مدونة حلمي العلق

بلى قد جاءتك آياتي

 | quranic-commands

مقدمة

قد نتصور أن مسألة دراسة القرآن وتدبره مسألة مستحبة، يثاب من قام بها، ولا يعاقب من تخلف عنها، لكننا في الحقيقة حين نقترب من آيات الله التي تتحدث في هذا الموضوع بالتحديد، نجد ارتباط النجاة الأخروي بالإلتزام بما أنزل الله، تلك الآيات لا شك أنها تدعو لتفعيل المعرفة القرآنية وتصحيح الأفكار و الأفعال بناءًا على تعاليم القرآن وتوجيهاته وإلا فإن الإنسان سيواجه مصيرًا سيئًا يوم القيامة، الأمر الذي يجعل من دراسته متطلبًا أساسيًا.

في هذه السلسلة من الدروس وهي تحت عنوان ( تعاليم القرآن الكريم ) ننظر فيها كيف يوجهنا القرآن نحو دراسة تلك التعاليم الأساسية، و الرسالة الكبرى والتي هي الأولى بالتعلم والتطبيق، وعلى الرغم من أن هذا الكتاب باطنه عميقٌ لا يصل إلى كنهه إلا الخواص، إلا أنه بليغُ في حجته للعوام أيضًا، وما قامت تلك الحجة إلا لأن تلك الأوامر بيّنة واضحة قائمة على الجميع، وحتى يكون القرآن حجة لنا لا علينا كان لابد أن تتحول دراسة القرآن وتدبره إلى سلوك دائم لا ينقطع، إن الأوامر التي يعتني القرآن بأن يتوجه لها الجميع لا يمكن أن تكون للخواص، لأنها حجة الله على الخلق، وفي هذا المستوى يمكن أن يقال عن القرآن الكريم أنه بين واضح وحجته بالغة. في هذه السلسلة نحاول أن نجيب على هذا السؤال وكذلك الأسئلة المتعلقة به مثل: ماهو أهم علم يجب أن يتعلمه المؤمن؟ وماهي علاقة القرآن ببقية الكتب؟ وما هو المستوى الذي يجب أن يكون عليه الفرد المؤمن؟

في الدرس الأول وهو تحت عنوان " بلى قد جاءتك آياتي" نتحدث عن الأهمية التي يوليها القرآن لدراسة الكتب السماوية لفهم تعاليم السماء واستيعابها على سبيل نجاة، وحتى لا يبقى المؤمن بهذا الكتاب في صف الهمج الرعاع الذين ينعقون وراء كل ناعق، ولأن هذا العلم هو وسيلة النجاة فإننا سنرى ارتباطه بمصير الآخرة الذي هو المآل النهائي والفوز الأكبر الذي لا يعلو عليه فوز آخر.

ستكون هذه الدراسة في ثلاث مقاطع من الآيات المباركة، الأول من سورة الأنعام في الآيات من (155) إلى (157)، وهي الآيات التي تلت ذكر الوصايا العشر في هذه السورة المباركة، ثم ننتقل للحديث عن نفس المضمون في آيات أخر في سورة الزمر المباركة من آية (55) إلى (59)، ثم نختم بآية (47) من سورة الشورى وهي الآية الكريمة التي ابتدأت بقوله تعالى " استجيبوا لربكم ".

بلى قد جاءتك آياتي

يقول الله عز وجل وبعد سرد تعاليم ملة إبراهيم والمسماة بالوصايا العشر في سورة الأنعام :

﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ۝ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ۝ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ ﴾ الأنعام (155) -(157).

الآيات الكريمة تتحدث بجلاء عن أهمية دراسة القرآن الكريم، وهي تلقي الحجة على العرب الذين نزل القرآن بلغتهم من أجل أن يدرسوه ثم يتبعوا تعاليمه، نقترب من آيات هذا المقطع:

يقول الله عز وجل :

﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ الأنعام (155)

﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ﴾ "هذا " اسم إشارة للقريب يشير إلى القرآن الكريم، وتصفه الآية بأنه كتاب مبارك أي كثير البركة، كثير الخير، كثير العطاء، فهو نبعٌ صاف يعطي على الدوام كلما أخذت منه لا ينضب، ثم تأمر بأن نجعله في المقدمة لنسير خلفه بتقوى رجاء الحصول على رحمة الله وتؤكد ﴿ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾. إذًا القرآن الكريم قائدٌ يقودُ أتباعه للرضا والرحمة الربانية.

