كونوا ربانيين
| quranic-commands# مقدمة
لا تكمن مشكلة الابتعاد عن القرآن في غياب وجوده المادي بيننا، لأنه موجود بالفعل وفي كل زاوية، وليست المشكلة في أنه لم تخرج خيراته، فقد اشتغل فيه الكثير ، ولكن المشكلة تكمن في كيفية وجوده بيننا، فقد يكون حاضرًا بكينونته المادية ولكنه غائب في نفس الوقت ولكن بصورة معنوية، فإذا غابت معانيه لن يتجسد في أفعالنا، ولن نراه قائمًا في حياتنا، لذا يمكن القول أن حضوره مادي وغيابه معنوي، وهو غياب لا ندركه ولا نشعر به و لانه كذلك فلا نشعر بخطورة ذلك الغياب علينا.
كل مجتمع له أفكاره الرئيسية التي تمثل عقله الباطن والتي تحدد مساراته العقدية والعملية، فالمجتمع يعيش في حقيقته مأمومًا وراء كتاب أو فكرة أو عدة أفكار، هي التي يتفاعل معها، وهي التي تمثل عقيدته الأساس، فإذا احتل القرآن تلك المرتبة صلح الناس، وإذا احتل غيره تلك المكانة أخطأوا في حساباتهم أو اعتباراتهم أو حتى في فهمهم للعلاقة السليمة مع الله.
كان الأنبياء يأمرون أتباعهم بأخذ المعارف الحقة من الكتاب السماوي، وقد أمرنا القرآن الكريم أمرًا صريحًا بوجوب السعي نحو دراسة كتاب الله دراسة مستفيضة تفي باستيعاب مقاصد الرسالة المنزلة، دراسة توجه الناس نحو المفاهيم الدينية الأصيلة، لتحتل المرتبة العليا في وجدانهم ، ومن أجل تغذية العقول والأرواح بما تحتاجه من مدد معرفي رباني صاف، لأن ذلك المدد كفيل بأن يصحح مسيرتهم وعلاقتهم مع الله، ويرمي بظلاله في حياتهم الإيمانية والدنيوية، وليترك أثره الواضح عليهم في سلوكياتهم العملية.
نحاول هنا وتحت عنوان: كونوا ربانيين ، أن نتحقق من الأمر الرباني بوجوب دراسة القرآن من آية "كونوا ربانيين" في سورة آل عمران، ثم ننتقل إلى تبيان بعض نتائج إهمال الدراسة في جوانب عملية وواقعية وذلك من خلال التأمل في أخطاء الأولين في حساباتهم و اعتباراتهم الإيمانية المستقاة من غير الكتاب، وفي سوء فهمهم لبعض الحقائق الإيمانية لبعدهم عن الآيات، الأمر الذي كان مآله الخسران في الدنيا والآخرة.
# أولًا : وجوب دراسة القرآن
ندرس أولًا وجوب دراسة القرآن الكريم من خلال آية صريحة تحدثت بهذا الأمر في سورة آل عمران، يقول الله عز وجل:
﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ آل عمران (79)
يلعب الكتاب المنزل دورًا كبيرًا في المجتمعات المؤمنة، فيكون سببًا في تطوره إن هم درسوه، أو سببًا في تخلفهم إن هم أهملوه، فالكتاب يمثل درعًا منيعًا ضد هجمات الشيطان وعبثه، لأنه يشكل حصانة فكرية وتربوية لأفراد المجتمع، ويحي وعيًا دينيًا عميقًا في الضمائر. الآية الكريمة تبيّن حقيقة تاريخية وقعت لأهل الكتاب، وتنقل أمرًا من أوامر الأنبياء إلى أتباعهم والمؤمنين بوجوب دراسة الكتاب المنزل وتعليمه للناس، وما تلك الوصية إلا لأهميتها وعلو شأنها، الآية الكريمة تقول وبشكل غير مباشر لأولئك الذين اتخذوا الأنبياء أربابًا من دون الله، لو كانت عندكم حصانة الكتاب المنزل ما وقعتم في مثل هذه المعتقدات الباطلة، وتعزي المشكلة إلى الجهل بحقائقه ومفاهيمه.
