مدونة حلمي العلق

لا يفتننكم الشيطان

 | follow-what-has-been-revealed-to-you-from-your-lord

مقدمة

كان أصل الحديث عن الأمر الرباني الذي تحدثت به بداية سورة الأعراف " اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم" وقد تحدثنا في الحلقة السابقة عن ولاية الله عز وجل للمؤمن، وفي هذه الحلقة تحدثنا عن فتنة الشيطان التي تمكنه من تولي بعض المؤمنين.

لقد أعطى الله عز وجل إنموذجًا مصغرًا يوضح من خلاله أسلوب الشيطان وطريقته في إيقاع المؤمنين في الفتنة وذلك بذكر قصة أبينا آدم وزوجه، فقد كان الأمر الرباني له مقتصرًا على جملتين بسيطتين هما: لا تأكلا من هذه الشجرة، واحذرا من الشيطان، ولكن مع الوقت نسيا أمر الله، فتمكن الشيطان أن يقنعهما وبواسطة الحيلة والخديعة والقسم بالله أن يأكلا من الشجرة، وكذب عليها حين قال بأن الأكل منها يقود للخلود ويوصل لدرجة الملائكة المقربين، وسعيًا للوصول لهذه الغاية النبيلة التي يريدها آدم، وقع في مخالفة الأمر.

لا يفتننكم الشيطان

نبدأ من الآيتين المباركتين آية (19) و آية (20) من سورة الأعراف حيث بين الله عز وجل لآدم وزوجه ما يتقون من خلال النص البيّن، وعليهما أن يتذكرا ذلك جيدًا وأن لا ينسيا أن الشيطان لهما عدو مبين، من ناحية أخرى بدأ الشيطان في الوسوسة في سبيل استبدال ذلك النص بنص آخر، واستبدال تلك الفكرة بفكرة أخرى.

ثم تأتي الايتين التاليتين (21) و (22) اللتان تتحدثان عن أسلوب الشيطان في الإغواء والتزيين.

﴿ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ ۝ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ الأعراف (21) – (22)

﴿ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ ﴾ أي أن الشيطان اللعين أقسم لآدم وزوجه أنه لهما ناصح في كلامه ليدفع عنه تهمة الكذب، وغايته هي استبدال قول الله بقول آخر، وتبديل حكم الأكل من الشجرة المحرمة من الحرمة إلى الاستحباب، ليظنا أنهما حين يأكلا من تلك الشجرة سيكونا من الخالدين بدلًا من أن يعتقدا أنهما سيكونان من الظالمين، فأقسم بالله على ذلك، ولهذا القسم قيمته عندهما، بعدها بدأ قول الشيطان في التأثير، في المقابل بدأ النص الرباني المحذر لهما من الاقتراب من تلك الشجرة يتراجع في التأثير، وشيئًا فشيئًا إلى النسيان، حينها كان الشيطان على موعد مع تلك اللحظة ليقودهما نحو الخسران.

﴿ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ ﴾ أي أصبح دليلًا لهما للوصول إلى موقع الشجرة، وفي أثناء ذلك الإرشاد كان الشيطان يحدثهما أنهما لن يندما على اتباعه، بل سيرتقيا إلى المرتبة التي يسعيان لها وأنهما سيكونان فخورين بأنفسهما بعد ذلك، كل ذلك من أجل أن يحدث لهما شعورًا بالغرور، فيرغبا في الأكل من الشجرة وينسيا تحذير الله لهما ﴿ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ ﴾ والذوق أقل الأكل، في ذات اللحظة خسرا الكرامة التي كانت تغشيهما من عند الله، وسقط عنهما اللباس الذي يغطي سوءاتهما ﴿ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّة ﴾.

﴿ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ جاء النداء الرباني بالعتاب على نسيان الأمر بالنهي عن الشجرة المحرمة، والحذر من اتباع الشيطان، فتعلق القلب يكون بكلمات من مصدر واحد، أما ما خالف ذلك النص فلا يصح الاستجابة له، ولا يصح اتباعه، بل ولا يصح النظر فيه، حتى وإن ألحق بالأماني والوعود والقسم بالله، فكل ذلك زيف، ومآله الخسران ومصدره عدو مبين. أما غاية ذلك العدو فهو أن ينزل بني آدم من المكانة التي أنزلهما الله إياهما من خلال مخالفتهم للنص، وأن ينزلهم منزلة الخسران والألم والشقاء، لا السعادة والخلود.

﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ لا يكون الشيطان مبينًا أي واضحًا من خلال شكله الخارجي، فهو يتظاهر باللطف، ويقسم بالله أنه يسدي النصائح وأن غايته النبل والإحسان، ولكن يمكن أن نكتشف الشيطان بكل سهولة حين نعرض النص الجديد على النص المقدس الأساس، والفكرة الجديدة على العهد الرباني، وحين نتمسك بالنص المنزل من عند الله، يمكننا أن نميّز حقيقة أي نص آخر حتى وإن بدا في ظاهره جميلًا أنيقًا، ولكن إذا كانت غاياته مخالفة لما أمر الله، نفهم من ذلك أن هذا النص الجديد صادر من عدو مبين، لأن غايته عصيان النص الرباني، وهكذا تكون العداوة اضحة بينة. وهكذا ندرك فتنة الشيطان التي معناها الافتتان بالمظهر الخارجي دون النظر إلى المضمون.

الآيات التالية من آية (23) إلى آية (26) تتحدث عن إدراك آدم وزوجه بالخطأ الذي وقعا فيه، وطلبهما المفغرة من الله، ثم هبوطهما من الجنة واستقرارهما في الأرض، والتذكير بالبعث بعد الحياة الدنيا، وكذلك التذكير بنعمة اللباس، وأن لباس التقوى ذلك خير . ثم تأتي الآية التالية آية (27) لتحذر أبناء آدم من تكرار أسلوب الشيطان الذي استخدمه مع أبويهما وتحذر من أن يصدقوا كذبه وخداعه.

﴿ يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ الأعراف (27)

هذه الآية الكريمة تحذّر أبناء آدم من تكرار خدع الشيطان وأكاذيبه، ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ ﴾، فالشيطان لن يدع مجالًا لخداع بني آدم و إحرافهم عن النص إلا وسيتبعها، لأن غايته الكبرى هي أن لا يخلد بني آدم في الجنة، وأن يراهم منزوعي اللباس والكرامة ﴿ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ﴾ وهو يعلم أن الوسيلة لتحقيق ذلك المأرب هو أن يوقعهم في مخالفة النص الرباني المنزل.

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ هذا الجعل هو الإذن منه عز وجل لؤلئك الشياطين المتربصين ببني البشر، وهو إذن لفئة محددة منهم، أولئك الذين نسوا ما وصاهم الله به، فلم يتمسكوا بالنص المنزل، ولم يتذاكروه، فنسوه، فسهلت خديعتهم من قبل الشياطين والكذب عليهم. ثم تأتي الآيات التالية لتبيّن أثر تلك الولاية، وإلى أين أوصلتهم؟!

الآيات من (28) إلى (30) تتحدث عن مآل من نسي الذكر، من استبدل اتباع ما أنزل الله باتباع أولياء من دونه.

﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ الأعراف (28)

هذه الآية تتحدث عن أولئك الذين لا يؤمنون في الآية السابقة، وتبين الخدعة التي أوقعهم فيها الشيطان بموزاة الحديث عن آدم حين ذاق وزوجه من الشجرة، وخسر الجنة وعلوها وكرامتها بسبب مخالفته لأمر الله، والحديث هنا عن الأقوام التي تعاقبت بعد ارسال الرسالات، تلك الأمم التي غفلت عن النص الإلهي المنزل، فآل حالهم إلى أسوأ حال، إذ لم يبتعدوا عن أوامر الله وحسب، بل ذهبو لارتكاب كبائر ما ينهون عنه، لا على أساس أنهم يعصون الله، بل على أساس أنهم يتقربون إلى الله بفعلها.

﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ فلم يستنكروا تلك الفواحش، ولم يبيحوها ، بل ذهبوا إلى التعامل على أساس أنها تقرب إلى الله كونهم ينفذون أوامره! فمن أين جاء ذلك الحكم؟ وكيف اعتقدوا بذلك المعتقد؟! إن ما آلت إليه تلك الأمم يكشف اختراقًا شيطانيًا لكيانهم الإيماني، فنصوصه المدسوسة أخذت موقعها عبر الأجيال وتمكنت من أن تغطي على القيم الأساسية التي أنزلها الله، فكان منهم نسيان الذكر وسقوط حصانته المنيعة، وكان لتلك المدسوسات الغلبة.

