مدونة حلمي العلق

سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون

 | follow-what-has-been-revealed-to-you-from-your-lord

مقدمة

حين نتدبر القرآن الكريم علينا أن نتساير معه بفهم وإحساس، أما الفهم فنقصد به استيعاب ترابط الآيات بعضها ببعض، وأما الإحساس فنقصد به أن نصعد بإحساسنا للدرجة المطلوبة منا من الخشية والتقوى التي تتطلبها منا الآيات، بحيث تتوافق مشاعرنا مع ما يبديه القرآن من تصعيد في مواضيعه، فنحذر حين يحذّرنا، ونخاف حين يخوفنا، فإذا بدت القضية التي تطرحها الآيات - في موضوع ما - غير مثيرة للاهتمام بالنسبة لنا، فعلينا من أجل أن نرقى بفهمنا ورؤية حقيقة الأمر، أن نستشعر خطورة ما يتحدث فيه القرآن الكريم.

قد يبدو موضوع عدم التمسك بالنص أو التكذيب بالآيات مستبعدًا في التصور الذهني كونه لا يتحقق إلا بالعناد البارز والاستكبار الظاهر، والتفاعل مع الآيات بما تستحق من إحساس هو ما نحتاجه لكي نستوعب خطورة هذا الأمر، فسورة الأعراف تتحدث عن عقوبات كبيرة في الدنيا والآخرة، وقد نقلص فهمنا في مصاديق محددة، ولكن بعد التدقيق نجد أن حديث الآيات هو عن استكبار خفي قد يخفى على الناظر فلا يراه، ودور القرآن هو كشف حقيقة الواقع بنظرة عالية تقيس الأمور بمقياس معرفة قدر الله، لا من خلال مقاييس الدنيا، وسور القرآن حين تذهب للتفاصيل فهي من أجل أن تبيّن ذلك الخفي الذي قد لا نراه استكبارًا أو لا نراه تكذيبًا.

التعامل مع النص المنزل هو واحد من مواضيع القرآن الكريم الحساسة، وقد بيّنت الآيات الكريمة أن لكتب الله المنزلة قوانين، وفي حال تعاملَ المنزلُ عليهم معه بالتغافل كان لذلك التعامل مآل وعقوبة، وفي المقابل إن تعاملوا معه بالإقبال كان لذلك مآل آخر، وعلى هذا الأساس تتحدث بعض الآيات فتقول ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنْ الْكِتَابِ ﴾ الأعراف (37) أي ينالهم ما نصّت عليه قوانين الكتاب نفسه جزاء للتعامل معه باستهزاء أو ماشابه ذلك، موضوع كهذا يحتم علينا أن نتعامل مع الكتاب بفهم وإحساس حتى نتساير مع متطلباته بالتطبيق العملي.

في هذه الحلقة وهي بعنوان " سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض " نتحدث فيها أولًا عن واحدة من قوانين التعامل مع التوراة فيما نصت عليه وبينته لأتباعها، وعن مآلات التعامل معها بضعف، ثم ننتقل بعد ذلك إلى موعظة أصحاب السبت التي عرضته سورة الأعراف كمثال من أمثلة عدم تطبيق حكم من أحكام الله، كان ذلك الحكم بمثابة البلاء والاختبار لهم، وبقي مثلًا وموعظة لمن خلفهم، نتأمل في ذلك المثل وننظر كيف كانت عقوبة التهاون أمر يبدو للناظر بسيطًا يسهل التهاون فيه.

سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون

في صفحة (168) تتحدث الآيات من الآية (145) إلى الآية (148) عن ما كان يجب أن يكون عليه بني إسرائيل الذين أنزل الله عليهم التوراة، فقد أمرهم نبيهم موسى أن يلتزموا بالتوراة وأن لا يحيدوا عنها.

يقول الله عز وجل :

﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ الأعراف (145)

الآية المباركة تصف لنا كتاب التوارة وما يحويه، وهذا الوصف من الأهمية بمكان حتى نعرف أن الله عز وجل منّ على بني إسرائيل بهداه، فإذا أكتملت حجة الله على قوم، حق عليهم أن يحاسبهم على أساس تلك الحجة وبما ينص عليه قانون التعامل معه، ففيه سنن وقوانين للمقبلين عليه وما يفعل في قلوبهم، وسنن أخرى للمدبرين عنه أو المستكبرين عليه وكذلك من يسعى في سبيل إطفاء نوره وهداه.

