القوي الأمين
| meanings-of-marriage# مقدمة
تحدثت الحلقة الأولى تحت عنوان ( من نفس واحدة ) ليتأسس الفهم عند الرجل بالتحديد أن المرأة ليست ناقصة، وأنها كاملة الحقوق وليس له الحق في أن يستنقص شيئًا من حقوقها.
أما الحلقة الثانية فقد تحدثت وتحت عنوان ( ليس الذكر كالأنثى ) لتخاطب المرأة بالدرجة الأولى أن تفكر في عدم التساوي بينها وبين الرجل على أنه جانب نقص فيها، بل هي ميزة تتلائم مع وظيفتها الكبرى التي خلقها الله عز وجل من أجلها. هي ليست قوية كالرجل، وليست متمكنة في الحياة كما هو، لكنها قوية بهذا الضعف ومتميزة به.
هذه المفاهيم مع أنها بسيطة وبديهية إلا أنها تعد أساسًا يجب التحقق من تواجده في النفس على أساس ما تحدث به الله عز وجل في القرآن، ويجب علينا ونحن نتحدث في موضوع الزواج أن لا نتجاوز هذه النقاط باعتبار أنها بسيطة لا تستحق الاهتمام، فهناك الكثير من التصرفات التي يتعامل بها الرجل في حياته الزوجية مبنية على أساس اعتقاده بأن الأنثى ناقصة عنه، وقد ظهر ذلك في أدبيات أو عبارات كثيرة منها : أن المرأة خلقت من ضلع أعوج، أو أن أكثر من في النار هم من النساء، أو أنها ناقصة عقل ودين، والقرآن ينفي ذلك لأننا خلقنا من نفس واحدة.
ومن جهة أخرى قد تعد المرأة منافسة الرجل في الطبيعة التي خلق عليها أو مزاحمته هو مضمار لإثبات الذات، وعلى هذا الاعتقاد قد يظهر من المرأة من السلوكيات التي تحاول من خلالها أن تثبت أنها تملك القوة كما هو الرجل، في محاولة لفرض حالة التساوي بين الذكر والأثنى، وهي بذلك تظلم نفسها لأن الطبيعة تقول عكس ذلك والله سبحانه وتعالى يؤكد هذا المعنى في كتابه العزيز بقوله: (ليس الذكر كالأنثى) فهي تثبت قوتها في موقع خطأ، فهما غير متساويين.
جمال الرجل في قوته، والقوة تظهر في الجسد والبيان والمال والحماية والغيرة، وإذا ضعف ذهب جماله، وجمال المرأة في ضعفها ويظهر ذلك في عاطفتها وحبها لبيتها وحبها لأبناءها واستقرارها، فإذا حاولت المرأة أن تجعل من نفسها كائن قوي كالرجل ذهب جمالها، وفي القرآن الكريم مايشير لهذه المعاني، والتي نحاول أن نؤكد عليها ونقف عندها، نتأمل فيها علنا نعود بها إلى طبيعتنا التي خلقنا الله علينا.
# القوي الأمين
في سورة القصص نتذكر قصة نبي الله موسى (ع)، وفي بدايات السورة نتذكر الحالة التي أصبح فيها نبي الله موسى حين خرج من المدينة خائفًا يترقب اثر حادثة القتل، يصل إلى ماء مدين، ويحدث له موقف مع امرأتين كان له الأثر في مسار حياته الخاصة، نقرأ الآيات:
(وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28))
1- (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23))
يصل نبي الله موسى عليه السلام بعد عناء السفر إلى ماء مدين، وهو مكان السقيا للناس وللأغنام، ليجد الناس ملتفين حوله يتزاحمون ليأخذ كل واحد منه قسطه من الماء ليروي بذلك عطش أغنامه بعد مشوار الرعي. هو الآن يسعى للحصول على الماء ليروي عطشه هو أيضًا بعد عناء السفر، وما كابده من طول الطريق. يتقدم بين هذه الحشود عله يحصل على فرجة يسقي بها عطشه، وفي الأثناء..
