أم لكم سلطان مبين
| quranic-commands# مقدمة
وجدنا في الدرس السابق وفي الحديث عن حقائق تتعلق بأوامر الله عز وجل كالقبلة أو حقيقة الصفا والمروة أو ما يأمر به الله في موضوع الطعام، في كل تلك المواضيع كان الحكم الفصل هو الكتاب المنزل لا سواه، فهو الحجة البالغة، ولقد اتضح لنا كيف يسقط الادعاء بوجود أمر في الدين فقط لمجرد عدم تواجده في الكتاب المنزل؟ والسؤال الذي نطرحه في هذا الدرس هو : حين ننوي أن ندرس أوامر الله، هل يوجد كتابٌ آخر غير الكتاب المنزل يحوي تلك الأوامر؟ هل يمكن لأي مصدر آخر أن يضيف أو أن يلغي أي أمر من أوامر الله النازلة في كتابه؟ أو بصيغة أخرى: هل يسمح القرآن الكريم أن نجعل من أي كتاب آخر مصدرًا لأوامر الله؟
الإجابة على هذا السؤال بصورة موجزة يمكن أن نجدها تحت طيات التساؤل القرآني : ﴿ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ ﴾ والسلطان المبين هو الوصف الذي وصف الله به كتابه المنزل، فهذا الكتاب هو المصدر الذي يمتلك سلطة حقة على الناس لأنه صادر من عند الرب الأعلى، لذا كان لزامًا أن ينفذ، ولا يملك غير هذا الكتاب هذه الخاصية وهذه الميزة، ولهذه الإجابة الموجزة تفصيل في آيات القرآن، حيث يمكننا ومن خلال الآيات الكريمة أن نتسشعر المكانة المفترضة للقرآن وللكتب السماوية في هذا الشأن.
في هذا الدرس نناقش المرتبة التي يتبوأها الكتاب السماوي في قبال بقية الكتب الأرضية من ناحية مصدرية الأمر، حيث سنجد أن الكتاب السماوي هو الذي يحتل هذه المرتبة ولا سواه، نناقش هذا الأمر في اربع مواضع في القرآن الكريم، كل تلك المواضع تشير إلى هذا المعنى وتبين كونه سلطانًا مبينًا.
# الشاهد الأول
هو مقطع من الآيات في سورة القلم تناقش موضوع مساواة المسلم للآيات والمنفذ لأوامرها في قبال الذي أجرم في حقها، وتناقش ذلك بصورة عقلية أولًأ ثم تنتقل للسؤال عن مصدر تلك المعتقدات، يقول الله عز وجل:
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ﴾ القلم (35)-(39)
الآية الكريمة تتساءل هل يتساوى المسلم لله مع المجرم الذي اعتدى على أوامر الكتاب وحرف الناس عنها؟ ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ﴾ هل هؤلاء يتساوون؟ كيف تكون مكانة الذي ابتعد عن أوامر الله كمكانة الذي أسلم لله في كتبه؟! وتطرح التساؤل الاستهجاني لهكذا اعتقاد ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾؟ ما لكم كيف تحكمون بمساواة من عبد الله وأسلم له واتبع رضوانه واستجاب لأوامره بمن فسق عن أمر ربه وتجاوز حدوده ولم يرع حق ربه ؟ وأجرم في حق هذه الأوامر بالإضافة أو النقيصة فيها، هل يتساوون؟ العقل يرفض هذا التساوي!
تنتقل الآية لطرح التساؤل من الجانب النقلي : ﴿ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ﴾ إن لم يكن ذاك هو من عندياتكم وصادر من عقولكم، فهل هذا يعني أنكم استلهمتم تلك العقيدة من خلال كتاب أنزله الله إليكم؟ وبعد دراسته اتضح لكم أن كل من انتمى لكم كان أهلاً أن يدخل الجنة ليتساوى مع من عبد الله حق عبادته؟ ﴿ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ ﴾ أن لكم ما تختارونه من عقيدة في ذلك الكتاب، فيحق لكم أن تؤمنوا ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، وتختارون من العقيدة ما تههون وتضيفونه إلى الدين والذي تقرونه هو الذي سيكون؟! فهل أنزل عليكم كتاب وأعطاكم الحق في اختيار ما تشاؤون منه؟ وهل الدين يأتي من عند الرب أم عند العبيد المربوبين؟ ﴿ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ﴾ أم أن الله عهد إليكم بعهد بالغ إلى يوم القيامة أن احكموا بما شئتم من عقائد وما تحكمون به سيؤخذه الله منكم ليحكم به يوم القيامة.
