتيجة واحدة وهي تعطيل فاعلية الكتاب المنزل. ويتضح من الآية كذلك أن الأساس الذي انطلق منه ذلك السبيل الجديد مبني على التوجه للدعاء لغير الله، والذي يعني في مضمونه صرف القلب باتجاه لجهة أخرى غير الله.
وبهذا تأسس الباطل في جيل من الأجيال، أما ما كان من الجيل اللاحق فهو الأخذ بالافتراءات على ما يحمله من ثقة واطمئنان، فمال هذا الجيل كما مال سابقه إلى مدرجة الشرك دون أن يدقق أو يحاسب من سبقه، ففي حين تعطلت فاعلية الكتاب المنزل لدى ذلك الجيل المؤسس وسار على غير الجادة، تفعّل مشروع الشيطان وأصبح ذاتي التشغيل يغذي نفسه وينتقل عبر الأجيال دون الحاجة لتأسيس آخر.
لم تكتف سورة الأعراف بكشف هذه الحقيقة بل انتقلت للإنذار من الوقوع فيها بنقل صورة الحسرة والندامة في يوم القيامة على الإتباع الأعمى والتي أبداها ذلك الجيل، وكذلك الأجيال التي تلتها، أما في نهايات السورة فتنقل صورة للمشهد الأول الذي شهد فيه بني آدم على أنفسهم بربوبية الله، وعاهدوا فيه على أن لا ينحازوا عن تلك الربوبية تأثرًا بمن سبقهم من الآباء أو بسبب طول الزمان وتعاقب الأجيال.
نتوقف لدارسة الآيات من آية (38) إلى الآية (40) والتي تنقل مشهد الحسرة والندامة يوم القيامة، بسبب عدم التبصر بكلام الله.
﴿ قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنْ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ الأعراف (38)
﴿ قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ ﴾ خطاب رباني يوم القيامة لإحدى الأمم التي كذبت بآيات الله ولم تسير على نهج الكتاب المنزل، أن ادخلوا كما دخل الذين من قبلكم في النار، ويبدو أن هذا الدخول كان مفاجئًا لهم، إذ كانوا يحسبون أنهم مهتدون كما أشارت آيات سابقة، وحين تدخل تتفاجأ بالأمم التي سبقتها فيقال لهم ادخلوا في أمم قد سبقتكم من الجن والإنس، سبقوكم في السير على الطريق الذي سرتم عليه وسبقوكم للدخول إلى النار.
الدخول يتم بصورة تتابعية وحسب الأجيال، كل جيل يتبع الجيل الذي سبقه والذي أخذ منه، وسار على نهجه باطمئنان وتعصب وتعالي، وحين تدخل كل واحدة من تلك الأمم وتجد نفسها في زمرة المكذبين، تشعر بالخيبة والحسرة والألم، وتشعر برغبة في الانتقام، تتأمل في الوجوه فترى جيلها السابق أقرب إليها من غيرها قد دخل قبلها الساعة، فتنفث غيظها المتجمع بسبب شعور الخيبة والألم والإتباع الأعمى بالتوجه باللعن لهم ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا ﴾ وأختها هي التي سبقتها في هذا السبيل، لينقلب المشهد الذي كان في الدنيا من التقدير والإعلاء، إلى لوم ولعن ورغبة في الانتقام.
وهكذا فالأجيال تترى، جيل بعد جيل، إلى أن ينتهي تجميع الأمم ﴿ حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً ﴾ أي حتى إذا انتهى دخول كل تلك الأمم التي اتبعت بعضها البعض ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ ﴾ تقف آخر أمة، تنظر في يوم المحشر، وتتحرك سائلة أين من تسبب لنا في هذا الخزي والعذاب؟ فكل أمة تقول إنما اتبعنا من سبقنا؟! فتسأل: أين هم الذين أسسوا لهذه المسيرة التي سارت عليها هذه الأجيال دون تفكير إذًا ؟ فتتاح لهم الفرصة لمواجهتهم، حتى إذا واجهوهم قيل لهم: هؤلاء هم الذين أسسوا لما أنتم عليه، يرمقونهم بالنظر، ثم يعودوا بنظرهم إلى السماء داعين الله وهم يشيرون إليهم ﴿ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنْ النَّارِ ﴾، يارب هؤلاء هم سبب ضلالنا وانحرافنا عن ما أمرت وما أنزلت، فإذا كنت – يارب - معذبنا بعذاب فآت هؤلاء ضعفه!
لكن الجواب الرباني يأت مفاجئًا: ﴿ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ليسوا وحدهم من يستحق ضعف العذاب، كل هذه الأمم تعيش نفس المستوى من التهاون بما أنزل الله والانحياز لغير النص الرباني المنزل، فتحل الخيبة بأضعافها في نفوس بقية الأمم، ولأنهم لم يتبعوا قاعدة الاستلام والتسليم التي أكدت عليها آية (33)، ويخيم الصمت والانكسار والخيبة على الجميع، لتنطق الأمة المؤسسة بالقول..