2- (ووَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَان)
في الأثناء يلتفت ويرى امرأتين تقفان عن كثب، تذودان عن نفسيهما زحام الرجال والأغنام، تبتعدان عن مزاحمة الرجال، وعلى الرغم من أن موسى (ع) في حالة من التعب والإرهاق، لكنه يأبى إلا أن يرى ما حاجتهما؟ تقدم ناحيتهما ليسأل:
3- (قَالَ مَا خَطْبُكُمَا )
المكان مزدحم برعاة الأغنام، وكلهم رجال، ولهم شأنهم، فما شأنكم أنتم في هذا المكان؟ سؤال بسيط تفرضه الطبيعة الإنسانية التي يفهمها الرجل، وتفهمها المرأة، فللمرأة موقعها، وللرجل موقعه. فإذا جاءت المرأة في موقع الرجال، يظهر التساؤل: لماذا أنت هنا؟ أنتما في موقع يزدحم فيه الرجال، فما المشكلة؟ موسى(ع) هنا لا يستنكر عليهما هذا الأمر، لكنه يستفسر عله يستطيع تقديم المساعدة. وكأنه يسأل: هل من خدمة أقدمها لكما؟
4- (قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ )
فهمت المرأتان استعجابه، وفحوى سؤاله؟ فأجابتاه "لا نسقي حتى يصدر الرعاء"، نحن نحتاج للسقيا مثلهم، ولكننا ننتظر حتى يخلو المكان من الرجال فنتقدم نحن للسقيا بعد فراغ المكان، لنا حاجة في هذا الماء لكننا لا نزاحم الرجال كالرجال، فنذود بعيدًا حتى نهاية السقيا، وأبونا شيخ كبير، لا يتمكن من القيام بعمله، فنقوم نحن بالنيابة عنه.
لم يتخلى موسى في هذا الموقف عن مساعدتهما، فبادر بالقيام بما جاءا من أجله..
5- (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24))
رغم ما كان يعانيه من تعب بسبب طول المسافة التي قطعها حتى وصل إلى مدين، إلا أنه قام بعمل يعبر عن شهامة بدون مقابل يرجوه، وقد لمست المرأتان تلك الحقيقة في موقفه ومضتا في حال سبيلهما، أما هو فلا يدري أين يولي وجهه، لكنه هناك وجهة في السماء لا يتشوش القلب عنها مهما بعدت المسافات وتبدلت الأحوال، رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير. أنت يارب منزل الخير، وأنا الفقير لكل ذلك الخير، فلا تحرمني منه.
في الأثناء وهو في غمرة المناجاة مع الله، يلوح في الأفق مرأى إحدى المرأتين، تمشي نحوه والحياء يثقل خطاها، تقترب منه ورجلاها لاتكاد تحملها تجاهه.
6- (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ)
هي ذات المرأة التي كانت تقوم مقام أباها في العمل، وتتحمل المشاق والمتاعب، لم تنزع عنها كل تلك المواجهات رداء الحياء، هذا الرداء الذي يكسو كل امرأة بفطرتها وطبيعتها دون تكلف، والآية تشير إليه وتنقل لنا طابع يعكس طبيعة المرأة وجمالها حين تتحرك بطبيعتها، ولا تغيرها ظروف الحياة.
يلمحها نبي الله موسى، ويتساءل: ما الذي عاد بها؟ شيئًا فشيئًا تقترب منه، ثم تخبره بمقصدها، هي دعوة من والدها حتى يجزيه أجر السقاية التي قام بها لمساعدتهما..
7- (قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا )
لم يكن في حسبان نبي الله موسى (ع) أن يحظى بأجر على ما قام به من مساعدة، فقد دفعه لذلك شهامته ورجولته، في موقف كانت المرأتان بحاجة للمساعدة، ولكنه يدرك الآن أن الله قد أجاب دعاءه ومناجاته وهو المحتاج إلى خير الله وعونه في مثل هذه الظروف القاسية.
لكن يبدو أن هذه المرأة قد احسنت وصفه لأبيها، وأثنت على موقفه وبينت أنه غريب عن القوم، ومختلف تمامًا عن صفاتهم، ثم أكدت أنه بحاجة للمساعدة، فحديثها عنه أشعر الأب الصالح بواجب المجازاة على حسن الصنيع، ومن الواجب أن يحسن رفادته وضيافته.