الآية نفسها تعطي المؤمنين بقضية التمسك بالنص المنزل الرد الأمثل على مثل هذه الأفعال المخالفة لدين الله ﴿ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ فمن أساسيات وقيم الكتب السماوية الابتعاد عن الفواحش، فكيف يكون منكم أن تفعلوا الفاحشة بل وتشرعنوها؟! وبهذا فإن هذه الآية الكريمة تعرض لنا إنموذجًا لأمم قد تسافلت عن نصها وتغافلت عنه فأصبحت لقيطة بيد الشيطان وأكاذيبه.

ثم تختم الآية الكريمة بسؤال استنكاري ﴿ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾، والذي يدل على أنهم يشرعنون أفعالهم السيئة باسم الله، وأن ماهم فيه قائم على خدعة الشيطان الذي يدخل باسم الدين ليفسد فيه، وهذه الأمم أصبحت تروّج لدين باطل وأحكام ما أنزل الله بها من سلطان. أما الآيات التالية فتبين أنهم وبسقوط حصن الذكر المنيع عنهم أصبحوا أدوات بيد الشيطان ويبذلون الجهد في سبيل إحياء سنته لا ما أمر الله به، ويحسبون أنهم مهتدون.

﴿ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ۝ فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلالَةُ إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ الأعراف (29) - (30)

تأتي هذه الآية في قبال الآية السابقة لتبين أوامر الله الحقيقية التي أنزلها في كتبه وعن طريق رسله ﴿ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ الوقوع في الفواحش هو بسبب الابتعاد عن القسط، أما التوجه بالدعاء لغير الله فهو بسبب الغفلة عن إقامة الوجوه عند كل مسجد، وأما حب الدنيا وشهواتها فهو بسبب نسيان العودة للحساب بعد الدنيا، كل تلك هي حقائق الكتاب المنسية.

﴿ فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلالَةُ إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾، فريقًا هدى من خلال اتباعهم لكتبهم السماوية، وفريقًا ضلوا، أي أرادوا الهدى ولكنهم لم يصلوا إليه ويحسبون أنهم مهتدون، في حساباتهم هم يظنون أنهم يسيرون على الطريق الصحيح المؤدي لمرضاة الله، ولكن على خلاف ذلك، جاء القرآن ليبيّن أنهم سائرون على منهج الشيطان، لا منهج الرحمن.

أما عن سبب تلك الحسابات الخاطئة والمفاجئة، فإن الإجابة تكمن في عدم فهم فتنة الشيطان، وعدم فهم أنموذجها المصغر الذي ذكره الله في قصة آدم وزوجه، فالآية تقول : لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة، أي بنفس الطريقة التي تمكن منها الشيطان في استدراجهما لأمر مخالف لأمر الله، فالمشكلة حسب التسلسل التتابعي تكمن في خطوتين، الأولى نسيان النص المنزل، يتبعها الخطوة الثانية وهي تمكن الشيطان من تولي أمر هذا المؤمن. وهذا ما نرغب في تأكيده من نفس السورة وفي خواتيمها من خلال نبأ الذي آتاه الله الآيات ثم انسلخ منها.

الآيات من الآية (175) وحتى الآية (177) تكشف سر تمكن الشيطان من تولي أمر المؤمن من حيث لا يشعر، في سبيل علاج هذه المشكلة والحذر من الوقوع فيها.

﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ الأعراف (29)

﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ الآية تخاطب النبي محمد (ص) اتل على الذين ابتعدوا عن آياتنا ولم يلتزموا بها، والمخاطبون هم المنسلخون عن كتابهم من أهل الكتاب وبالخصوص من بني إسرائيل الذين بدأت الآيات السابقة في الحديث عنهم، ﴿ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا ﴾ وكلمة النبأ تأتي في الأخبار الهامة، فأخبرهم عن من آتيناه آياتنا، ولكنه بعد أن أخذ الآيات وتمسك بها، وبعد مدة من الزمان انسلخ منها، الانسلاخ هو انفصال بالتدريج بعد التصاق وملازمة

﴿ فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ ﴾، أتبعه الشيطان بعد أن رآه قد انفصل عن كتابه المنزل، وقوله "فأتبعه الشيطان" توحي بترصده وتحينه للفرصة، وتمكنه من الدخول حين وجد الفرصة مآتية، وكانت له حين انسلخ ذلك المؤمن من آياته، إذ لو كان يستطيع لأتبعه قبل الانفصال.

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ الأعراف (176)

تطبيق الآيات المنزلة من عند الله يقود إلى الرفعة، لأنها قيم ومبادئ يلتزم بها المؤمن، وهذه القيم لا تسمح له بأن يقع في الفواحش على خلاف ما تحدثت به آية ﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ﴾، فدين الله قيّم، وتطبيقه يحتاج إلى عزيمة من المؤمن ليترفع عن كل ما نهى الله عنه، ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾ والخلود إلى الأرض يعني أن هذا المؤمن لم يسع للتطبيق ولم تكن له عزيمة على ذلك.

﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾، والآية تعطي مثلًا لمن لا يغيّر طبائعه مهما تغيرت معه المواقف، هي طبيعة واحدة، فالكلب مستمر في اللهاث على كل حال، فهو يلهث في حال حملت عليه، أو لم تحمل عليه، وهذا هو حال الذي تبلغه الآيات بلا عزيمة للتغيير، ففي حال وصلت الآيات كان عليه أن يسارع في التغيير، ولأنه لم يسع لتغيير نفسه وسلوكياته ومعتقداته ليتطابق مع ما أمر الله، فسيبقى على ماهو عليه.

﴿ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ الآية المباركة تعطي صورة لحالة من الجمود التي يمضي فيها هذا الحيوان "الكلب"، لنتصور من خلالها حالة الجمود لدى المؤمن الذي لا يتغير ولا يتبدل مع الآيات، أفكاره وعقائده وأحكامه وسلوكياته في جمود، وهو حث على التغيير والتبديل، وما لم يبادر المؤمن في التغيير فلن تتحرك معه الآيات ليتغير.

﴿ سَاءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ ﴾ الأعراف (177)

الآية الكريمة تعتبر ذلك الجمود بمثابة التكذيب للآيات، فما ينزله الله عز وجل يجب أن يحمله المؤمن محمل الجد وأن يغيره من حال إلى حال آخر. وبهذا تتأكد لنا خطوتي الوقوع في فتنة الشيطان التي فهمناهما من بداية السورة، وذلك بنسيان الآيات والانسلاخ منها وتغافلها ثم تمكن الشيطان من اتباعه لإحرافه عن أوامر الله من حيث لا يشعر.

خاتمة

كان أصل الحديث عن الأمر الرباني الذي تحدثت به بداية سورة الأعراف " اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم" وقد تحدثنا في الحلقة السابقة عن ولاية الله عز وجل للمؤمن، وفي هذه الحلقة تحدثنا عن فتنة الشيطان التي تمكنه من تولي بعض المؤمنين.

لقد أعطى الله عز وجل إنموذجًا مصغرًا يوضح من خلاله أسلوب الشيطان وطريقته في إيقاع المؤمنين في الفتنة وذلك بذكر قصة أبينا آدم وزوجه، فقد كان الأمر الرباني له مقتصرًا على جملتين بسيطتين هما: لا تأكلا من هذه الشجرة، واحذرا من الشيطان، ولكن مع الوقت نسيا أمر الله، فتمكن الشيطان أن يقنعهما وبواسطة الحيلة والخديعة والقسم بالله أن يأكلا من الشجرة، وكذب عليها حين قال بأن الأكل منها يقود للخلود ويوصل لدرجة الملائكة المقربين، وسعيًا للوصول لهذه الغاية النبيلة التي يريدها آدم، وقع في مخالفة الأمر.

وجدنا بأن هذه القصة هي بمثابة أنموذجًا مصغرًا لعلاقة الأمم بكتابها المنزل، فنصوص الكتاب بينة في الأوامر والنواهي، ولكن مع مرور الوقت إن ابتعدت الأمة عن كتابها وعاشت الغفلة والنسيان عن نصوصه، فسيتمكن الشيطان دس أوامر ونواهي ستتصور أنها من عند الله، فتخالف بذلك صريح ما أنزل الله، فتقع في الخديعة، وتتبع الشيطان وتتخذه وليًا وتحسب أنها تسير على الهداية.

وفي الختام كان لنا وقفة مع نبأ الذي آتاه الله عز وجل الآيات فانسلخ منها، والتي تأكد لنا منها فهمنا لارتباط عمل الشيطان في الإحراف مع ابتعاد المؤمن عن الآيات المنزلة، فلن يتمكن من أن يبدّل عقيدة أو حكمًا إلا إذا انفصل عن ما أنزله الله إليه، وقد تبيّن أن هذا الانفصال يأتي بسبب تهاون وضعف وقلة عزيمة. و يمكن تلخيص هذه الحلقة بالقول أن الشياطين لا يظهرون بوجوههم الحقيقية، ولكي ينجو المؤمن من خديعتهم ليس أمامه إلا خيار واحد وهو اتباع ما أنزل الله والتمسك به.