تبدأ الآية بنفي المقولات المدعاة على الرسل والتي على أساسها تأسس الباطل، بأسلوب النفي المطلق والذي لا يقبله مدرك لحقائق الكتاب ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ لا يمكن أن يصدر من نبي آتاه الله الكتاب وعرف مافيه أن يأمر بخلاف ما أنزل الله، أو أن يساوي نفسه بالرب فيأمر كما يأمر الله، بمعنى آخر لا يمكن أن يصدر الأمر من ربين اثنين، إنما هو رب واحد، وعليه لا يمكن أن نجد أوامر للنبي تخالف الكتاب، ولا يصح أن نقبل شيئًا كهذا، فالأنبياء لا يصدرون الأوامر من ذواتهم، وإنما يأخذونها من الكتاب عن الله.
أما التساؤل الذي تخفيه الآية فهو الموجه لأهل الكتاب في زمن التنزيل: كيف تقبلون ما يصلكم من أفكار دون أن تمحصوها وأنتم أهل كتاب؟ حتى وإن كانت بإسم نبيكم، إذ يجب أن تتحققوا مما يصلكم من خلال كتابكم! وإدراككم للمفاهيم الأصيلة فيه، لا أن تتجاوزا الكتاب وتتقبلوا مخالفته، فهذا لا ينبغي من أمة اختصها الله بهداه! ثم تتبع الآية ذلك النفي بسرد حقيقة ما يأمر به الأنبياء في هذا الصدد – بصورة عامة - فهم في المقابل يأمرون أتباعهم بأن يكونوا ربانيين ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ﴾، يا أهل الكتاب لقد أخطأتم المسار، كان الأمر الصادر من نبيكم هو أن تكونوا ربانيين، وأن لا تنخدعوا بأوامر من هنا وهناك، ولا تتبعوا غير ربكم الله ، كونوا تابعين لأوامره وحده لا شريك له، كونوا أهل الله وخاصته من الذين يقتفون طريق الأنبياء من خلال كتب السماء.
أما السبيل للوصول لتلك المرتبة الراقية فهو كما بينت الآية على لسان الأنبياء : ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ تتحقق هذه الصفة بأمرين اثنين، الأول هو تعليم الكتاب للناس، وإيصال مفاهيمه، والثاني بدراسة الكتاب، لفهمه وفهم أوامره، وقد قدمت الآية الكريمة أمر التعليم على الدراسة، على الرغم من أن الترتيب المنطقي يكون بالبدء بالدراسة ثم التعليم، لأنها تعطي الأهمية لهذه الوظيفة العظيمة، فالتعليم سلوك وعمل يجسد روح المؤمن الرباني، ودوره الأساس في هذه الدنيا، لذا تقدم هذا العمل الجليل على متطلبه وهو الدراسة، ثم يتبعه قوله تعالى ﴿ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ تأكيدًا على أن الدراسة هي الأساس في فهم مقاصد الكتاب وأحكامه.
هذا الأمر هو وصية الأنبياء التي يحفظها القرآن، وهي حجته على من انحرف من الأمم السابقة واشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وماكانوا مهتدين. هي وصية تبيّن المنهج وتعززه بالمسمى، فالمنهج هو التعلم والتعليم، والمسمى هو الرباني، والرباني كلمة مشبعة بالعبودة، فهو مؤمن منسوب للرب، يسير وفق أوامر ربه لا أوامر غيره، وهو المعنى الأعمق للتوحيد في قبال الشرك. الأمر الإلهي النبوي ﴿ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ﴾ يدفع المؤمنين لأن ينتقلوا من مرحلة إلى مرحلة أعلى، من مرحلة المتلقي، إلى مرحلة الدارس والممحص والمنتج للفكرة الدينية، وتلك مرحلة يصل لها المؤمن بالجهد والجد والمثابرة والمداومة على دراسة الكتاب،
الآية الكريمة تسرد الموقف التاريخي الصحيح للأنبياء من جهة، ومن جهة أخرى هي تأمر المؤمنين بتعلم القرآن وتعليمه، تعلمه كمرحلة أولى ثم تحمل من تعلم مسؤولية تعليمه ونشر علومه وإشاعة أفكاره ومفاهيمه، فإن هم فعلوا نالوا رضى ربهم وأصبحوا ربانيين، ونالوا الخيرية " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " وحظوا بحصانة الكتاب، وإن هم أهملوه وقعوا في حبائل ابليس وشرك الشيطان اللعين، الآية الكريمة تجعل المؤمنين أمام خيارين، إما أن يتدرجوا في سلم العلم الرباني للوصول إلى تلك المرتبة، أو الوقوع في الأخطاء، إما أن يستضيؤا بنور العلم فيكونوا ربانيين و متعلمين على سبيل نجاة، أو أن يكونوا همج رعاع ينعقون وراء كل ناعق. فإن بقي المجتمع المؤمن بلا معلمين ولا متعلمين، فهذا يقود إلى فقدان الموازين والإنسلاخ التدريجي من مفاهيم الكتاب دون شعور والوقوع في الأخطاء، وما مآل ذلك إلا الحسرة والندامة في الدنيا والآخرة كما يتحدث بذلك القرآن في مواضع مختلفة.