ثم تكمل الآية التالية بقولها :

﴿ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ﴾ الأنعام (157)

الآية تعقيب على الآية السابقة التي أمرت باتباع القرآن، وتوجه الخطاب بالخصوص للعرب، متبدأة بالقول : ﴿ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا ﴾ أي لقد أنزلنا إليكم هذا القرآن وهو بين أيديكم الآن لكي لا تقولوا إن الكتب السماوية التي سبقته إنما أنزلت على طائفتين من قبلنا، فلقد أُنزل القرآن عربي مبين، والمقصود بالطائفتين هما اليهود والنصارى أتباع التوراة والإنجيل لأنهما سبقا نزول القرآن، وهذين الكتابين نزلا بلغتين أعجميتين بالنسبة للعرب. ثم تكمل الآية ﴿ وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ﴾ فقد تحتجوا يوم القيامة بقولكم أننا كنا لا ندري عن علومهم ولا عن دراستهم فقد كانوا يدرسون الكتاب ويعلمون الأخبار الربانية، ويأخذون أوامر الله ونحن في غفلة عن ذلك ولم نكن نعلم شيئًا من علومها فلا ذنب لنا إن لم نطبق.

هتان الآيتان تتحدثان بالخصوص للعرب، تلقي عليهم الحجة وتحملهم مسؤولية القرآن كما حمل بنوا إسرائيل مسؤولية التوراة، وكما حمل النصارى مسؤولية الإنجيل، وهي تتحدث بأسلوب سد الذرائع وإغلاق أبواب التهرب من تحمل هذه المسؤولية، أو مواجهة النفس بحقائقه، وبنزول القرآن أصبحت الحجة على العرب وليست لهم، والحديث هنا هو على سبيل الإلزام بدراسة القرآن، وفقه ما فيه من علوم وحقائق، والعمل بمقتضى تلك التعاليم، وعدم تغافلها، وإلا فما فائدة هذه الحجة ؟

الآية التالية تكمل سد ذريعة أخرى..

﴿ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ ﴾ الأنعام (155) -(157).

تستكمل هذه الآية بنفس الأسلوب السابق، لتغلق بابًا قد يتذرع به من أنزل القرآن بلغتهم يوم القيامة، فتقول: ﴿ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ ﴾ فقد تدّعوا أن الكتاب السماوي لم يكن في أيدينا لكي نتدارسه! لو كان بين أيدينا لرأيتنا أهدى من تلك الطوائف التي أُنزل عليها كتاب ثم نبذوه وراء ظهورهم ﴿ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ فهذا القرآن بين أيديكم اليوم لا تُخفى معالمه وهدى ورحمة لكم ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ﴾ فمن سيكون أشد ظلمًا ممن كذّب بآيات الله، ولم يؤمن بها ولم يفعّلها، وصدف عنها أي جفاها وقلاها وانصرف عنها تعمدًا لشيء آخر؟!

﴿ سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ ﴾ تختم الآية بتوجيه الوعيد لمن ينصرف عن هذه الآيات ولا يلتفت إلى تعاليم الكتاب ولا يطبقها، و هذا التهديد وإن بدا عامًا، إلا أنه يحمل خصوصية في توجهه للعرب الذين أنزل الكتاب بلغتهم ولسانهم، والذين توجهت الآيات السابقة بالحديث لهم.

هذه الآيات حجة واضحة علينا، تأمر وعلى المستوى الجمعي بدراسة هذا الكتاب البيّن، جاءت في نهايات سورة الأنعام، و بعد الحديث عن ما آلت إليه قريش وما وصل له أهل الكتاب إبان نزول القرآن من انحراف عن ملة إبراهيم وتغيير كبير في معالم العقيدة والأوامر الربانية، فالآيات وإن كانت تتحدث بخصوصية ذلك الزمان الذي ظهرت فيه الانحرافات عن الملة إلا أنها تعد مذكرًا ومرشدًا لمن جاء من بعدهم، بأن يعودوا للأصل ليستمدوا منه تعاليمهم، ويقيسوا من خلاله مدى انسجام واقعهم معه.

قد نتصور أن هذا الخطاب كونه موجه للجماعة فإنه يُعفي الفرد من ذات المطلب، ولكن بالتأمل والبحث نجد وجود آيات أخر نبهت لخطورة عدم الأخذ بما أنزل الله على المستوى الفردي أيضًا، نجد ذلك في سورة الزمر :

يقول الله عز وجل :

﴿ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ۝ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ ۝ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ ۝ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ۝ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ ﴾ الزمر (55)-(59)

هذه آيات أخر تأمر بما أمرت به الآيات السابقة في سورة الأنعام بأن اتبعوا ما أُنزل إليكم من ربكم، وتحث على المسارعة في ذلك، وتبيّن أن العذاب في الآخرة بالابتعاد عنها، نحاول أن نعيش هذه الآيات الكريمة علنا نستشعر أهمية دراسة تعاليم الكتب السماوية على المستوى الفردي.

