مدونة حلمي العلق

أهذا الذي بعث الله رسولا

مقدمة

يستعرض القرآن الكريم الكثير من الاختبارات القلبية التي تؤهل المؤمن لبلوغ المراتب العليا إن هو تجاوزها وتعداها، وقد تكون سببًا في سقوطه في وحل الكفر بالله وبرسالاته إن هو لم يتجاوزها بنجاح، واحدة من تلك الاختبارات هي الرضا والقبول بقسم الله عز وجل.

يقسم الله النعم بين خلقه بالتفاضل لا بالتساوي، فضل الله بعض الأكل على بعض، وفضل بعض الأماكن على غيرها، وفضل بعض الأيام على سائر أيام السنة، ومن ذلك التفضيل أن فضل بعض الخلق على البعض الآخر، في القرب والمنزلة منه أو في الوظيفة التي أولاها الله إياه، كوظيفة الرسالة والإمامة.

وقد كان ذلك التفضيل بين البشر موضع اختبار للإيمان بالرسالة، والمفضلين كالأنبياء والرسل كانوا هم وسيلة فيوضات الله لبقية البشر بأن كانوا واسطة التنزيل وواسطة الهدى وإنزال الحق إلى سائر الخلق، أما المفضل عليهم وهم بقية الناس فمنهم من كفر بالرسالة ومنهم من آمن، وكان التفضيل هو أحد أسباب الكفر عند البعض الذين لم يرضوا باختيار الله وتفضيله، فكفروا بها ليس لأن الرسالة لم تأت بحق، وليس لأن ما جاء عن طريق الرسول ليس مصدقًا لما بين يديه من الكتب السماوية السابقة، لكنه رفض أن يكون هذا التنزل على يد هذا المرسل، فكان الرفض بسبب الأنا وبسبب العنصرية والتعالي رفضًا قاطعًا لا يقبل النقاش، بل وقد وصلت حدته لدرجات من الحسد والبغضاء ومن ثم محاولة التصفية المعنوية أو التصفية الجسدية للذين آمنوا واتبعوا الرسول.

هذا الموضوع ليس موضوعًا عابرًا في القرآن الكريم، بل هو من المواضيع التي ذكرت في أكثر من سورة، بعض الآيات تحدثت عن اختيار الرسل، وبعضها في التفضيل بين البشر، والآخر في تفضيل أمة على أخرى أو تفضيل اختيار وانتخاب فئة على أخرى، ولأن مسألة القبول هذه ذات مساس مباشر بالكبر الذي يعيشه الإنسان ولو بنسبة ضئيلة، فقد كانت تلك الاختيارات محط اختبار حقيقي للإنسان في قبوله للحق أو رفضه، كون الحق لا يأتي مجردًا، ولكنه يأتي عبر وسائط تحمل في مضامينها ذلك الاختبار.

نستعرض أربع آيات مباركة تحدثت في هذا الموضوع، الأولى في سورة البقرة وهي آية " بئسما اشتروا به أنفسهم " الثانية آية من سورة الأنعام وهي آية " وكذلك فتنا بعضهم ببعض ، الثالثة هي آية من سورة الزخرف وتتحدث عن تقسيم الرحمة وهي آية " أهم يقسمون رحمة ربك" ، أما الآية الأخيرة فهي آية " أهذا الذي بعث الذي بعث الله رسولا " من سورة الفرقان.

الآية الأولى:

يقول الله عز وجل في سورة البقرة :

﴿ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ البقرة (90)

في الوقت الذي كان متوقعًا من بني إسرائيل أن يؤمنوا برسالة النبي محمد (ص) لأنها مصدقة لما بين أيديهم من التوراة، كفروا بها، ولم يكن السبب في ذلك الكفر كونها جاءت مخالفة للتصديق الرباني بشتى صوره، ولكنهم نظروا إلى التفضيل الذي امتاز به المرسل إليهم بها، وخالفوها رغبة في أن يبطلوا دعوة النبي محمد (ص) لشخصه، إذ لا يمكن أن يذعنوا لأحد من البشر هم ينظرون إلىه بدونية وتقليل، وكان في نظرهم أن لو جاءت الرسالة على يد أحد منهم لآمنوا بها، ولكنهم كفروا بها بسبب اختيار الله.

يقول الله عز وجل : ﴿ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ﴾ كان من المفترض أن يبيعوا أنفسهم في سبيل الحق وفي سبيل الله، ولكنهم اشتروها وباعوا رضا الله في الآخرة، ولقد اشتروا أنفسهم بالكبر والتعالي والعنصرية على البشر، اشتروا أنفسهم، أي اشتروا عزتها – في اعتقادهم – من أن يصدقوا ويقروا برسالة هذا الذي هو من طائفة أقل من طائفتهم ﴿ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ كفروا بالقرآن الكريم لأنه أُنزل على من لا يظنون أنه يستحق الرسالة، فإذ لم يعجبهم اختيار الله استنكفوا واستكبروا على اختياره عز وجل، وتحول ذلك الرفض إلى كراهية وبغضاء وشحناء تجاه من اختاره الله، فكفروا برسالته بغيًا عليه واعتداءًا على مكانته التي أولاها الله إياها.