الحديث في الآية المباركة عن نبي الله موسى(ع)، تقول الآية المباركة: ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ ﴾، أي كتبنا لموسى (ع) على أنه النبي الذي استلم من عند الله الكتاب، فهو المعني الأول به، وكُتب له ﴿ فِي الأَلْوَاحِ ﴾ وهي ألواح التوراة التي جاء بها بعد أن غاب أربعين ليلة عن قومه، ﴿ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾، من كل شيء في ملة إبراهيم (ع) موعظة، وتفصيلًا لكل شيء ورد فيها، والتفصيل يشمل كل الأحكام الشرعية التي يحتاجونها في أمر دينهم.

﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ﴾ أي خذ تعاليم التوراة المكتوبة في الألواح ياموسى بقوة، وهذا يُعيدنا مرة أخرى لموضوع التمسك بالكتب السماوية المنزلة والذي يلزم فيه أن نتمسك بها ليس بأي درجة من التمسك ولكن بقوة، حتى لا ننحاز مع الوقت إلى غيرها دون أن نشعر! ولا يكون ذلك الأمر إلا بسبب الفتن التي قد تجرف المؤمن عنه، وعندما يأمر الله عز وجل نبي الله موسى (ع) بأن يأخذ التوراة بقوة، فهذا الأمر متعدي، أي يتعداه (ع) إلى قومه أيضًا، فهم مأمورون أن يأخذوا به بقوة أيضا، وتضيف الآية إلى أمر التمسك به العمل بتلك التعاليم بالإحسان ﴿ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ﴾، وفي هذه العبارة الكريمة يأمر الله عز وجل نبيه موسى أن يأمر قومه أن يأخذوا بالتوراة ويعملوا بها بأحسن ما يمكنهم في تطبيق أوامرها، ثم تختم الآية الكريمة بقولها ﴿ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ﴾، الفاسقون هم الذين خرجوا عن أمر الله، والله عز جل يبيّن إلى قوم موسى (ع) أنهم سيرون دار الفاسقين، فمن خلال التوراة سيعلمون أين سيكون مآل الذي لا يلتزمون بنصوص الكتاب.

تكمل الآية التالية بقولها:

﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ الأعراف (146)

هذه الآية المباركة توضّح قانون التعامل مع التوراة، ويبدو أن هذا القانون منصوصٌ عليه في التوراة نفسها، بحيث يعلمها من درس التوراة من أهل الكتاب، وقانون التعامل مع التوراة يَقضي بأن تكون نتيجة التغافل عن الآيات أو التكذيب بها هو غلق باب الفهم، ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ التكبر في الأرض يُقابل بالتكبر، واستخدام هذا التعبير فيه تعال كبير من لدنه عز وجل، الله عز وجل يقول بأن هذه آياتي، فلا يصح التكبر والتعالي عليها، وجزاء من يتكبر عنها هو أن لا ينال من هداها ولا من خيرها شيئا، وسيصرفه الله عز وجل عن الآيات لشيء آخر.

ثم تمضي الآية الكريمة في وصف أولئك المتكبرون على الآيات ﴿ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا ﴾، تتصرف آيات الكتاب أمام أعينهم وبأساليب مختلفة من أجل أن يؤوبوا إلى الله ويعودوا إلى المنهج السديد، لكنهم لا يستجبيون له! وحتى لو عُرضت عليهم الفكرة السديدة والعقلانية لا يقبلون بها ﴿ وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ﴾، لأنهم يحبون طريق الغواية والضلال والهوى ﴿ وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ﴾، سعيًا وراء الدنيا والشهوات وحب العلو، وكراهة في الاستقامة، وهذا ما يؤكد ضرورة تفعيل التفكير والتعقل في الأمور، ثم تختم الآية بالتأكيد على أن تلك الحالة التي وصلوا إليها إنما جاءت بسبب تكذيبهم للآيات وغفلتهم عنها ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾.

ثم تمضي الآية التالية بقولها:

﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ الأعراف (147)

هذه الآية تحمل توصيف لحقيقة أولئك المستكبرن في الآية السابقة وتعتبرهم أنهم مكذبون بآيات الله عز وجل ، وتبين أن أعمالهم الله لا تُقبل إذ لا وزن لها يوم القيامة ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ والإحباط للعمل يدل على أن هناك أعمال، وهذه الأعمال يرجى منها المثوبة، ويأمل صاحبها أن توزن له يوم القيامة فيؤجر عليها، ولكن النتيجة هي الإحباط، ونتيجة الإحباط يكون العمل لا وزن له ولا قيمة، فهؤلاء القوم عملوا وشقوا في سبيل مبتاغهم، ولكن كما بيّنت الآيات سابقًا أن طريقتهم كانت معوجة لذلك لم تقبل، وما كان ذلك إلا جزاءًا لطريقة تعاملهم مع ما أنزل الله ﴿ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾، هذه الخاتمة تؤكد وجود القانون الجزائي الذي يتعامل به الكتاب مع أتباعه.

