الحجة البالغة
| quranic-commands# مقدمة
كان نزول القرآن الكريم وتحت شعار "هذا بلاغ للناس" يمثل إشهارًا لحقائق الدين للناس كافة بجميع طوائفهم وطبقاتهم ومستوياتهم، بعد أن حاولت فئات من أهل الكتاب كتمها وإبعادها عن الناس لضمان بقاء الأهواء والأكاذيب، لقد أرسل الله تعالى الرسل حجة على الناس، فالقرآن والكتب السماوية هي حجة الله على خلقه يوم القيامة، وهذا لا يكون إلا إذا كانت أوامره والعقائد التي يجب على المؤمن أن يلتزم بها واضحة بينة في كتابه، يوجد في القرآن آيات ومواضيع لا يفقهها إلا عدد محدود من الناس اختصهم الله بفهمها، وقد بيّنت الآيات ذلك وواقع القرآن يشهد بذلك أيضًا، من جهة أخرى بيّنت الآيات أن القرآن بيّنٌ لكافة الناس، وهذا يقودنا إلى حقيقة مفادها أنه للخواص في مواضيع خاصة، وهو للعوام في كثير من الأمور التي هي موضع محاسبة للناس يوم القيامة.
فهمنا سابقًا أن تعلم القرآن مسؤولية فردية وجماعية، وعلمنا أيضًا أن الموضوع الأهم الذي يوجهنا القرآن لدراسته هو ما يمكن أن نسميه أوامر الله المنزلة في كتبه، فهل هذه العلوم بينة واضحة يتناولها العوام؟ أم أنها غامضة مبهمة على العوام ولا يمكن لهم نيلها والاقتراب منها؟ هل يتعذر على من يريد أن يأخذ بأوامر الله في كتبه الوصول إلى مرادها وحقيقتها من آياته الكريمة؟ أم أنه أمر متاح لمن درس وتتبع الآيات وتدبر فيها؟ الإجابة على هذا السؤال سبقت في المقدمة السابقة، ويمكن تلخيصها في عبارة واحدة وهي أن كتب الله المنزلة حجة الله البالغة، فلا يمكن لها أن تحمل هذه الصفة إلا إذا بلغ مطلبها لمن أخذ بها ودرسها وتدبر فيها، وقد وجدنا وفي آيات كثيرة أن المستمع لآيات الله مكلف بما سمع، ولكن للاستزادة نقف عند أربع شواهد من القرآن الكريم، على الرغم من كثرة الشواهد في هذا الموضوع.
# الحجة البالغة
# الشاهد الأول :
بالرجوع للآيتين (149)-(150) من سورة الأنعام، نجد الحديث عن حجة الله البالغة، ولكي نفهم كيف استخدمت هذه العبارة المباركة نرجع للآيات التي سبقتهما لنجد أن الحديث كان عن موضوع الطعام وتحديد المحرمات فيه، وقد نقلت السورة المباركة الوضع السائد في زمن تنزيل الرسالة القرآنية فقد كان لدى أهل الكتاب محرمات مضافة، وجاء النبي محمد (ص) برسالة القرآن لينفي أن تكون تلك المحرمات موجودة في أصل الدين وكانت الحجة هي الرجوع للكتاب الذي سبق القرآن وهو التوراة، ولأن التوراة لم تكن متوافرة لدى الجميع ولم تكن بلسان عربي، كان لابد من الرجوع لمن يشهد بوجود نص في التوراة يثبت وجود تلك المحرمات، فكانت تلك هي حجة الله عليهم والتي أمر الله رسوله محمد (ص) أن يبلغها لهم، حيث طلب منهم إحضار الإثبات على ذلك لكنهم لم يستطيعوا. ندرس الآيتين المباركتين اللتين تحدثتا عن إحضار الحجة في هذا الأمر:
يقول الله تعالى :
﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ الأنعام (149)-(150)
﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ﴾ قل يامحمد لؤلئك الذين يدعون أن الله حرم تلك المحرمات، أن الله عز وجل يحتج عليكم بحجة بالغة أي تبلغكم وتصل إلى عقولكم وعقول أتباعكم أيضًا، ولكنكم لا تستمعون لها ولا تريدونها، وليس دور الحجة البالغة هو أن تكسر شوكة الطرف الآخر للغلبة عليه في هذه الدنيا، ولكن دورها هو أن تثبت عدم اعتمادهم على كتابهم في أخذ المحرمات، ولكي تبقى كحجة لله عليهم يوم القيامة، فالله يرسل حججه حتى يحاسبهم بها في ذلك اليوم، ولذا تختم الآية بقولها : ﴿ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾، فلو شاء الله لأنزل من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين، ولكنه يبلوهم فيما آتاهم، والحجة تبقى دليل على عنادهم وتكبرهم على كلام الله.
