مدونة حلمي العلق

الكتب السماوية

 | ملة إبراهيم

مقدمة

ماعلاقة الكتب السماوية ببعضها البعض؟

ماعلاقة القرآن بصحف إبراهيم ؟ ما علاقة القرآن بصحف موسى؟

وهل جاء القرآن ليلغي أحكام الكتب السماوية السابقة ؟ أم أنه جاء ليؤكد على الإلتزام بها؟

﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير ﴾ سورة الحج 78

نستفتح درس اليوم بما ختمنا عنه الحديث في الحلقة السابقة، وهو أن الإسلام هو المسمى الرسمي لملة إبراهيم، تقول آخر آية من سورة الحج آية (78) :

( وجاهدوا في الله حق جهاده ... )

أولاً : تقول الآية ( هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ) أي أن نبي الله إبراهيم سماكم المسلمين من زمنه هو ، ومن فترته هو، وهذا الإسم ليس مسماً جديداً على الملة، ولكن الجديد هو ما استحدث من أسماء من بعده، وفي هذا أيضاً اسماكم المسلمين وهي تسمية من نبي الله إبراهيم أيضاً حين قال ( ومن ذريتنا أمة مسلمة لك )

ثانياً : تقول الآية أيضاً ( ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس) وهو أمر له علاقة بتوصيل هذه الرسالة لكافة الناس، فحملة الكتاب يكونوا شهداء لله على الناس.

ومن خلال هذا المدخل، في كون أن الدين واحد وإسمه واحد منذ نبي الله إبراهيم، نبدأ في الحديث عن الكتب السماوية التي هي الأخرى جاءت متممة للأصل ونقصد بالأصل هو صحف إبراهيم. ونرى من خلال الآيات كيف أن القرآن احتوى على صحف إبراهيم، كما كانت التوراة تحتوي على صحف إبراهيم أيضاً، وأن القرآن جاء مفصلاً لها ، كما جاءت التوراة مفصلة لها أيضاً.

نبدأ في سورة الأنعام

﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ سورة الأنعام 151

القرآن يذكر الوصايا العشر:

أولاً : الآية (151) : تذكر الوصية الأولى من الوصايا العشر وهي تحريم الشرك، ولأن النبي محمد يحاجج المشركين وأهل الكتاب بهذه الوصية، فهي مذكورة في كل الكتب السماوية الأخرى، التي جاءت بعد نبي الله إبراهيم عليه السلام ، وهذه الوصية تعني بالنسبة لهم تحريم العبث في الأحكام من قبل البشر بالإضافة أو الإلغاء.

ثانياً: ما يهمنا هنا أن الوصايا العشر التي ذكرت صحف إبراهيم ذكرت أيضاً تذكر الآن أيضاً في القرآن الكريم، أي أن سورة الأنعام احتوت على وصايا صحف إبراهيم.

﴿ ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ سورة الأنعام 154

ثانياً: (وتفصيلاً لكل شيء ( ورد في صحف إبراهيم (ع)، لأن صحف إبراهيم جاءت مجملة ثم بعد أن تحول أبناء إبراهيم إلى شعب نزلت الملة مفصلة في التوراة.

ونريد أن نفهم من ذلك أن التوراة احتوت على الوصايا العشر وعلى صحف إبراهيم، بل وزادت على ذلك أن فصلت هذه الصحف تفصيلاً.

والآن ننتقل للآية (155) ..

﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ۝ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ۝ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ سورة الأنعام 155 - 157

ثالثاً: ( أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم) ولا تتحججوا بأنه لو أنزل عليكم الكتاب لكنتم أهدى منهم، فها قد نزل إليكم كتاباً مثل ما نزل إلى تلك الطائفتين كتب، فلا تكذبوا بهذه الآيات وتتخذوا سبيلاً آخر.

إذاً : احتوى القرآن الكريم على صحف إبراهيم، وعلى تفصيل لتلك الصحف المجملة في الأصل، تماماً كما احتوت التوراة على صحف إبراهيم وعلى تفصيل فيها. لذا يمكننا أن نصل إلى قناعة بالشكل التالي :

التوراة احتوت على صحف إبراهيم وعلى تفصيل لما جاء في صحف إبراهيم، وكذلك القرآن الكريم جاء بما جاءت به الصحف إضافة إلى تفصيل لما جاءت به تلك الصحف.

من هنا نريد أن نؤكد على هذا المعنى ومن خلال الآيات الشريفة ومن القرآن الكريم، لنأخذ علاقة القرآن الكريم بالصحف الأولى.