هذه الآيات بيّنت كيف أمر الله عز وجل نبي الله موسى (ع) أن يأخذ التوراة، وكيف أن الله عز وجل أمره أن يأمر قومه أن يتمسكوا بها ويطبقوها بأحسن ما يمكنهم التطبيق، وحذرت من مشكلة التهاون في أخذها، وأن الكتاب السماوي له سننه التي تطبق على الجميع في كل زمان، ومن تغافل واستكبر فله جزاءه الدنيوي وجزاءه الأخروي كذلك.

لهذا القانون الواضح والبيّن مثل تضربه سورة الأعراف في قصة أصحاب السبت.

أصحاب السبت

تنقل سورة الأعراف في صفحة (171) وصفحة (172) ومن الآية (163) إلى (167) حادثة تعبر عن أحد سنن الله عز وجل في التعامل مع المستهزئين بحكم من أحكامه، فتتحدث عن إحدى القرى الساحلية التي استوطنتها طائفة من بني إسرائيل واعتاشوا على صيد الأسماك، فابتلاهم الله بتحريم الصيد يوم السبت، ليختبر مدى استجابتهم لأوامره، ورغم بساطة تطبيق هذا الأمر، إلا أن البعض منهم لم يلتزم به بل وتمرد عليه.

يقول الله عز وجل :

﴿ وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ الأعراف (163)

تبدأ الآية الكريمة بتوجيه الخطاب للنبي محمد (ص) بأن يتوجه لبني إسرائيل بسؤالهم عن إحدى القرى الساحلية التي كان تقطنها طائفة بني إسرائيل لعلمهم بهذه القضية، ولعلمهم بمآل من خالف أمر الله ﴿ وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ﴾ والإجابة على هذا السؤال تؤدي لتأكيد ما تتحدث به سورة الأعراف من ضرورة الالتزام بالنص، وهذه القرية كانت لها حادثة هامة في موضوع الامتثال لأوامر الله المنزلة المنصوص عليها، لقد أمر الله عز وجل أصحاب هذه القرية أن لا يصطادوا الأسماك يوم السبت.

لم يقف الأمر عند ذلك المنع بل امتحنهم الله في أن جعل الأسماك تأتيهم ظاهرة وبكثرة في يوم المنع يوم السبت، أما بقية أيام الأسبوع فلا ظهور ولا تواجد لها ﴿ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ ﴾ أي يعتدون على أمر الله بالاصطياد يوم السبت، فإذا ذهبوا للصيد في ذلك اليوم وجدوا الأسماك متواجدة متوفرة ظاهرة في كل مكان ﴿ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً ﴾ أما إذا ذهبوا ليصطادوا في غير ذلك اليوم فلا تأتيهم ﴿ وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾، إنما جاءهم هذا البلاء خصيصًا لسوء تعاملهم مع الكتاب ومع ما أنزل الله، ولأنهم فسقوا عن أوامر الله أصلًا قبل أن يقعوا في هذا الامتحان، وهذا البلاء ماهو إلى وسيلة لكشف فسوقهم في الأصل.

تكمل الآيات التالية هذه القصة بالقول:

﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الأعراف (164)

عندما اعتدى فريق من بني إسرائيل في السبت، كانت هناك فرقة منهم توجهت إليهم بالموعظة والتحذير، أن احذروا من أن تُعاقبوا على هذا الاعتداء وأنتم تعلمون أن الله حرّم عليكم الصيد في هذا اليوم، في المقابل كانت هناك فئة ثالثة توجهت بالعتب واللوم لتلك الأمة الناصحة ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ ما الفائدة من هذه الموعظة وأنتم تعلمون أن هؤلاء سينالهم العذاب من قبل الله على مخالفتهم لحكمه وأمره، ﴿ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾، عسى الله أن يرى جهدنا في النصيحة فيعذرنا ولا يشملنا معهم بالعذاب، أن قمنا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولعلهم يتقون فيرجعوا عن فعلهم. وفي هذه الآية ربط بين التقوى وبين ما يأمر الله به في تجنّب عاقبة ومآل الخارجين عن أوامر الله.