يقول الله عز وجل:

﴿ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ الزمر (55)

خطاب شامل لكل من نزل القرآن بلغتهم بما فيهم المؤمنون الذين ساروا على نهج تعاليم السماء، فقد يبتعدوا عنها وهم لا يشعرون، الآية الكريمة تشدد على ضرورة الاتباع ﴿ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ والمعنى اتبعوا هذا الكتاب فقد تنجذبون إلى شيء آخر يحرفكم عنه، ونعلم أن هذا الاتباع يتطلب دراسة، والآية الكريمة تحث على المسارعة في هذا الأمر ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ والعذاب المباغت هو عذاب الآخرة، فقد يأتي الموت المفاجئ لينقل المرء إلى عالم الآخرة وهو لم يُسلم تمام الإسلام لما أنزل الله.

الآية التالية تقول:

﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ ۝ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ ۝ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ﴾ الزمر (56)-(58)

وكما تحدثت آيات سورة الأنعام، فهذه الآيات تستعرض هي الأخرى ما يمكن للمرء أن يقوله يوم القيامة إن هو واجه الحقيقة، وتذكر ثلاث مقولات قد تصدر من الإنسان، فهو إما أن يعبّر عن حسرته أو يسوق التبريرات أو يطالب بالرجوع للدنيا لتغيير الأعمال! هذه الآيات الكريمة ترسم للمبتعد عن كتاب الله صورة عن نفسه يوم القيامة، وتبين له المآل الذي سيقابله، فالاستهتار في هذا الأمر قد يدخل الإنسان في دوامة الحسرة والندامة ﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ ﴾ كلمة التفريط تعني أن المتحدث لم يعط هذا الأمر حقه مع علمه به، وإنما أنزله منزلة أقل منه، وللتو - بعد أن رأى الأهوال والعذاب - علم أن سلوكه مع هذا الكتاب كان بمثابة السخرية ﴿ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِين ﴾. فكل من يستشعر خطر يوم القيامة يسعى جادًا لمعرفة أوامر الله دون تهاون في سبيل إنقاذ نفسه، هذه هي المقولة الأولى.

المقولة الثانية: ﴿ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِين ﴾ والقائل بهذا يريد أن يقول لم تصلني الهداية حتى أهتدي، فلو جاءت ولم أطبقها فأنا ملام، ولكنها لم تأت! ولم أعلم بها! فلم أُلام أو أُعذب ؟! ومناط الملامة هنا أنه لم يسع، فهذا القول يجعل من التراجع عن كتاب الله أو التباطؤ فيه أمرًا مقبولًا في الدين، لكن الآية تقول غير ذلك! فهي تبيّن أن الحصول على الهداية ليس حقًا مكتسبًا لكل من ادعى الإيمان، وإنما هو حقُ مشروطُ بالرغبة الحقيقية والنيّة الصادقة والسعي والاجتهاد. وهي إذ تخبرنا بذلك النبأ فهي تدعو لأن يصحح الإنسان أفكاره ويغير سلوكه حول هذا الموضوع.

أما المقولة الثالثة فهي: ﴿ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ﴾ وهي مطالبة بالعودة للدنيا من أجل التغيير وتصحيح المسار، والآية تربط تلك المطالبة برؤية العذاب، فحين يرى الإنسان ذلك المآل يدّعي أنه لو رجع مرة أخرى فإنه لن يكون من المطبقين وحسب، بل وسيكون من المحسنين في تطبيق تعاليم الكتب السماوية.

ولكن القرآن يبيّن أن لا اكتراث لكل تلك المقولات لا بالحسرات، ولا ادعاء الرغبة في الهداية، ولا المطالب بالرجوع مرة أخرى، وهذا التبيين يجري على سبيل قد أعذر من أنذر.

الآية المباركة التالية تبيّن ذلك الإعذار:

﴿ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ ﴾ الزمر (59)

قوله تعالى : ﴿ بلى ﴾ هو من أجل نفي كل تلك المقولات السابقة، ولإثبات الحقيقة الربانية التي تتحدث بها الآية، وهي أن الآيات جاءتك لكنك لم تكترث لها، والآية تعد عدم الاكتراث هذا تكذيبًا ﴿ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ ﴾ وبالتأمل في التعبير الرباني "آياتي" الذي ينسب الآيات لله عز وجل يتضح سبب رفض كل تلك المقولات، فللآيات قداسة وعظمة كان من الواجب على الإنسان أن يلتفت لها في الدنيا قبل الآخرة، وأن حقيقة ذلك الشخص الذي افترض أن الهداية تأتيه جاهزة دون عناء ولم يسع في تحصيل علمها هي أنه كان من المكذبين ﴿ وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ ﴾ هكذا توضع الموازين الحق، وتظهر الحقائق.