﴿وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ الأعراف (39)
إذا كنا نستحق العذاب على ذنب اقترفناه، فقد ارتكبتموه معنا، وإذا كنا تهاونا في أوامر الله وفي الالتزام بالنص المنزل، فقد ارتكبتم نفس الجريمة، فلا فضل لكم علينا، وقد كسبتم بأعمالكم ما يستوجب عليكم العذاب أيضًا.
هي ساعة انكشاف الحقائق، وفيها حوار الفشل وخيبة الآمال التي عقدت على غير ما أنزل الله، هو حوار تنقله سورة الأعراف المباركة من أجل إحداث اليقظة لدى أجيال الرسالات علها ترجع عن سلوك الاتباع الأعمى، والغفلة عن أوامر الله، وتعود إلى كتاب الله.
ثم تأتي الآية التالية لهذا الحوار لتوضيح حقيقة الأمر
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ﴾ الأعراف (40)
الآية تنص على استحالة دخول الجنة بتكذيب الآيات والاستكبار عليها، وتضرب لذلك مثالًا في استحالة دخول الجمل في سم الخياط، فالجمل بحجمه لا يمكن أن يدخل من هذه الفتحة! وهذا ينفي تحقق آمالهم التي عقدوها لتحقق ذلك الأمر بالنسبة لهم، ذلك لأن آيات الله جاءتهم ولكنهم كذبوا بها، بل واستكبروا عنها وتوجهوا إلى غيرها.
إذًا هذه الآيات تتحرك في سياق مفاده إيقاظ الضمير والتحذير من اتباع الأثر دون وعي، فليس من الصواب أن يفترض كل جيل أن ما ورثه عن سابقه متطابق مطلقًا مع ما أنزل الله، فقد يشوبه الخطأ والإنحراف، وتحذر كذلك من تأثير الميل للآباء، وسورة الأعراف المباركة لم تكتف بنقل هذه النهاية المأساوية، بل نقلت العهد الأول لبني آدم لشهادتهم بالربوبية، ومعاهدتهم بعدم إفساد تعلقهم بالربوبية بسبب الاقتداء المطلق للآباء.
مقطع الآيات في سورة الأعراف من آية (172) إلى آية (174) ينقل صورة للمعاهدة البشرية الأولى بالتمسك بربوبية الله.
﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ الأعراف (172)
هذه الآية المباركة هي الأخرى تتحدث عن تأثير تتالي الأمم، أمة بعد أخرى، وتبين أحد دواعي الانسحاب عن عهد الربوبية القائم بين الإنسان وربه منذ بدء اختياره كخليفة لله على الأرض. وهي لا تتحدث عن الربوبية اللفظية، ولكنها تتحدث عن الربوبية العملية، فالعمل هو الذي يكشف الحقيقة، ويشير إلى أحد انحرافات الإنسان عن هذه الربوبية، وهو الاتباع الأعمى بالأخذ ممن سبق والسير على آثارهم دون تمحيص أو تدقيق، وبدون الرجوع للنص المنزل، ونفهم ضمنًا أن الأخذ بنص مخالف من أحد غير الله هو انحراف لربوبية أخرى، حتى مع عدم التلفظ.
نلحظ كذلك أن الحديث في هذه الآية يتواصل على أساس انتسابهم لآدم، فيخاطبهم "يابني آدم" وهو الخطاب الذي بدأت به سورة الأعراف، وخصصت استخدام هذا اللفظ بعد سردها لخروج آدم وزوجه من الجنة بعد فتنة الشيطان لتكون التسمية مذكرًا لأصل الخلقة ولأصل المشكلة ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾، وعندما تبدأ الآية الكريمة بقولها : " وإذ " فإنها ترجع القارئ لمشهد سابق، وهنا حديث عن البشرية جمعاء، والمخاطب هو النبي محمد (ص) بقول الآية "ربك" والخطاب يتعداه (ص) إلى كل مؤمن يؤمن به، وترجعه إلى مشهد حدث للبشرية جمعاء سابقًا حين صفهم الله كأمم متتابعة حسب الأبوة والبنوة، فأمم الأبناء تقف في ظهور أمة الآباء، لتبيين ما سيحصل في عالم الدنيا حين يأتي الأبناء بعد آباءهم كأجيال متتالية.