# ثانيًا : خطر إهمال الدراسة:
نستعرض وفي ثلاث مواضع في القرآن الكريم، ومن خلال ثلاث آيات وقوع الإنسان في خطأ في الحسابات والاعتبارات وفي سوء الفهم بسبب بعده من تحصيل العلم الرباني المنجي يوم القيامة من المصدر الحقيقي وهو كتاب الله.
# أ- خطأ الحسابات
يقول الله عز وجل في سورة الزمر:
﴿ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ﴾ الزمر (47)
الآية الكريمة تتحدث عن المفاجئة الكبرى التي تحدث يوم القيامة لبني البشر بشكل عام، وللمؤمنين بالرسالة نفسها بشكل خاص، هذه المفاجئة تطال الذين ظلموا بجميع طوائفهم وفئاتهم ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ العبارة تبيّن عظم العذاب الذي يدفع الإنسان للتخلي عن كل ممتلكاته من أجل الخلاص من العذاب، الإنسان يتحمل الأعباء والتعب والإرهاق من أجل أن يملك شيئًا من حطام الدنيا، فإذا ملك تعلق قلبه بما يملك إلى آخر نفس في حياته، أما في تلك اللحظة التي تصفها الآية فلو ملك الإنسان الأرض وما عليها ومثله معه، فهو مستعد للتخلي عن كل ما يملك من متاع هذه الدنيا من أجل أن يتخلص من ذلك العذاب!
ثم تختم الآية بالقول : ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ﴾، فما الذي تعنيه الآية الكريمة بهذا البداء غير المتوقع؟ تعني أنهم يعرفون الآخرة ويعملون لها، ولكنهم يجدون في ذلك اليوم مالم يكن في الحسبان، وبدلًا من أن يستقبلوا الفوز والسعادة الأبدية، تظهر الحقيقة على خلاف التوقعات، ويكون المآل هو الخسران المبين، فما الذي أوصلهم لتلك النهاية المفاجئة؟ والتي لم تكن في الحسبان ؟
الخطأ ليس في القناعة ولا في الإيمان، فهم يؤمنون بالآخرة كعنوان، ولكن الخطأ في الحسابات والموازين، لقد أخطأوا في حساباتهم الأخروية، وأخذوها بناءًا على الأهواء لا من الكتاب، إذًا هم لم يغذوا أنفسهم بالمعرفة، ولم يأخذوا حقيقة ذلك اليوم من كتاب الله، فإذا ضعف تعلق المؤمن بالكتاب سقط في الوهم وراح يجري وراء السراب، ثم إذا جاءه وجد الله عنده فوفاه حسابه.
مشهد الخذلان الذي تنقله هذه الآية ليس الوحيد في القرآن، فالآيات تنقل صور مختلفة، والمفاجئات كثيرة، يتعداه من الحسابات إلى الاعتبارات، فقد يقوم المؤمن ببعض الأفعال وهو لا يعلم حقيقة ما يقوم به، فيكون النبأ عن حقيقة فعله في يوم القيامة، ويكون التبيان أن ذلك الفعل لم يكن سوى نفاق أو كفر أو شرك، أو ماشابه.