ثم تسرد الآية التالية الأسلوب الذي سيحتج به عليهم وهو وجوب الإتيان بتلك المحرمات منصوص عليها من الكتب السماوية : ﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا ﴾ قل لهم "يامحمد (ص) " هلم، وهي دعوة تستحث على الحضور، وهلم شهداءكم أي فليأت الشهداء الذين يشهدون بذلك، والشهداء هنا هم أولئك الذين يعلمون الكتاب والذين يطلب منهم أن يذكروا حقائق الكتاب للناس، وفي الآية يسميهم " شهداءكم " أي شهداء من قبلكم أنتم، يحملون التوراة ويعلمون ما فيها فليأتوا ويقولوا : نعم لقد حرم الله ذلك في التوارة! فليقولوها إن كانوا يستطيعون ذلك.
﴿ فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ﴾ فإن شهدوا وقالوا بأن الله حرم هذا انتصارًا لتكبرهم، فاعلم أن تلك الشهادة شهادة كذب وزور في محاولة للغلبة عليكم، فلا تشهد معهم – يامحمد – أي لا تقر بما أقروه من المحرمات فهم إنما يتبعون أهواءهم ﴿ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ﴾ وأهواءهم تلك تخالف كتاب الله، ولكنهم في موقع الاستكبار عن التنزل لحكم الله، فلا يقبلون أن تظهر حقيقتهم أمام الناس فهم يدعون أنهم أولياء الله ولكنهم يخالفون كتابه ولا يعملون به! وما يريدونه من الرسول الآن هو أن يقف معهم ويثبت للناس أنهم على صواب، ولكن الله عز وجل يثبّت رسوله ليظهر حقيقتهم ويبين الشرك والتلاعب في الدين ويظهر فساد عقيدتهم ﴿ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ عادلوا بالله غيره حين عادلوا بكلماته كلمات غيره.
حين نقف أمام هذا المشهد وقفة تأمل ندرك حقيقة وضوح وبيان حجة الله على الناس، فعندما طالبهم الله عز وجل عن طريق رسوله بالشهادة كان المطلوب هو أن يحضروها من الكتاب الذي بين أيديهم، وعندما فشلوا في ذلك إنما فشلوا في تبيان ذلك أمام عموم الناس، وكانت تلك حجة الله البالغة، أي بلغت مرادها عند الله عز وجل في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فتبتيان حقيقتهم، وأما في الآخرة فلأن الله يحتج عليهم بأنهم خالفوا أوامره واتبعوا خلاف ما أنزل.