ثم تتحدث الآية التالية عن الأمة التي اعتدت بقولها:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ الأعراف (165)

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ فلما نست تلك الأمة ما ذكروا به، وهو ما أمرهم الله عز وجل به من الالتزام بحكمه المتعلق بالصيد يوم السبت، ونسوه أي أصبحت المخالفة أمرًا مقبولًا لديهم، واصبحوا لا يشعرون بغضاضة في نفوسهم من مخالفته، واطمئنوا أن الحياة ستسير كما يهوون، واستمروا على ذلك، حينها جائهم العذاب، فأنجى الله عز وجل الأمة التي كانت تنهى عن السوء ﴿ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ ﴾ أما الذين ظلموا فقد أخذهم الله بعذاب بئيس بسبب فسقهم وعدم التزامهم بأوامر الله ﴿ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾.

﴿ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ الأعراف (166)

هذه مرحلة أخرى لهذه القضية، فبعد أن أخذ الذين ظلموا بعذاب بئيس، لم يتعظ البعض الآخر من القوم، فأعادوا كرة المخالفة ودخلوا في مرحلة العتو، على النهي، وهؤلاء الذين عتوا إنما استكبروا ليس على الحكم الذي حكمه الله عليهم وحسب، بل وحتى على العذاب البئيس الذي أصاب فئة منهم، لقد رأوا ماحل بقومهم من عذاب ولكنهم استكبروا حتى على العقاب، حينها خسف الله هذه الفئة العاتية وجعلهم قردة خاسئين. وهذا الخسف هو تقليل في شأن الخلقة، فخلقة الإنسان أعلى من خلقة الحيوان، ولهذا الإنزال في المرتبة دلالة أن هذا الإنسان أصبح في حقيقته مثل البهيمة التي لا تلتزم بأوامر الله، وهذا يعيدنا إلى موضوع خسران كرامة اللباس في قضية آدم، فبالمعصية يخسر الإنسان الكرامة.

﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ الأعراف (167)

ولقد عاقبهم الله من بعد ذلك على معصيتهم وعتوهم عقابًا دنيويًا متعاقبًا للأجيال التي تسير على نفس هذا النهج.

الخاتمة

في كتاب الله أحكام شرعية، وله أحكام جزائية، أما الأحكام الشرعية فهي الأحكام الدينية التي يجب الالتزام بها، وأما الأحكام الجزائية فهي الأحكام التي نص فيها الكتاب كجزاء على طريقة التعامل معه، فمن بلغه كلام الله كان عليه أن يلتزم بالنص المنزل، وإن لم يفعل فله جزاء على ذلك الإعراض في الدنيا قبل الآخرة، وقد تكون تلك الجزاءات معنوية ومنها مادية، أما الجزاءات المعنوية فهي من أمثال الخشوع أو قسوة القلب لكلام الله، وأما المادية منها فهي من أمثال الخير والوفرة أو الخسف والحسرة.

لقد بدأت السورة بالحديث عن آدم وفتنة الشيطان، ونسيان العهد، وكانت تلك المواضيع تؤكد على ضرورة الالتزام بالنص المنزل، أما في بقية أجزاء السورة فهي تواصل في ذات الحديث، لقد وجدنا بيان الله عز وجل في التوراة لبني إسرائيل حول جزاء من يُدبر عن آياته، وهو رفع الفهم، " سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض"، وهي عقوبة مآلها التيه والعمى، وهي بحد ذاتها عقوبة كبيرة، لأنها تضاعف عقوبة الآخرة.

من ناحية أخرى وجدنا العقوبة الشديدة التي نالت أولئك الذين لم يلتزموا بحكم واحد من أحكام الله والتي فرضت كأمر خاص على إحدى قرى بني إسرائيل الساحلية، الأمر الذي يبيّن خطورة عدم الالتزام بالنص المنزل، وتوضح الآيات أنهم استمروا في عدم التزامهم بما أمر الله مع وجود من يذكرهم بالحكم، وهذا يعطي دلالة على أن النسيان أكبر من كونه نسيان في حيز الذاكرة، فهو نسيان على مستوى الوجدان والتأثر والتأثير، وهذا هو الأهم، فحين اختفى تأثير أمر الله في وجدانهم، استمروا في الاعتداء دون شعور، وهذا ما أوجب عليهم العقوبة، فأخذهم على فسقهم بوجود التذكير.

إذًا حينما نتعامل مع النص المنزل من عند الله، يجب أن نتعامل معه بإحساس وفهم، ذلك من أجل أن نعطي هذا النص حقه الذي هو حق علينا، وإنما عرضت تلك الأمثال لنحذر من أن نركب سنن الذين من قبلنا حذو النعل بالنعل وحذو القدة بالقدة، وحتى نعيد لهذا الكتاب مكانته بين الأمم كان لزامًا أن نقيم له مكانة في نفوسنا وفي حياتنا قبل كل شيء، خشية من أن يصرف الله عنا آياته حين نتكبر عليها.