الإمامة والعهد
| ملة إبراهيم# مقدمة
إمامة الدين عهد عهده الله سبحانه وتعالى إلى نبي الله إبراهيم وإلى الصالحين من ذريته، ما أصل الحكاية؟ وما أنواع الإمامة حسب القرآن الكريم، وما فروع ملة إبراهيم ، وما معنى الصلاة على النبي بالصيغة : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم.
# الإمامة والعهد
( وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) سورة المؤمنون (52)-(53)
الآية الشريفة تقول : أن هذه أمتكم أمة واحدة وليست عدة أمم كما تتصورون ، بل هي ملة واحدة ذات أصل واحد وهو نبي الله إبراهيم ، فإذا كان الأصل واحد وجب أن تكونوا على ملة واحدة وعلى شرع واحد .
فأصل اليهودية هو بعثة نبي الله موسى عليه السلام ، وأصل النصرانية هو بعثة نبي الله عيسى عليه السلام ، وكلاهما من أبناء نبي الله إبراهيم وكلاهما يحمل نفس الملة التي جاء بها نبي الله إبراهيم .
من أين بدأت الحكاية ، حكاية نبي الله إبراهيم مختلفة تماماً عن بقية الرسل ، ولنا علاقة وطيدة بهذه القصة نحن المسلمون، وفي فهم البداية فهم لإمامة آل إبراهيم للنبوة والإمامة.
# الإمامة :
1- في قوله تعالى ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ) تمام الكلمات أن إبراهيم قال لله سبحانه وتعالى «ومن ذريتي» . الإمامة عهد يعهده الله سبحانه وتعالى للإمام بأن يسير على نهج الكتاب ويوصل كلمات الله للناس . ( قال لا ينال عهدي الظالمين ) من يظلم منهم فلن ينال هذه الإمامة، إذا الإمامة عهد أي أن يتعهد الإمام بما يحفظ الملة بما يحفظ الكتاب أن يقيم الصلاة وأن يوصل هذه الصلاة إلى الناس كما تقول الآية من سورة إبراهيم (( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) سورة إبراهيم(37)
2- إذا الآيات تتحدث عن مشروع كبير وهو أن يبقى الدين بجميع ملامحه الحقيقية في عهدة أبناء نبي الله إبراهيم عليه السلام . وأن يبقى الإرشاد إلى المكان والملة من أجل أي إنسان يبحث عن الحقيقية التابعة لله فيجدها، تقول الآية ( )، (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم (*) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك) وهذا دعاء في أن تكون هناك ذرية تأتي من بعدهما تواصل المسير في الإسلام الذي بدأه نبي الله إبراهيم.
3- ومن ثم تقول الآيات التالية: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) ... ( ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون)، إذاً نبي الله إبراهيم وصى بنيه بالحفاظ على الملة والالتزام بها، وفيها آيات الله والوصايا الربانية لذريته والناس جمعاء.
ومن هنا بدأت الإمامة وتواصلت بعد جهد جهيد من المؤسس وهو نبي الله براهيم (ع)، هو الذي دعا وهو الذي عاهد الله على البقاء والحفاظ على الدين دون تغيير أو تبديل . ولعلمه بسيرة الأقوام من بعده دعا في أن يكون من ذريته من يحمل هذه الراية التوحيدية على مر الأزمان.
( وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (133)
# ثانيا : البيت
( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) سورة إبراهيم(37)
( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا )
وتم العهد مع نبي الله إبراهيم ونبي الله إسماعيل أن طهرا بيتي . الجعل هو جعل تشريعي من الله سبحانه وتعالى للناس هو مثابة لكم ، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وفي اتخاذ نبي الله إبراهيم مصلى هو اتخاذ لإمامة نبي الله إبراهيم في الدين ، وفي هذا القيام خلف المقام فيه اعتراف بالرجوع لأول من أسس الدين وأول من رفع القواعد من البيت ورجوع لأصل الدين، فهي إمامة مرجعية أي أن الإمامة تنقسم إلى قسمين: الأول هي الإمامة القائمة الدائمة على مر الأزمان والتي هي إمامة رمزية ونقطة مرجعية تاريخية زمانية وهي إمامة نبي الله إبراهيم ، وإمامة قائمة مستمرة وهي إمامة أبناءه الصالحين من بعده ، بحيث إذا مات أحد منهم يأتي التالي من بعده ليأخذ نفس المبادئ والقيم التي كان عليها نبي الله إبراهيم ويستمر عليها، بينما تظل إمامة نبي الله إبراهيم إمامة قائمة كنقطة مرجعية لإصلاح الدين.
( وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ) هذا العهد بالإمامة مرتبط بالبيت، ومرتبط بقيم الدين.
ثالثاً : الكتاب : ( ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم ويعلمهم الكتاب والحكمة )
إذا نبي الله إبراهيم طلب الهدى من عند الله فبوأ له مكان البيت، وطلب أن تكون الإمامة في ذريته، وطلب أن ينزل عليهم كتاب .
هذه هي عناصر الملة المكانية والبشرية مع الوثيقة الرسمية التي يرسلها الله سبحانه وتعالى ، وقد وصى نبي الله إبراهيم أبناءه من بعده على الحفاظ على هذه الأسس الرئيسية للدين . فلا تتغير ملامح هذه الملة في المكان والإمامة والوثيقة الرسمية .
# عناصر الملة
تحدثنا سابقاً عن عناصر الملة فكانت : البيت والإمامة والملة .
نتحدث عن العناصر الثلاث في ملة إبراهيم والتي فهمناها من سورة البقرة ومن غيرها من السور، وقد أشرنا سابقاً إلى هذه العناصر وقلنا أن هناك عنصر مكاني وعنصر بشري ووثيقة رسمية، المكان هو الذي يقصده الناس من أجل النسك والهدى ، والوثيقة الرسمية هي الكتاب السماوي الذي فيه الهدى ، والإمامة هي التي تحفظ الكتاب وتوصله إلى الناس وتوصل المناسك إلى الناس. وهذه العناصر من أجل أن تقول للبشرية جمعاء للإنسان في ذلك الزمان وفي كل مكان، لا تندفع نحو الأصنام ونحو الشرك ، فهاهنا مكان يحفظ كلام الله وما أراده الله من الإنسان في كتاب سماوي ، وفي مكان تتقرب فيه إلى الله سبحانه وتعالى، وكل ماعدا هذا المكان من أمكنة أخرى فلا صلة لها بالله سبحانه وتعالى . وقد عهد إلى نبي الله إبراهيم وإسماعيل الملة والمكان، على أن يتواصل العهد من بعد إبراهيم لأبناءه من بعهده. والشرك الذي أراد نبي الله إبراهيم أن يقاومه بهذه العناصر هو في المكان وفي الملة، بحيث تبقى لا تتأثر بإضافات الناس، ولا تضيع ولا يضيعها أبناءه من بعده.
# أولاً : الإمامة
ونأخذ هذا المعنى من آية 124 من سورة البقرة إذ تقول
(وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ). إذا هذا عهد بين الله سبحانه وتعالى وبين نبي الله إبراهيم في أن يجعل الإمامة في ذريته، والإمامة تعني أن يكون للدين من يكون فيه إماماً .
اصطفى الله سبحانه وتعالى آل إبراهيم للنبوة والإمامة ، ويمكننا أن نصنف الإمامة إلى نوعين :
1- الإمامة المرجعية : وهي الإمامة المختصة بنبي الله إبراهيم، فهي إمامة باقية بصورتها المرجعية التاريخية الزمانية من أجل قياس الخطأ و الانحراف ومن أجل التصحيح. فهي إمامة قائمة دائمة لأنها إمامة مرجعية لكل من يأتي من بعده ، وكل من يستلم الإمامة إنما يستلمها خلفاً لنبي الله إبراهيم، والإمامة لا تنفك عن الملة الأساسية التي نزلت على نبي الله إبراهيم وإن تغير اسمها. الخلة
2- الإمامة المؤقتة: والتي تكون في كل إمام يخلف من قبله ويستلم الكتاب . وهي محدودة بفترة حياة هذا الإمام فإذا مات وغاب عن هذه الدنيا أتى إمام من بعده ليستلم العهد من بعده بالدعوة لله والدعوة لمناسك الله والدعوة للملة التي فيها آيات الله وفيها أوامر الله.