هذه المحاججة تبين أن الكتاب السماوي هو المرجعية العليا التي يفصل بها عموم الناس بين الحق والباطل، والمستقبل لتلك الحجج هم الناس الذين سيشهدون بطلان دعوى من يأمر بخلاف ما أمر الله، هذه المحاججة ستكون سببًا لتعطيل تبعية الناس للأخذ بأي قول منهم، ولا يتم ذلك إلا إذا كان ارتباط الناس بالكتاب السماوي ارتباطًا مباشرًا لا وساطة فيه، ولا يكون الأمر كذلك إلا إذا كانت الأوامر المتعلقة بموضوع الطعام بيّنة يمكن للناس فهمها والأخذ بها، و لا يمكن أن تكون غامضة مبهمة، وإلا لا تكون حجة بالغة! وهذا ما تؤكده آيات أخر في سورة البقرة كما هو واضح في الآيات التالية:
# الشاهد الثاني :
نقف أمام شاهد آخر في في سورة النساء وأمام آيتين تبينان أنه عز وجل أرسل الرسل بآياته البينات حتى لا يكون للناس حجة بعد الرسل، يقول الله عز وجل في سورة النساء:
﴿ وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ النساء (164)-(165)
لقد أرسل الله كثيرًا من الرسل من أجل تبليغ أوامره للناس ﴿ وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِين ﴾ كل أولئك الرسل الكثر هم من أجل أن تبلغ حجة الخالق عليهم، ﴿ لأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ لكي لا تكون الحجة للناس بل هي لله عليهم يوم القيامة، فتعالى الله الحق، وهذا يعني ان لا حجة للناس على الله يوم القيامة بعد إرسال الرسل، وبعد وجود رسالاته بين الناس، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾، الله عز وجل يرسل تلك الرسالات لا من حاجة له سبحانه للناس، ولكن من عزة وكبرياء وعظمة وحكمة عالية.
إذًا هذا القرآن الكريم الذي هو بين أيدينا اليوم هو حجة علينا، وفي يوم القيامة يحتج الله على البشر المرسل إليهم أن أنزل إليهم هذا الكتاب العزيز، فلا حجة لهم في عدم تطبيق وتنفيذ ما يأمر به، فإن نحن درسناه وطبقناه كان حجة لنا، وإن نحن أهملناه كان حجة علينا، ولا يمكن أن يحتج الله على كافة البشر بشيء كالكتاب، وهو مبهم غير مفهوم بل يجب أن تكون آياته بينة واضحة يمكن الأخذ بها، إذ كيف يحتج وهو العزيز الحكيم بشيء لا تصل إليه العقول، وهذا ما يؤكد أن الحجة فيه هي آيات تأمر بأوامر واضحة وبيّنة وتنالها عقول الناس، ولولا أنه كذلك ما تعمد أهل الكتاب كتمه عن بقية الناس حتى لا تكون الحجة عليهم.
# الشاهد الثالث :
يقول الله عز وجل في موضوع كتم أهل الكتاب لحقائق الكتاب :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ البقرة (159)-(160)
جاءت هتان الآيتان الكريمتان بعد الحديث عن حقيقة الصفا والمروة على أنهما من شعائر الله، وبعد الحديث عن الاتجاه الحقيقي للقبلة، وتلك هي أوامر واضحة وبينة، تقول الآية الكريمة : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ﴾ المقصود بالذين يكتمون هم فئة من أهل الكتاب الذين لديهم حقيقة ما أنزل الله من البيّنات والهدى في القرآن الكريم في كتبهم السماوية ولم يشهدوا بصدقه، وكتموا حقائق التوراة التي تؤيد ما جاء به النبي محمد (ص) ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ﴾ أي أنهم مارسوا الكتمان من بعد أن بيّن الله حقائقه في القرآن الكريم، فأولئك عليهم اللعنة ﴿ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ ﴾. وتستثني الآية منهم أولئك الذين تابوا من ذلك الفعل وأصلحوا وفعلوا ما هو واجب عليهم فعله ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا ﴾ أي أصلحوا ما نجم من أفعالهم القديمة، وبيّنوا للناس حقيقة التوراة وصدق القرآن ﴿ َأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾.