# ب- خطأ الاعتبارات
يقول الله تعالى :
﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ التوبة (94)
الآية الكريمة تتحدث عن المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله في الحرب الأخيرة في حياة الرسول، إذ كان النفير واجبًا على الجميع، وتقول : ﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ﴾ الآية تخبر عن سلوك المنافقين حين يرجع المؤمنون إلى المدينة، بأنهم سيبادرون بالإعتذار عن الاستجابة لدعوى الرسول بالنفير العام، وسيقدمون لكم ما يبيّن صدق نواياهم وامتناع قدرتهم عن اللحاق بالركب، والآية تعطي الرسول والمؤمنين الرد على مثل تلك الإعتذارات ﴿ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ ﴾ لن نصدق هذه الاعتذارات، ﴿ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ﴾ قد علمنا من الله عن حقيقتكم، ﴿ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ﴾ ستظهر حقيقتكم من خلال سلوكياتهم في قابل الأيام، وسيراها الله عز وجل لتسجل وتحاسبوا عليها، وسيراها الرسول لتنكشف سرائركم أكثر فأكثر.
ثم تقول الآية الكريمة ﴿ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾! ثم بعد أن تقضوا هذه الحياة الدنيا في النفاق، سيأتي اليوم الذي تردون فيه إلى الله، وهو العالم بحقيقة كل سلوك وكل تصرف، وإن حاولتم مداراة حقيقة ما في نفوسكم، لينبئكم بما كنتم تعملون! السؤال : كيف ينبئهم الله بما كانوا يعلمون؟ أليسوا يعلمون بأفعالهم ومواقفهم ونواياهم تجاه الرسول والرسالة؟ على أن النبأ يأتي للإخبار عن شيء مخفي عن الإنسان، كيف وهم شاهدون على أنفسهم بما فعلوا؟! والمعنى أنهم يفعلون ولكن لا يشعرون بمعنى أفعالهم في ميزان الله؟
هم لا يعلمون أن حقيقة أفعالهم تعني الاستهزاء بالله ورسوله وآياته، هم يظنون أن أفعالهم مقبولة منطقيًا، ولكن الله عز وجل يبيّن لهم يوم القيامة فداحة الأمر، فليس من الضروري أن يكون النفاق حالة عدائية صريحة الملامح، فقد يكون حالة مخفية يعيشها المؤمن وهو لا يشعر، فيجيء يوم القيامة ليكشف له الله عز وجل حقيقة ما هو عليه، ويترجم له معنى سلوكياته ومؤداها، وهكذا يكون النبأ جديد على المنافق لأنه يفعل وهو لا يعلم بالمعاني الحقيقية لأفعاله.
لقد تعامل المنافقون باستهتار واستخفاف بالأمر الرباني مع الرسول ومع المؤمنين، ويظنون أنهم لا يرتكبون الأخطاء في حق أنفسهم وفي حق الرسالة، ثم يجيئ القرآن ليفاجئهم بحقائق أخفى من هذا الظاهر، ويبدي لهم أن حقيقة أفعالهم إنما تنم عن النفاق، ويترجم معنى كل سلوك من تلك السلوكيات انطلاقًا من جذورها النفسية والقلبية. ليتضح للمؤمن عظم ما كانوا يفعلون، والله يعدهم أن يكشف لهم حقائق أكثر من ذلك يوم القيامة، وهذا يعني أن هناك أفعال نظن أنها عادية وبسيطة، ولكنها عظيمة في جنب الله ولكننا لا نعيها ولا ندركها لقلة العلم وخطأ الاعتبارات.
# ج- سوء الفهم
يقول الله تعالى :
﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴾ لقمان (25)
الآية الكريمة تتحدث عن أولئك الذين قادهم الجهل للتعامل بسطحية مع مفاهيم الإيمان، فيحققون الإجابة الصحيحة بألسنتهم، ولكنهم يخطئون في أفعالهم، يحققون الإخلاص لله والتوحيد له في أقوالهم، ولكنهم في الأفعال يشركون به، وما ذاك إلا لقلة فهمهم لحقيقة ما أنزل الله في الإيمان والإخلاص لله وحده ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ هذه الفئة تعطي إجابة صحيحة عن سؤال الخالقية، فهي تعرف من هو الخالق، ولكن لا يترتب على تلك الإجابة حدودًا، لأنها لم تعرف مفهوم الخالقية وما يترتب عليه من خلال ما أنزل الله، فالآية تبيّن ذلك التناقض بين القول والفعل، والنابع من الجهل والتعصب، لذا تختم بالقول : ﴿ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴾ قل الحمد لله على ما أنزله الله من علم ومعرفة أدت إلى الفهم والمعرفة لمن آمن ودرس كتاب الله.