إذًا هذه الآيات المباركة توجهنا نحو مشروع الهداية و دراسة الأوامر والتعاليم الربانية في القرآن الكريم، وتحذر من التغافل عن هذا الأمر والانشغال عنه كما فعلت آيات سورة الأنعام السابقة، سورة الأنعام تحدثت بصيغة الجماعة، هذه الآيات تحدثت للفرد وهكذا يمكننا أن نقف أمام آيات أخرى تحمل نفس المضمون وتحث على نفس الاتجاه، نختم بآية الدعوة للاستجابة لله عز وجل.

يقول الله عز وجل :

﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ﴾ الشورى (47)

لقد أنزل الله تبارك وتعالى تعاليم بيّنة واضحة في الكتاب وهو الآن في هذه الآية يأمر بالاستجابة لها ﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ ﴾ والرب هو الآمر الذي يجب أن يطاع كوننا مربوبين عبيد بين يديه، الآية الآنفة الذكر كانت تقول ﴿ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي ﴾ لأن الآيات هي مصدر الأمر الذي يجب أن نستجيب له، وهذه الآية تؤكد على ضرورة التوجه لتلك الأوامر والمسارعة فيها قبل نفاذ الوقت كما سابقتها ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّهِ ﴾ فقد يأتي على الإنسان يومُ تنتهي فيه حياته وينتقل لدار الآخرة ويرى نفسه أمام الحقيقة ويرى ما أعده الله لمن استخف بما أنزله من أوامر، ويرى حقائق الكتاب ماثلة أمامه وإن حاول الهروب منها فلا مهرب، وإن طالب بالعودة للدنيا فلا يستطيع وإن حاول الهرب مما يواجهه فلا وسيلة لذلك ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ﴾.

خاتمة

لقد جاء القرآن الكريم كي يصحح مسار الذين آمنوا من قبلنا أولئك الذين أنزل الله إليهم كتب سماوية إلى الاتجاه الصحيح، و يؤسس للذين آمنوا به الطريقة المثلى في اكتساب العقائد والأوامر الدينية، فالأوامر الدينية لا تؤخذ بالشهرة والشياع، ولكن تؤخذ من مصدرها الصحيح وهو الكتاب المنزل، ولقد نزل القرآن الكريم حاملًا رسالة محورية هي نبذ الشرك والتوجه لله بإخلاص، وحوى أوامر فرعية تتمم ذلك المشروع الرباني الكبير، وهذه الرسالة الربانية التي حملت هذا المشروع الوحدوي الجامع هي رسالة خالدة عبر الزمان، وكلمة باقية عبر الأجيال.

لقد درسنا وفي ثلاث مقاطع مختلفة وتبين لنا أن دراسة القرآن الكريم أمر مهم على مستوى الجماعة والفرد، وكان ذلك في سورة الأعراف وفي الآيات التي بدأت بقوله تعالى " وهذا كتاب أنزلناه" والتي كانت تخاطب العرب جمعاء، وتبين لهم أن لا حجة لكم في تخلفكم عن هذا المشروع الهام، أما الموضع الثاني فقد كان في سورة الزمر في آيات " أن تقول نفس " وقد كانت هذه الآيات تخاطب الفرد بنفس المضمون، وكانت الآيات في المقطعين تنقلان مآل الآخرة، وتبددان كل المبررات التي قد يسوقها المجموع أو الفرد لتراجعه عن ذلك.

وختمنا بآية في سورة الشورى تبتدئ بقوله تعالى "استجيبوا لربكم" وقد توجهت بالخطاب للمؤمنين بأمر صريح مباشر وواضح بوجوب الاستجابة للتعاليم الربانية، وإذا كانت هذه الآية بهذا الوضوح، فلابد وأن تكون أوامره عز وجل بيّنة واضحة كذلك، حتى يتم الاستجابة لها، الآية لا تدعو للتغيير على مقتضى تلك الأوامر وحسب، بل وتدعوا للمسارعة فيها وتعطي الحد الزماني النهائي لذلك وهو انتقال الإنسان إلى دار الآخرة، وهو أمر يأتي للإنسان بشكل مفاجئ.