هذه الآيات المباركة تبيّن كذلك أن أوامر الله بيّنة في كتبه لكافة الناس، ولأن التوراة كانت عند البعض وليست عند الكل، فقد كتمها من كان من واجبهم إيصال رسالة الله للناس، ولا يمكن لتلك البينات أن تكون دليل للناس على الحقيقة كما بينت الآية ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ﴾ إلا إذا كانت أوامر واضحة ومفهومة غير مبهمة ولعموم الناس، لأن بيانها هو الذي سيفك قيد الناس من الجهل ومن تبعية من ادعوا أنهم أولياء لله من دون الناس. الآية الكريمة تصرح بأن الله بيّن حقيقة أوامره في القرآن، وبينها للناس كافة وليس لفئة خاصة، ولكي تكون كذلك يجب أن تكون واضحة بينة لا لبس فيها ولا غموض ولا تحتاج لغيرها حتى تتضح، ولو كانت آيات الله كذلك لما أمر الناس كافة باتباعها وعدم الاستجابة لمن يغير المسار عنها كما في بداية سورة الأعراف:
# الشاهد الرابع :
يقول الله عز وجل في بداية سورة الأعراف :
﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ﴾ الأعراف (3)-(4)
الآية المباركة تجعل من القرآن الكريم مرجعية عليا في موضوع الدين وأخذ الأوامر الربانية، بعبارة أخرى لا يمكن إنزال القرآن تحت ولاية أحد فالجميع تحت ولايته، لأن آياته هي أوامر الله النافذة على جميع من وصل إليهم كلامه، يقول الله عز وجل : ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ النداء عام، والدعوة للجميع، ومؤداها هو السير خلف الآيات، وتأتي تكملة الآية من باب التحذير من الانحراف عن هذا الخيار ﴿ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ﴾ والذي يشير إلى أن هناك من سيحاول أن يقطع هذه العلاقة المباشرة بينكم وبين القرآن ليتولى هو أمركم، وستجدون أنفسكم حينها وقد خرجتم من اتباع ما أنزل الله إلى اتباع أوامر ما أنزل الله بها من سلطان، ثم يختم بقوله ﴿ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ أي قليلًا ما تطبقون هذا الأمر، أما الأكثرية فيسلمون زمام أمورهم الدينية لغيرهم دون الاعتماد على مرجعيتهم العليا.
الآية التالية تسير في نفس مسار الآيات الآربع الأخيرة من سورة الطلاق – التي درسناها سابقًا - وتجعل من الابتعاد عن منهجية أوامر الله سببًا لهلاك القرى في الأزمنة التي سبقت نزول القرآن الكريم ﴿ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ﴾ أي عدد كبير من القرى السالفة هلكت لأنها لم تتبع ما أنزل الله، وجدير بكم كحملة لكتاب الله أن لا تنحو منحاهم ولا تسيروا مسارهم وأن تتعظوا بما جرى عليهم حتى لا ينالكم ما نالهم ﴿ فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ﴾.
وإذا كانت هذه الآية تجعل من اتباع القرآن الكريم أساسًا دينيًا ومرجعية عليا لكل مؤمن وتحذر من العقاب المترتب على ترك الأخذ به فهذا لا يكون إلا على أساس أن هذه المرجعية واضحة بيّنة لكل من تعلق بها ودرسها وفهمها، وهكذا سنجد أن الكثير من الآيات تؤكد على أن علوم القرآن الخاصة بالنجاة يوم القيامة هي بيّنة واضحة ويمكن للمؤمن أن ينالها ويأخذ منها ويقيس على أساسها صواب وخطأ ما يجده بين يديه.
# الخاتمة
القرآن الكريم نور يكاد زيته يضيئ ولو لم تمسسه نار، يكاد يعلن حقيقته دون تصرف من أحد، ولقد وجدنا في أربع شواهد في القرآن أن القرآن بيّن في أوامره التي سيحاسب عليها الإنسان يوم القيامة، وأن تلك الحقائق واضحة لمن أراد الأخذ بها والعمل على أساسها، وهذا لا ينفي وجود لطائف خفية يلتقطها الخواص، ولكن الحديث لا زال حول الأوامر الربانية والتي عليها محط الحساب، وبهذا نفهم أن القرآن يجب أن يقع في قلب المؤمن موقع المرجية العليا التي من خلالها يعرف الصدق من الكذب في الدين.