﴿ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ﴾ فاستحقوا بذلك الموقف غضب من الله على الغضب المسبق الذي حملوه من تاريخهم القديم من كفر آباءهم للرسل من قبل، ثم تخصص الآية الكريمة لهم العذاب بقولها ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ والعذاب المهين هو الذي يشعر الإنسان بالإهانة ونزول المكانة والرفعة المصطنعة التي يعتقدها في نفسه إلى القاع، وهذا يأتي في مقابل الاستكبار على الحق وعلى آيات الله.

الآية الكريمة تبين بصورة واضحة وجلية خطورة عدم الرضا باختيار الله، فإذا وجد الإنسان الحق في جهة ما، كان لزامًا أن يذعن للحق، حتى وإن جاء ذلك الحق من جهة لا يتقبل منها ولا يقبلها، لأن الحق أحق أن يتبع مهما كان القائل ، فعدم رضا بني إسرائيل بشخص النبي محمد (ص) أدى بهم في النتيجة للكفر وكان مآلهم العذاب المهين الذي يكسر ذلك العلو وتلك الرفعة.

الآية الثانية:

يقول الله عز وجل :

﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ﴾ الأنعام (53)

الآية الكريمة تأتي بعد عدة آيات تتحدث عن رفض بعض أهل الكتاب لقول الرسول الحق الذي جاء في القرآن الكريم، وتبيّن الفتنة جاءت في الاختيار، لأن البعض يرفض ولا يتقبل من البعض الآخر، ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ﴾ فتنا أي اختبرنا وأخرجنا من بواطن هذه القلوب مافيها من تكبر وعلو على الآخرين، فالحق أحق أن يتبع لا لقائله ولكن لما يحمل في ذاته من حقيقة، فكان الرفض، لقد هيمنت عليهم تصوراتهم الخاطئة أنه لا يمكن أن يختار الله هذه الجماعة أو هذه الفئة لكي يوصلوا الحق،ويعتقدون أنهم هم الأولى بذلك ﴿ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ﴾! سؤالٍ استنكاري يرفض اختيار الله!

تختم الآية بقولها : ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ﴾ لقد جاء الحق عن طريق هذه الثلة لعلمه سبحانه بما في قلوبهم، فالله يختار من يستجيب لرسالاته ويطبقها شكرًا له، وعبودية لأوامره، وهذه الفئة المختارة من المؤمنين الذي أصبحوا يحملون رسالة الله هم في علم الله من الشاكرين الذين يقدرون كلام الله حق قدره، ويعملون بموجبه.

وهذه الآية تتحدث هي الأخرى عن ذات المشكلة وتبيّن أن اختيار الله لحملة رسالاته إنما هو بعلمه بمن يستحق حملها، ولكي يكون بمثابة الاختبار لبقية الناس وخصوصًا أولئك الذين يعتقدون في أنفسهم أنهم أولى من غيرهم بحمل الهدى وإيصاله للناس، والله عز وجل يجعل من ذلك الاختيار وسيلة لكشف الكبر والتعالي عند الإنسان، إذ لا يصح لمثلهم أن يتمثلوا ولاية الله أمام الناس وهم في أنفسهم الكثير من الكبر والتعالي.

وعلى هذا المنوال تتحدث آيات أخرى عن أن قسمة الله هي الأولى بالاتباع، هو صاحب الحق في تقسيم الأرزاق وكذلك تقسيم الرحمة المهداة من السماء

الآية الثالثة:

يقول الله عز وجل في سورة الزخرف:

﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ الزخرف (32)

الرسالة هي رحمة مهداة للبشر، تأتي عن طريق أحد من البشر يختاره الله وتقع عليه قسمة الله في أن يوصل هذه الرحمة لغيره، وهذا الاختيار هو حق لله لا يشاركه فيه أحد، هو أعلم بالشاكرين والمتقين، والآية الكريمة تتساءل ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ ﴾ هل لديهم الحق في تقسيم رحمة الله على البشر؟ لا يملكون هذا الحق، فكيف يفترضون وجوب أن تنزل هذه الرسالة أو تلك على رجل هم يحددون مكانته ومكانه فيقولون ﴿ وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ الفرقان (31)، فهذا ليس من اختصاص أحد، ثم تعقب الآية الكريمة بمظهر جلي يوضح قدرة الله عز وجل في تقسم الأرزاق بين الناس، فالأرزاق وإن سعى الإنسان لأن يكون في أفضل حال هي في النهاية من قسمته سبحانه ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ هذا التفضيل بين البشر هو من عنده وهو آية من آيات الله.

﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾ لم يجعل الله الناس في هذه الدنيا بمرتبة واحدة ولا بمنزلة واحدة، وحتى هذه المنزلة هي قسمة من عنده، وقد قسمها بعلمه درجات بعضها فوق بعض لغايات ولحكم ولاختبارات ﴿ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً ﴾ ليكون بعض الناس مسخرًا للآخر ولتسير الحياة بسنة أرادها سبحانه، فالفاضل يسخر المفضول عليه في الأعمال والإنشاءات والأعمال المختلفة، ولولا ذلك التفضيل لتعطلت الحياة وما تطورت، وبالمثل فإن الله قد فضّل بعض البشر في الرحمة المهداة في أن يختص أحد من عباده لينزل عليه الوحي فيبلغه لبقية الناس، ﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ والرحمة الآتية من عند الله في الهدى خير من الأموال والممتلكات وكل مايحرص الإنسان في جمعه في هذه الحياة الدنيا.

هذه الآية الكريمة تبيّن أن قسمة الله تأتي في الأرزاق، وكذلك في الدرجة الدنيوية، والدرجة الأخروية أيضًا، والمؤمن هو الذي يؤمن بذلك التوزيع دون سخط أو رفض.

الآية الرابعة

يقول الله عز وجل في سورة الفرقان :

﴿ وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً ﴾ الفرقان (41)

لقد افتتن أهل الكتاب والمشركون بشخص النبي، ووجدوه – من خلال مكانته وشكله – أنه غير أهل للرسالة، فربطوا قبول الرسالة بالمظهر الخارجي والمكانة الاجتماعية، والانتماء العنصري، كل تلك الحيثيات حجبت رؤية الحقيقة التي أنزلها الله عز وجل مع هذا الرسول: ﴿ وَإِذَا رَأَوْكَ ﴾ إذا قابلوه يجدونه إنسانًا عاديًا لا يختلف عن غيره بشيء، لذا ينظرون إليه بنظرة الاستصغار والازدراء، وينعكس ذلك على طريقة تقيمهم للقول الذي يصدر منه، ﴿ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً ﴾ يتخذونك، أي إنما يعتبرونك محط استهزاء واستصغار، على أساس أن الله لا يمكن أن يختار مثل هذا الشخص ليمثل الرسالة ﴿ أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً ﴾؟

الآية الكريمة تتحدث عن استهزاء المتكبرين والمعترضين بشخص النبي، ولكن يمكن قراءتها في بعدها الإيماني على أن هذا رفض لاختيار الله، وهو تعبير صارخ عن عدم الرضا لقسمة الله في توزيع الرحمة على البشر، وكأنهم يقولون : هذا الذي يَمْثُل أمامنا لا يستحق هذه الرحمة، والآية الكريمة توجه المؤمن بصورة ضمنية – وكذلك بقية الآيات السابقة – للنظر للرحمة، وأبتغاء الحق والأخذ به، فإذا رأى المؤمن الهداية تنساب من بين يدي أحد من خلقه كان لزامًا أن يؤمن بالحق بغض النظر عن مايراه من مكانة للمرسل، ليكون الإيمان إخلاصًا لله، لا اتباعًا للأهواء.

الخاتمة

تفضيل الله للبشر في جانب من جوانب معاشهم كان ولا زال محط اختبار الإنسان، ويزداد ذلك الاختبار حدة حين يكون التفضيل في الجانب المعنوي أو الديني المعبر عن القرب منه والقرب من رسالاته، وعلى المؤمن الحقيقي أن يبدي رضاه بتلك القسمة، وإلا أصبح ساخطًا على اختيار الله، أو رافضًا له. وذلك الرضا لا يمثل مسألة القبول بالحال الذي اختاره الله للإنسان وحسب، بل يتعداه لأن يعد سببًا للإيمان أو الكفر، فإن رضي بما قسمه الله في اختيار الله لأحد البشر لكونه مرسلًا فقد كان ذلك الرضا سببًا في القبول والإيمان، والعكس صحيح.

استعرضنا وفي أربع آيات مباركة فتنة اختيار الله لشخص الرسول، وعلى الرغم من مكانة هذا الإنسان عند الله وفي الملأ الأعلى، إلا أن كثير من خلقه يجهلون مكانته هذه وينظرون إلى الجانب البشري منه، فيرونه بشرًا عاديًا لا يمتاز عنهم في شيء، بل وتكون المشكلة أكبر حين يتم اختيار هذا الإنسان من طائفة مختلفة عن الطائفة التي ينتمي إليها الإنسان، طائفة هو يزدريها ويقلل من شأنها، ليكون الاختيار موضع بلاء وفتنة واختبار لمن أراد الحقيقة لذاتها.