لقد ناقشت الآيات الكريمة موضوع الحكم بدخول الجنة من جانبين: الأول هو العقلي، والثاني هو النقلي، من الجانب العقلي طرحت التساؤل : " ما لكم كيف تحكمون " ؟ والذي يهدف لإرجاع الإنسان إلى عقله، وتبين له أن تفكيره تجمد عن الحركة حين حكم بهذا الحكم، وأما الجانب الآخر فكان التساؤل من الجانب النقلي : أم لكم كتاب فيه تدرسون؟ الأمر الذي يعطي الأهمية للرجوع للكتاب المنزل من عند الله، وأن اسنتناج العقيدة الحقة يكون من خلال الدراسة الجادة لذلك الكتاب.
هذه الآيات الكريمة تعطي دلالة بينة على أهمية الكتاب من الناحية الاستدلالية على أي عقيدة يعتقدها المؤمن، وأن الله لا يقبل من المؤمن العقائد أو الأوامر التي لا دليل لها، ومع علمنا أن أهل الكتاب كان لديهم من الكتب التي يكتبونها بأيديهم ما يؤيد مثل تلك العقائد، وأنها تنتشر في أوساط الأميين الذين لا يعلمون الكتاب منهم ، نعلم أن المقصود بالكتاب الذي يجب أن يدرسوه من أجل استخلاص العقيدة الصحيحة هو الكتاب المنزل لا سواه. وهذا بدوره يؤكد أن أمر الله محصور في كتبه وليس لأي مصدر آخر وأي كتاب آخر هذه المرتبة.
# الشاهد الثاني
هو مقطع من سورة الصافات يبين حالة الشرك التي كانت تعيشها قريش، حيث سادت بين مشركي مكة عقيدة باطلة مفادها أن الملائكة هم بنات الله، وأنهم وسيلة للتقرب لله عز وجل من خلال التوجه لهم، وجاء القرآن الكريم ليفنذ هذا المفهوم بطرح التساؤلات أيضًا وإعادة الحق إلى نصابه، يقول الله عز وجل في سورة الصافات:
﴿ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ الصافات (150)-(157)
الآية الأولى تطرح التساؤل حول طبيعة خلق الملائكة المدعاة ﴿ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ ﴾هل كان هؤلاء شاهدين عندما خلق الله الملائكة ؟ فرأوأ أنه سبحانه خلقهم إناثًا لينبئوا عنهم نبأ من شهد الحدث ؟! ثم تتوجه الآية التالية بوصف هذا القول بالإفك وهو الكذب الشديد ﴿ أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ﴾ وفي العبارة ما يدل على الجرأة المتزايدة التي تجعل من الإنسان يدعي عن الغيبات الدينية والتي هي من اختصاص الكتب المنزلة وكأنه يعلم، والإفك هو الكذب بالباطل والذي عليه يترتب أمر ما، فالإفك في خلق الملائكة يترتب عليه أنهم اتخذوهم آلهة، والآية التالية تخبر بأنهم من شدة اعتداءهم في الإفك يقولون ﴿ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ لقد ادعوا أن الله له ولد ، والملائكة بناته – سبحانه وتعالى عما يشركون، كل هذه المعتقدات أضيفت ليتأسس عليها التوجه للملائكة كشفعاء عند الله.
ثم تناقش الآية التالية مسألة اختيار الله عز وجل للبنات دون البين ﴿ أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ ﴾ كيف تقررون عن الله أنه اختار البنات؟ هل هذا هو حكم الله؟ أم أنتم الذين تحكمون كما تشاؤون؟ ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ ما لكم كيف حكمتم بهذا؟ ماهو منهجهكم في أخذ الأحكام العقائدية في الدين؟ هل تقرونها اعتباطًا من عند أنفسكم؟ تقررون كيفما تشاءون؟ أفلا ترتدعون عن قول الباطل ﴿ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ والتذكر يكون من خلال الرجوع للكتب السماوية لأنها هي الذكر ، وإذا قرأها المؤمن كان عليه أن يعود إلى رشده ويحكم بما أنزل الله لا بما وجد عليه مجتمعه أو آباءه!
ثم تختم السورة المباركة هذا المقطع بطرح التساؤل المحوري الذي يواجه فيه أي انحراف ﴿ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ ﴾ السلطان هو الحاكم بسلطته على غيره، وهو الجهة التي تملك الأمر والنهي على الناس، فإذا أمرهم كان لزامًا عليهم أن يستجيبوا لما يملك من قوة وبيان؟ وهذا التساؤل يأتي بعد أن وجدوا أن لا أحقية لهم في تحديد نوع الملائكة لانتفاء الشهادة الحضورية لخلقهم! فإن لم يكن الأمر كذلك فيبقي أمر واحد، وهو أن يكون لهم سلطان مبين على هذا الحكم.