جاء موسى (ع) إلى الرجل، استقبله، أجلسه، تحدث معه، من أين أنت؟ ولماذا جئت إلى هنا؟ فما كان من موسى إلا أن قص عليه ماحدث له، وما جرى أثناء نصرة الإسرائيلي على أحد أتباع فرعون، وأنه هرب من مصر خوف القتل، فرد عليه الرجل لقد وصلت إلى مرادك، ونجوت منهم.
8- (فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25))
أنت عندي في أمان من بطش فرعون وجنوده، والأمان هو ما خرج من أجله موسى (ع)، وهاهو الآن يحصل على أول حاجاته.
كانت المرأتان ابنتا الرجل في نفس المجلس و تستمعان ما يقصه موسى(ع) لإبيهما، وتسمعان ما قاله أبوهما له، وإذ بإحداهما تبادر أباها ..
(قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28)) سورة القصص
1- (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ)
تتوجه لأباها باقتراح أن يكون موسى إجير عنده، يرعى أغنامه بدلًا منهما، هنا تقتنص هذه المرأة ا لفرصة، فأبوها شيخ كبير لا يقوى على إدراة أمواله، وموسى يحتاج إلى المأوى والعمل، فكل منهما محتاج إلى الآخر. ثم تكمل جملتها ..
2- (إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ )
الخطاب موجه للأب، لم تقل إنه قوي أمين، تأدبًا، فلم تشر إليه، ولكنها أشارت لأبيها إن خير من أستأجرت (أنت)، ثم ذكرت صفتان ميزتهما فيه.. القوي، الأمين. فمتى لحظت هذه المرأة أن موسى قوي؟ حين سقى لهما، هناك برزت قوته وهو يدفع المواشي نحو السقاية ومنها، هذا واضح، ولكن كيف اكتشفت أنه أمين؟ اكتشفت أنه أمين حين رأت صدقه في أن يسقي لهما وهما وحيدتان في ذلك المكان من أجل إعانتهما فقط، فقد بادر في إعانتهما دون أن تشاهدا في نظراته مأرب آخر مما قد يبدر من الرجل الخؤون، الذي يتظاهر بالمساعدة ولكنه يستبطن الخبث.
(فسقا لهما ) أي بادر بالمساعدة المباشرة، ثم تولى إلى الظل طالبًا العون من الله وحده، فهذه شهادة من هذه المرأة بأن الرجل أمين حين يؤتمن، وتلك صفة هامة تضاف على القوة، فالشيخ الكبير لا يجني ثمار هذه القوة إلا بالأمانة.
لكن المفاجأة أن هذا الشيخ الكبير أدرك طبيعة الموقف، وأدرك قيمة الرجل الذي هو بين يديه، وشخص كهذا يجب استثماره بشكل أكبر حتى تكتمل الصورة..
3- (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ )
اكتمال الصورة هو أن يكون لموسى زوجة من نفس هذا البيت حتى يرعاه بشكل أكبر، ولكن كيف وثق هذا الشيخ في هذا الشاب؟ لقد رأى منه صفات نادرة، هي القوة والأمانة والشهامة بشهادة ابنته، وكما أن هذه الصفات هي صفات تنفع للقيام بالأموال وإدراتها، هي ملائمة وهامة أيضًا للقيام بالحياة الزوجية، الزواج يحتاج إلى قوة للحفاظ على بيت الزواج، ويحتاج إلى أمانة لأن المرأة أمانة عند الرجل يرعاها ويحفظها.
كلمات المرأة التي اقترحت استئجاره لأبيها، يوحي بالإعجاب بشخص موسى، ويؤكد ذلك سرعة مبادرتها بالاقتراح حتى لاتفوت الفرصة، ويبدو أن أباها قد فهم مقصدها، ولكنه دارى ذلك المقصد أمام موسى حين قال "إحدى ابنتي هاتين" لأنه يدرك حياء المرأة وعفتها اللذان يمنعانها من الطلب، لذا بطبيعة الحال المرأة تطلب، لكنها لا تطلب، وإلا فإن القصة توحي أن هذه المرأة هي ذاتها التي جاءت بدعوة أبيها إلى موسى.
عبرت هذه المرأة وهي تواري إعجابها به مستخدمة أعف الكلمات، ولا يبدو في إعجابها أنه إعجاب مظاهر ، ولكنه إعجاب صفات ، ولو كانت نظرة المرأة مقتصرة على مظهره ما ,,,