كره الحق
# الحياة الدنيا
علينا أن نؤمن إيمان يقين أن هذه الدينا ليست كل حياتنا، حياتنا تنقسم إلى فترتين الأولى هي الدنيا والثانية هي الآخرة وهي الحياة الباقية الخالدة :
﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ العنكبوت (64)
والإنسان هو مخلوق مخلد، ولكنه ينتقل من مرحلة إلى أخرى، ينتقل من مرحلة الدنيا إلى مرحلة الآخرة. والموت مخلوق، خلقه الله عز وجل من أجل أن ينهي به مرحلة الحياة الدنيا لينتقل إلى المرحلة الأكبر والأطول وهي الدار الآخرة.
مقدار الحياة الدنيا بالنسبة للآخرة لا يعد شيئًا، لأن الحياة الآخرة هي حياة الخلد، وعليه ستكون هذه الحياة الدنيا مجرد امتحان عابر من أجل أن يقرر في أي الفريقين يكون، في فريق أهل الجنة أم فريق أهل النار، وكلاهما حياة خلد.
وعليه فإن المؤمن يدرك حجم العذاب وبقاءه وطول مدته، ذلك الذي تخبر عنه الآيات، القرآن الكريم ليس شعرًا، أو قول مبالغ فيه، بل هو حقيقة ماثلة أمام ناظري المؤمن، والقرآن يفرض حسابات دقيقة من أجل تلك الحياة حتى نجعلها نصب أعيننا ونجعل الاعتماد عليها، كلمات الله ليست مجرد كلمات تقرأ بصوت جميل فنعجب به فقط بل هي حقائق تخشع لها القلوب
# كره الحق
على المؤمن أن يلتزم بما يأمر به هذا الكتاب من عقائد وأحكام، واتباع تلك الأوامر هو حق لله عز وجل، ولكن أكثر الناس لذلك الحق كارهون، فلماذا يكره الإنسان الحق ويتمرد عليه؟ ألا يجب أن نخاف من أن نكون من هذه الناس؟
﴿ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ الزخرف (78)
عندما نقف أمام هذه الآية الكريمة علينا أن نخاف من الوقوع في هذه الكراهية التي تحجبنا عن رؤية الحقيقة من القرآن أو تمنعنا من أن نطبق ما نراه في كتاب الله، العلاقة مع كتاب الله هي علاقة اسلام لا مقاومة أو معاوقة، المؤمن مسلم للأمر والاسلام درجة أعلى من الاستسلام، الاسلام هو إذعان بقناعة ورغبة وحب، هو إسلام العبودية المختارة، لقد اخترنا أن نكون عبيدًا لهذا المولى بكل إرادة منا.
لقد كشف القرآن عن طبيعة عناد الإنسان مع الآيات، والذي سيجعله تحت طائلة الحساب الرباني يوم القيامة:
﴿ كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً ﴾ المدثر (16)
لم تقل الآية أنه لم يقتنع، أو لم يفهم! لكنها تكشف عن طبيعة العناد المتغلغل في نفسه تجاه آيات الله، وفي ذات المسار تتحدث آيات أخر على مخاصمته لربه :
﴿ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ النحل (4)
تتحدث الآية في تبيين حقيقة الإنسان في الخلقة، هذا الذي كان نطفة في يوم من الأيام هو الآن يخاصم الله في آياته خصامًا مبينًا في محاولة لتغيير الحق، وفي محاولة لإثبات ما يهوى، ولأن آيات الكتاب تقف حائلًا بينه وبين ذلك فهو يعمل على تغيير معانيها حتى تتوافق مع ما يهوى!
على المؤمن الحق الذي يريد أن يتعلم من كتاب الله أن يخشى أن يمارس نفس هذا الدور وهو لا يشعر، ولذا كان من الضروري أن يحرر نفسه من أهوائها وأن يتعامل مع الكتاب على أنه جهة عالية وأن يُسلم نفسه للحق الذي جاء به وأن يحذر من نفسه التي قد تخون من أجل تغيير حق هنا أو هناك.
ميزان التعامل مع الأعمال يوم القيامة هو ميزان حق، والناس تنال رحمة الله في ذلك اليوم بالحق، لذا فإن المؤمن يتعامل مع إله عادل يحكم بالقسط لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فلا يبتغي تلك الرحمة إلا عن طريق السير على مرضاة الله، ويؤمن أن ذلك الميزان دقيق لذا يعيش الخشية والخوف منه عز وجل.
# إمامة القرآن
حين نتخذ القرآن إمامًا، علينا أن نقرر قرارًا حازمًا بعد التوكل على الله بأن نشن حملة تغيير شاملة لكل سلوكياتنا التي قد تقف حائلًا بيننا وبين تطبيق أوامره، وهذا يتطلب من المؤمن أن يبحث بحثًا دقيقًا في أفعاله ومعتقداته وأن يضعها تحت المجهر، حتى يكتشف السقيم منها والذي لا يتوافق مع كتاب الله ثم يسعى لإزالته وتغييره بما يجب أن يكون بدلًا منه.
الائتمام بالقرآن هو قرار، وهذا القرار نابع من معرفة قدر الله، فقدر الله عالٍ ولأنه كذلك فالمؤمن يمارس تصفيةً شاملة مع نفسه، يبدأ ذلك القرار بأن يمد المؤمن يده لله طالبًا منه العون على نفسه، ثم يتوكل على الله في التطبيق، وهذا كله يتطلب طاقة من الإنسان كي يغيّر كل سيء في نفسه.
لقد خلق الله الإنسان مملوءًا بالشهوات والرغبات المتنوعة، وأبان له طريق الحق، وجعل كل تلك الشهوات فتنةً له وعقبةً يتجاوزها من أجل أن يصل في النهاية إلى الإيمان الحقيقي الذي يرتضيه الله منه، والدرجة التي تؤهله لأن يكون من أهل الجنة، يقول الله عز وجل مخاطبة بني البشر:
﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ﴾ الشورى(47)
هذه الآية توضح معنى إمامة القرآن في كلمة "استجيبوا"، فالآية المباركة تنادي يامن تستمعون لهذا القرآن استجيبوا لربكم باتباع تعاليمه المنزلة فيه، قبل أن تنتهي المهلة التي أعطاكم الله إياها في هذه الحياة الدنيا، وعلى هذا الأساس فإن المؤمن يتعامل مع هذا القرآن كدليل تغيير لكل معتقداته وأفعاله العبادية حتى يصل إلى العبودية التامة التي تؤهله للدخول في مرضاة الله عز وجل.