# الخاتمة
أنزل القرآن الكريم كمشروع إصلاح لما أفسده الشيطان في الأمم السابقة، وليعيد تأسيس الإسلام على قواعد ثابتة وأصيلة، فعمل كمرشح للباطل ومقاوم للفساد، وإن أولى ثِمار دراسته وتعلمه ونشر ثقافته هي اكتساب المناعة المقاومة لضلالات الشيطان وانحرافات البشر. ولقد تبين من آية "كونوا ربانيين" أن الربانيين هم فئة مؤمنة اكتسبوا تلك الصفة من خلال دراستهم لكتاب الله، وحملهم على عاتقهم مسؤولية إيصال تلك المفاهيم والأحكام والحقائق لغيرهم، المؤمن الرباني يرى الواقع بصورة مختلفة عن ما يراه المؤمن الذي لم يستضيئ بنور العلم، فهو لا ينعق وراء كل ناعق، وميزانه في رؤية الأمور ميزان الحق الذي أنزله الله، والآية الكريمة تأمر عموم المؤمنين للتوجه بهذا الاتجاه والارتقاء لهذه المرتبة من خلال دراسة القرآن.
دراسة القرآن الكريم تعني دراسة مواضيعه الأساسية التي تحدث فيها، وإعطائها الأولوية، فقضايا الإنسان والإيمان متكررة في كل زمان ومكان، ودراسة الكتاب تتلخص في مرحلتين، الأولى هي التأمل والتفكير في أبعاد ما يُقرأ من آيات، والثانية في فهم الواقع على ضوء تلك الدراسة، فبعد أن تتضح للدارس قضايا القرآن الأساسية، يصبح لديه منظارًا ينظر من خلاله للواقع ويفسره بناءًا على تلك الرؤية وذلك المنظار الرباني، وقد أوضح القرآن كثير من الحقائق المتعلقة بالناس وطرق انحرافهم عن الحق، وذكر الكثير من النماذج التاريخية التي تبيّنها وتؤكد عليها، الأمر الذي يجعل المؤمن على بيّنة واطلاع في فهم تلك القضايا الإيمانية .
أما الواقع، فأمام المؤمن واقعان، الأول هو واقع الآخرين بما يحمل من أخطاء وانحراف وابتعاد عن منهج الله، أما الثاني فهو واقعه المعاش، والأولى بالتوجه هو واقعه على المستويين الفردي والجماعي، فالقرآن دائمًا ما يوجه أصحاب الكتب السماوية لأن يجسدوا مفاهيم الكتاب في حياتهم، وأن يحيوه في سلوكياتهم، ويوجه الانتقاد لأولئك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب.
عندما نتحدث عن التدبر العملي أو الدراسة العملية للقرآن، فلابد لنا أن نتحدث عن الإتجاه الصحيح لهذه الدراسة، فهي الدراسة التي توجه أسهم الاتهام نحو الذات، والتي تعمل كمرآة نرى من خلالها أنفسنا لا الدراسة التي نرى من خلالها الآخر وحسب، لأن الآخر الذي يخالفنا مرئي مشاهد بعيوبه وأخطاءه وكل انحرافاته، إننا بأمس الحاجة إلى قراءة قرآنية تنبئنا عن أنفسنا قبل غيرنا، وقبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله، فنكتشف أخطاء حساباتنا وخلل الموازين التي وزنا بها الأمور لا سمح الله، وذلك لا يتأتى إلا بنظرة هادئة موضوعية، فلفهم الواقع من خلال القرآن فهمًا دقيقًا علينا أن نتحلى بالموضوعية التامة و أن لا ننخدع بتزكية النفس، وتزيين ابليس الرجيم.
"كونوا ربانيين" هي دعوة الأنبياء لأتباعهم وللمؤمنين برسالات السماء، هي دعوة لأن تكون هناك أمة من المؤمنين يدعون إلى الله على بصيرة، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، يفهمون واقعهم برؤية إيمانية، وينطلقون في تغيير هذه النفس وتطويعها إلى حيث مرضاة الله، علمًا منهم بأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فإذا تغيروا كانت قوة دعوتهم أكثر تأثيرًا. إن الدراسة الجادة لكتاب الله تحمي المؤمن من خسارة الدنيا والآخرة، وتردم الفجوة بين الواقع وبين النص من خلال رسالة السماء ومعرفة الله والإسلام والدين معرفة حقيقية.