الآية المباركة التالية تحصر السلطة بيد الكتاب المنزل من عند الله بقولها : ﴿ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي إن كان لكم سلطان فأتوا به، وبدلًا من أن يقول ااتوا بالسلطان، قال ااتوا بالكتاب لأنه هو السلطان ولا سلطان غيره، فالكتاب المنزل هو الذي له الحق أن يتحدث بحقائق الغيب، وعلى المؤمن أن يصدق، فإن كان حقًا ما تدعون فاتوا بآية تقر بما تتحدثون به، وهي ذات المطالبة بالشهادة التي وجدناها في آية (150) في سورة الأنعام حين أمرت الرسول (ص) أن يطلب من أهل الكتاب ان يستدعوا شهداءهم الذين يشهدون أن الله حرم تلك المحرمات المضافة، فإذ لم يفعلوا ولن يتمكنوا من ذلك سقطت دعواهم وبطلت عقيدتهم.
هذا المقطع المبارك يشير أيضًا إلى محورية الكتاب السماوي في كونه المصدر الوحيد في أخذ المعارف الدينية، وفهم الأوامر الربانية منه لا سواه. وأن القول بالكتاب يعادل الشهادة الحضورية في الأمور الغيبية التي لا يعلمها الإنسان ويخبره بها الله تبارك وتعالى، ولم تشر الآية إلى أحقية أي مصدر آخر غير هذا الكتاب المنزل في تحديد العقيدة حول تحديد طبيعة خلقة الملائكة.
# الشاهد الثالث
في موضع آخر من القرآن الكريم، وبالتحديد في سورة الزخرف، نقاشت السورة ذات القضية حول العقيدة في الملائكة والتي اتخذها قريش واسطة للتقرب لله على أساس أنهم بنات الله، وأعاد نفس النقاش ولكن من زاوية أخرى:
﴿ وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ الزخرف (19)-(25)
﴿ وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً ﴾ هم جعلوا الملائكة إناثًا أي اعتبروهم في عقيدتهم إناث، وهو جعل من عندهم لا من عند الله، بل وحددوا من عندياتهم أيضًا أنهم بنات الله، دون الرجوع لأي مصدر سماوي! وهكذا تحدث الانحرافات، والآيات المباركة تجري بنفس النسق الذي جرت عليه الآيات السابقة في سورة الصافات فتقول أنه لا يمكن لأحد أن يتحدث بحقيقة الملائكة إلا إذا كان قد شهد خلقهم، لكن الذين ادعوا لم يكونوا شاهدين ﴿ أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ﴾ سيساءلون عن كل ادعاء ادعوه دون إثبات ودون دليل من مصدره الحق.
أما هؤلاء فدليلهم وحجتهم هي أنه لو لم يكن الله عز وجل راض عن فعلهم هذا وتقربهم للملائكة بهذه الفرضيات لما وفقهم الله لفعلها ﴿ وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ وفي العبارة ادعاء ضمني أن لهم مكانة خاصة عند الله، بحيث أنهم لو ساروا في الدين على خطأ، فلن يتركهم الله، بل وإنه – حتمًا - سيسددهم للصواب، هكذا تبين هذه العبارة إذ لو شاء الله ما عبدناهم، ولكنهم في هذا يتخرصون على الله من عند أنفسهم أيضًا، فهم لا يعلمون عن حقيقة ما يفعله الله بهم ﴿ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ فليس لهم أن يفترضوا أن الله تركهم يسيرون في هذه العقيدة لأنه راض عنهم!
ثم يأتي التساؤل المحوري الذي يمكن إرجاع أي عقيدة أو أي أمر إليه: ﴿ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ﴾ إذا لم يكونوا شاهدين خلق الملائكة وقد مضوا في تحديد طبيعتهم وأنهم إناث فلم يبق إلا احتمال واحد وهو أننا أنزلنا إليهم كتاب ووجدوا فيه هذه العقيدة فتمسكوا بها ! والآية تطرح هذا الاحتمال بأسلوب التساؤل: هل أرسلنا لهم كتابًا من قبل القرآن يقضي بأن يعتقدوا هذا المعتقد فهم بذلك الكتاب مستمسكون؟ إذا لم يكن الأمر كذلك فهم يسيرون على مسار الاستكبار لا على الهدى ولا على الاستمساك بأوامر الله. أما الآية التالية فتبين إجابتهم على هذا التساؤل: ﴿ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ إنما نحن مستمسكون بمنهج آباءنا نهتدي به ونمضي على نهجه.