أصل النبوة والإمامة كانت في نبي الله إبراهيم (ع) ثم تفرعت إلى فرعين في أبناءه :
1- الأول : إسحاق
ومن إسحاق جاء يعقوب ومن يعقوب جاءت الأسباط، ومن الأسباط جاء نبي الله موسى (التوراة) ومنهم جاء عيسى ( الإنجيل).
2- الثاني: إسماعيل الذي جاء منه قريش ومن قريش جاء النبي محمد (ص) (القرآن).
ومن هذه الرؤية نريد أن نسأل: ما معنى الصلاة على النبي محمد وعلى آله بهذه الصيغة ( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)
1- لقد بارك الله سبحانه وتعالى في آل إبراهيم وجعل فيهم أنبياء ورسل وأئمة كثيرون وبالخصوص في نسل يعقوب الذي هو من بعد إسحاق وكما تقول الآية (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ) سورة هود (71). فقد كان نبي الله إبراهيم يريد الأبناء الصالحين الذين يحملون الملة من بعده، وكان يدعو بالولد من أجل ذلك فاستجاب الله له بأن أنجب إسماعيل وإسحاق، ومن إسحاق جاء بنو إسرائيل الذين هم أبناء يعقوب، أما من إسماعيل فجاء منه قريش ومن قريش جاء النبي محمد (ص).
2- ولأن النبوة والإمامة معهودة في آل إبراهيم من أول العهد، فإن الإمامة تحولت بعد بعثة النبي محمد (ص) إلى الفرع الإسماعيلي، فجاء النبي محمد بالرسالة وهي القرآن الكريم والتي هي مصداق (ملة إبراهيم ) وكانت فيه الإمامة وفي ذريته من بعده. ولقد كان النبي محمد (ص) يدعو بالولد (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) سورة الرعد (38). من أجل أن تتواصل هذه الإمامة من بعده كما كان يطلبها نبي الله إبراهيم (ع ) .
إذا هذا الدعاء ( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ) له علاقة بأن يبارك الله سبحانه وتعالى في نسل النبي محمد (ص) كما بارك في نسل إبراهيم من أجل أن يبعث من هذه السلالة أئمة يتمسكون بالكتاب ويرشدون الناس إليه.
# ملخص
والآن نصل إلى خاتمة هذه الحلقة بوضع ملخص لما تم تداوله في درس اليوم :
1- تحدثنا أولاً : أن الأنبياء أمتهم واحدة وإمامهم واحد .
2- استعرضنا من نهاية سورة البقرة بداية اصطفاء آل إبراهيم.
3- ذكرنا بعناصر الملة وهي : البيت ، والإمامة ، والكتاب.
4- تحدثنا أخيراً عن النبوة والإمامة في آل إبراهيم ، وأن إمامة إبراهيم هي إمامة باقية لأنها هي نقطة البداية، ولهذه النقطة أهمية في التصحيح، إذ أن نبي الله إبراهيم يسمى خليل الله لأن الدين جاء من خلال طلبه وإصراره ومن خلال دعاءه المتواصل لله سبحانه وتعالى . ثم استعرضنا بصورة مختصرة شجرة عائلة النبوة المندرجة من نبي الله إبراهيم والتي بارك الله فيها على مدى الأزمان استجابة لدعاء نبي الله إبراهيم في أن يجعل النبوة والإمامة والكتاب في ذريته من أجل بقاء الدين على مر العصور.
والحمد لله رب العالمين.