لهذا الاصطفاف دلالة هامة في الموضوع الذي تتحدث فيه الآية المباركة، فأخذ العهد كان للذرية فالحديث موجه لها كما تبين الآية، فالذرية تقف خلف أمة يعلمون أن هذه الأمة هم الآباء، والآن يخاطبهم الله عز وجل في ذلك المشهد، اشهدوا على أنفسكم ﴿ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ﴾، كلكم تشهدون على بعضكم البعض، على إجابتكم على السؤال الموجه لهذا الجمع، ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ ألست أنا الله العزيز الحكيم الذي يستحق الربوبية؟ ويجب أن يتم الامتثال لما أأمر به؟! وعليه يجب أن يكون السلطان لكلماتي المنزلة؟ فتأتي الإجابة منهم أن بلى! ﴿ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ﴾ نعم نشهد أنك أنت الرب، ونشهد على بعضنا البعض أننا نشهد لك بالربوبية لا رب سواك نعبده ونمتثل لأوامره.
حذرت هذه الآية بني آدم من أن يحتجوا بغفلتهم عن هذه الشهادة يوم القيامة، فما عدتم بعد سماع هذه الآية من الغافلين، أما الآية التالية فتؤكد على التحذير من مدخل الشيطان لإفساد هذه المعاهدة.
﴿ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ الأعراف (173) -(174)
تحذر هذه الآية من أمر آخر وهو التذرع بحجة التبعية للآباء ﴿ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ ﴾ لا تأتوا يوم القيامة وأنتم واقعون في الشرك بغفلة منكم، وتبرروا بأنكم اتبعتم ما يفعله آباءكم لتبرؤوا ساحتكم بالقول : أن آباؤنا هم الذين أشركوا قبلنا وعندما استلمنا الدين من عندهم كان مشوبًا بكثير من الأخطاء الخارجة عن سلطان الله، ﴿ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ نحن الجيل اللاحق لهم، فلا عتاب ولا لوم علينا، ﴿ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ هم الذين أسسوا للباطل ولسنا نحن! فكيف نُحاسب على أفعالهم؟! الآية تقول: لا تقولوا ذلك!
﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ هذه الآيات الكريمة تحمل تفصيلًا لآيات أخرى تحدثت عن تحريم الشرك، وتحريم الوقوع فيه، فهاهو التفصيل وبزوايا مختلفة ليكون بيان الله عز وجل واضحًا للناس لعلهم يرجعون عن طريقة تعاطيهم في الدين، الطريقة التي فيها تهاون وابتعاد عن ما أنزل الله من كتاب وبينات.
# الخاتمة
يستغل الشيطان وجود الثقة التي يوليها أجيال الرسالات تجاه أسلافهم وأممهم السابقة، متربص لهم من حيث يهوون لا من حيث يكرهون، فإذا وجد الباب مفتوحًا لم يغفل عن الدخول، ليخرجهم من النور إلى الظلمات، ووسيلته في ذلك التدرج ودس الأفكار الباطلة لتنتقل عبر الأجيال، ليأتي اللاحق فيأخذ من السابق بثقة واطمئنان، وآيات الله البينات تهتف للأجيال في سورة الأعراف وفي غيرها علهم يضيئوا دربهم بنور كتابهم ليكشفوا هذا المتسلل عبر ظلام الجهل، وظلام الابتعاد عن النص المنزل من عند الله.
لقد وجدنا في الحلقة السابقة في بني إسرائيل انموذجًا للوقوع في فتنة الشيطان، وقد وجدنا أن ذلك كان عبر الأجيال، حين جاء خَلْفٌ من بعد أولئك يأخذون بعرض الأدنى، دون الرجوع لكلمات الله العالية المتعالية. وقد وجدنا قبل ذاك في الآية (28) التي تحدثت عن اعتبار الفواحش من أوامر الله لدى تلك الأمم، أنهم نسبوه إلى آباءهم، ﴿ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ﴾ مؤكدة على نفس الثغرة. وما درسناه في هذه الحلقة من آيات أظهر السقوط التتابعي للأمم في فتننة الشيطان واحدة تلو الأخرى، جيلًا بعد آخر، وخلف بعد سلف لتقع تلك الآجيال في الشرك دون أن تشعر.
أوقفتنا سورة الأعراف المباركة بين مشهدين، الأول هو شهادة الأبناء أمام الآباء على أنفسهم بربوبية الله التي تمت قبل المجيء لاختبار الخلافة في الدنيا، أما الثاني فهو المشهد الأخير وهو مشهد ملاعنة الأمم لمن سبقها يوم القيامة، بعد أن كانوا في الدنيا متعززين سائرين على نهجهم مقتدين بآثارهم، وبين المشهدين تهتف آيات الله البينات في كل جيل وفي كل زمان بما كان وبما سيكون، محملة الأجيال مسؤوليتهم في التبصر في الدين من خلال كتاب الله ، في وضوح وبيان يدفع المؤمن لنقل ثقته التامة في كتاب الله وآياته البينات قبل كل شيء.