القرآن والتوراة والصحف

﴿ إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى ۝ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى سورة الأعلى 18 - 19

في سورة الأعلى آية (18)، (19) وهما ( إن هذا لفي الصحف الأولى ، صحف إبراهيم وموسى)

أولاً : هنا سميت التوراة التي نزلت على نبي الله موسى بـ «صحف إبراهيم وموسى» على وهذا يشير إلى أن التوراة التي أنزلت على موسى (ع) اشتملت على صحف إبراهيم، ثم أضاف الله سبحانه وتعالى على هذه الصحف صحفاً مع موسى فسميت بصحف إبراهيم وموسى.

ثانياً : (إن هذا لفي الصحف الأولى) أي ماذكر في سورة الأعلى كان وارداً في الصحف الأولى، فالقرآن يورد ماجاء لدى إبراهيم (ع) وما جاء لدى موسى (ع) أيضاً.

أولاً : ( سيذكر من يخشى، ويتجنبها الأشقى، الذي يصلى النار الكبرى ...)

ثانيا : ( إن هذا لفي الصحف الأولى ، صحف إبراهيم وموسى)

وهنا نرى سورة الأعلى التي تضمنت تعاليم ومفاهيم، ثم عقبت على ذلك بالقول : إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى. وهذا ما يؤكد أن القرآن أورد ما جاء في الصحف وما جاء في التوراة نصاً. ولدينا شاهد آخر في سورة أخرى ذكرت بالنص صحف إبراهيم وموسى (ع) وهي في سورة النجم ..

﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى ۝ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى سورة النجم 36 – 37

أولاً : الآية تقول ( أم لم ينبأ بما في صحف موسى ، وإبراهيم الذي وفى) كان من المفترض على المخاطب أن يكون على علم بالعقيدة الصحيحة من خلال هذه الكتب السماوية السابقة لأنه على علم بها.

ثانياً : صحف إبراهيم هي صحف موسى هي ما ذكر في القرآن الكريم .

وبنفس المنطق نرى أن ذلك الاحتجاج قائم في آيات أخرى كما هو في الآية التالية من سورة طه.

أحكام واحدة

في سورة المائدة في صفحتي 115 ، 116 تتحدثان عن تطلب تحكيم النبي محمد (ص) وتقول ( وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين). وقد بينت هذه الصفحتين أن الله يأمر اليهود بتحكيم التوراة ، ويأمر النصارى بتحكيم الإنجيل. ولذا فإن الآية عندما تقول ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ) لا يعني أن هذا حكم مختص بأهل التوراة فقط بل إنه يشمل أهل القرآن أيضاً لأنها شريعة واحدة.

أولاً: آية (43):

﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ المائدة 43

(وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين)، لا داعي لأن يحكموك وعندهم التوراة ففيها حكم الله، و أنت تحكم بالقرآن الذي فيه نفس الحكم؟ إذاً نفهم أن حكم القرآن هو نفسه حكم القرآن لأنك رسول الله ورسالتك (القرآن) ؟ وعندهم التوراة أي أن الحكم لدى التوراة، ولكن المشكلة فيهم أنهم لا يطبقون ما أنزل إليهم .

ثانياً : آية (47)

﴿ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ المائدة 47

( وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ) حيث تأمر أهل الإنجيل بأن يحكموا الإنجيل في حياتهم. وهذا يعني أن القرآن لم يأتي لاغياً لأحكام الله في الكتب السماوية السابقة ولكنه جاء آمراً بها مؤكداً عليها.

ثالثاً :

﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ المائدة 48

آية (48) (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق) في هذه الآية نلحظ أن أهل الكتاب لا يتبعون الكتاب ولكنهم يتبعون أهواءهم، وأن القرآن الكريم هو مهيمن على الكتب السماوية السابقة، وهذا شيء طبيعي أن يكون القرآن مهيمناً على الكتب السماوية السابقة لأنه جاء من بعهدهم، فقد روى حقيقة ما جرى بعد تلك الكتب السماوية .

ملخص

نصل إلى خلاصة درس اليوم ، فقد وجدنا ومن خلال آيات القرآن الكريم أن

أولاً : تحت عنوان «القرآن يذكر الوصايا العشر»

رأينا كيف أن الوصايا ذكرت في التوراة وفصلت فيها ، وذكرت في القرآن وفصلت فيها.

ثانياً : تحت عنوان «القرآن والصحف الأولى»

رأينا كيف أن القرآن يذكر ما ورد في التوراة من حكم وتعاليم.

ثالثاً : تحت عنوان «أحكام واحدة»

رأينا كيف أن القرآن يؤكد على أن حكم القرآن هو نفسه حكم التوراة لأنهما يحملان حكم الله سبحانه وتعالى

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يحشرنا مع الصالحين من ذرية إبراهيم، ومع محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.