مقطع الآيات الكريمة لم يكتف بطرح هذين التساؤلين الجوهريين، بل مضى في تعميم المشكلة ليبين أن هذا هو سلوك وديدن الأمم التي انحرفت عن نهجها القويم، الاية تتوجه بالخطاب للنبي محمد (ص) لتخبره عن طبيعة سلوك الأمم التي سبقته ﴿ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾ كل الذين أرسل الله إليهم من القرى التي سبقتك كذبوا بالرسالة اتباعًا لنهج آباءهم، تركوا نهج الله وراء ظهورهم إبقاءًا لما وجدوا عليه آباءهم، وساروا على ذلك النهج اقتداءًا بهم، جعلوا من نهج آباءهم قدوة وساروا عليه، ولم يعد نهج الله يعني لهم شيئًا.
كانت الرسل التي أرسلت لتلك القرى تدعوهم لعقد مقارنة موضوعية بين ما ورثوه وبين ما جاء به الكتاب لعل ذلك يوقظ القلوب ويثير دفائن العقول، فيقول :
﴿ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ﴾ أليس من العقل أن يتبع المؤمن الذي يجده أهدى مما ورثه؟ اعقدوا المقارنة، فكروا وانظروا مرة بعد أخرى ثم ختاروا الأفضل، فإذا كان ما جئتكم به الأهدى فخذوا به؟ قارنوا بين ما هو بين أيدكم وما يدعوكم إليه الكتاب؟ أولا تجدونه أهدى مما وجدتم عليه آباءكم؟ ولكن الرد يأتي بعيدًا عن منهج التفكير والتعقل ﴿ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ لا فائدة من الحث على التعقل، لأن الهوى غالب والهوى عدو العقل.
تختم هذه المجموعة من الآيات بالعاقبة التي آلت إليها تلك القرى ﴿ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ نلحظ في هذا المقطع المبارك ما يؤكد أن الإنسان سيحاسب لأنه لم يفعل التعقل، وهو ما فهمناه سابقًا من سورة الملك أنه الحد الأدنى المطلوب من الإنسان والذي يمكنه من تجاوز عقاب الله في قوله تعالى ﴿ لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ﴾ ، فالرسول كان يدعوهم لعقد مقارنة عقلانية بسيطة، لا تحتاج إلى الكثير من المتطلبات، إلا أنهم أبوا تفعيل السمع والتعقل، والذي يعني المضي في العناد والتكبر.
الآيات الكريمة تؤكد ما جاءت به الآيات السابقة من معنى يتعلق بحصرية مصدرية الأمر الرباني في كتبه السماوية، فالآيات جعلت شهادة خلق الملائكة في كفة، والاستمساك بالكتب السماوية معادلة لها في كفة أخرى، فإن لم يكن الأول فلا يخرج عن الثاني، ولأن الأول لا يمكن حصوله، فهي تحصر المصدر لصالح ما أنزل الله دون الأخذ باي مصدر آخر،
# الشاهد الرابع
في سورة فاطر يقول الله تعالى :
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمْ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً ﴾ فاطر (40)
تؤكد هذه الآية الكريمة ما أكدته الشواهد السابقة من الآيات أن العقيدة الباطلة إنما نبعت بسبب الابتعاد عن مصدرية الكتاب المنزل، وتتساءل : ﴿ َأمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ ﴾ هل ما تدعونه من عقائد هو من كتاب أنزله الله عليكم؟ فدرستموه وتبينتم أن ما تعتقدون به هو حقيقة ربانية ؟ ولكن الآية الكريمة ذاتها تبين أن ذلك ليس إلا وعود باطلة ليس لها أساس من الصحة : ﴿ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً ﴾ .
# خاتمة
وجدنا في الحلقة السابقة كيف أن الله عز وجل جعل من الكتاب السماوي المرجعية العليا في إلقاء الحجة على أهل الكتاب في إصدار الحكم في قضية الحلال والحرام في موضوع الطعام، وفي هذه الحلقة وجدنا وفي اربع مواضع في القرآن الكريم إجابة واضحة حول سؤال: هل يوجد مصدر آخر غير الكتاب المنزل يحوي أوامر الله؟ الآيات تحصر تلك المصدرية في الكتب المنزلة لا سواها، وتعادل ذلك بالشهادة على الأحداث الغيبية، فمن قرأ كتاب الله واعتقد بما تتحدث به الآيات من حقائق عن ذلك الغيب البعيد سواء في الماضي أو المستقبل فهو بمثابة من شاهد ذلك الغيب بنفسه، حين ننوي أن ندرس الكتاب من أجل فهم أوامر الله ، علينا أن لا نكتفي بجعل كتاب الله مرجعية عليا بل و تتصف بالتفرد إذ لا ثاني لها، فكل ما سواها خادمًا لها لا على أنه مصدرًا آخر من مصادر تلك الأوامر ، بل كمساعد لفهمها وحسب.