مدونة حلمي العلق

التقوى وطريق الهداية في سورة البقرة

-1-

بعد نزول القرآن الكريم لم يعد الدين حبيس الصناديق المقدسة أو سراً من أسرار الكهنوت يكتم أحكامه أهل الكتاب عن عموم الناس،
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ) سورة البقرة (159).
لقد أضحت حقائق الدين بينة واضحة لعموم الناس، صغيرهم وكبيرهم عالمهم وجاهلهم، ولم يعد هناك بعد نزول الآيات شيء في الخفاء كما كان قبل تلك اللحظة حين كان يستغل علماء بني إسرائيل احتكار الكتاب وجهل العامة. إن إنزال القرآن بصفته المقروءة المعلنة يحمل الجميع مسؤولية الدين، ويخرجه من حالة الإنحصار في بوتقة النخبة إلى دائرة اللاإحتكار، ويرقى بالمؤمن إلى حالة المتابعة والمحاسبة لكل ما يرده في الدين ليخرجه من حالة التلقي الأعمى إلى حالة الوعي والرشد.

لقد انتقد القرآن الكريم الأمية التي عاشها ويعيشها أهل الكتاب من أمة موسى في كتابهم فيقول سبحانه وتعالى في سورة البقرة (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ) سورة البقرة (78) والمقصود بالأمية في الآية الشريفة هي أمية الكتاب السماوي وجهلهم به رغم أنه منزل عليهم وبين أيديهم، وبدلاً من أن يتحصلوا على المعرفة في هذا الكتاب يتعلقون بالأمنيات بالنجاة يوم القيامة، على أنهم الأمة الناجية في ذلك اليوم وكفى.
إن نتائج هذه الأمية كبيرة ووخيمة على الأمة التي ينزل عليها الكتاب، ونتيجة لهذا الجهل تقبل الأمة أي شيء ينسب للدين من دون تحقق، وهذا ما تكمله الآيات التالية للآية السابقة بقولها (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) سورة البقرة (79) فلولم تكن تلك الأمية وذلك الجهل، لم تتح لؤلائك المفترون الفرصة في افتراء الكذب على الله سبحانه وتعالى. فالوعي والمعرفة حصانة للدين، وسلامة له من تثبيت الافتراءات. الكتاب السماوي مسؤولية أهله، بأن يحملوه في صدروهم وقلوبهم لا على ظهورهم، وأن يفقهوه لا أن يكتفوا بالأمنيات والظنون وما يروج من أوهام وأكاذيب.

أنت مسؤول عن نفسك، هكذا يخاطبنا الكتاب السماوي " وإن جاهداك على أن تشرك بي ماليس لك به علم فلا تطعمها"، هذا الأمر الذي يحول المسؤولية مباشرة لهذا الإنسان الذي يتلقى من والديه في حالة من الثقة التامة بأن يسأل ويحاسب ويتخذ القرار بناءاً على العلم والمعرفة على أن يبقى جاهلاً مستسلماً لقدر التركيبة الإجتماعية التي وجد فيها. وهذا ما يخلق الوعي الفردي والذي على أساسه يتشكل الوعي الإجتماعي ،
فلا تتشكل حالة الإغماء المجتمعي الذي يسلب الفرد أصالته في الفكر، ولا تتشكل نتيجة لذلك القطعان البشرية الفاقدة للوعي والحرية.
" ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون"؟ هو سؤال الحرية والذي لا ينتهي بظرف مكان أو زمان، بل قد تتشكل مشكلة التماثيل في زمان نبي الله إبراهيم إلى أشكال أخرى في أزمنة لاحقة، ولا يعالجها إلا ذلك الوعي الإبراهيمي الذي يتساءل على الدوام عن صوابية الأصل والمصدر.
الدين ليس من ممتلكات خاصة لأحد، وما دام الكتاب السماوي يحمل في الصدور يخلق الوعي ويرعى وإنما هو نور ويهدي الله لنوره من يشاء .

ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الفتنة يوماً فقلنا: "يا رسول الله كيف الخلاص منها؟" فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "بكتاب الله، فيه نبأ من كان قبلكم، ونبأ من كان بعدكم، وحكم ما كان بينكم، وهو الفصل وليس بالهزل، ما تركه جبار إلاّ قصم الله ظهره، ومن طلب الهداية بغير القرآن ضل، وهو الحبل المتين والذكر الحكيم والصراط المستقيم، وهو الذي لا تلبس على الألسن، ولا يخلق من كثرة القراءة، ولا تشبع منه العلماء، ولا تنقضي عجائبه." مستدرك الوسائل ج4 ص239 باب2 ح4595 .

وإذا كانت التوراة حبيسة حفظتها من غير الأميين في الكتاب، فإن القرآن الكريم وهو كتاب الله المنزل إلى البشر ورسالته إليهم محفوظ وبالغ بآياته إلى كل مؤمن به، فما عذر من أغفل دخول الباب بعد فتحة؟

طريق الهداية؟

تلخص بداية سورة البقرة السبيل إلى تلك الهداية من خلال القرآن الكريم بكلمة التقوى، وتحصرها كوسيلة وحيدة لجلب ذلك الهدى.ندرس في هذه الحلقة موضوع الآيات دون التوغل في تفاصيل الآيات، ونقف في أبرز محطات موضوع هذه الآيات المباركة من بداية السورة وحتى آية 29 .

تقسم هذه الآيات الناس من حيث إيمانهم بالكتاب إلى ثلاثة أصناف، الأول وهم المتقون الذين يؤمنون بالكتاب، والثاني هم الذين كفروا بالكتاب، والثالث مرضى القلوب الذين يدعون الإيمان. ولأهمية الصنف الثالث توسعت الآيات الشريفة في الحديث عنه وواصلت في وصفه حتى آية 20 وخاطبت نفس الصنف حتى آية 24.

أما الجزء الأخير فتتحدث الآية عن مشكلة "مثل البعوضة"، والمثل لا يخرج عن إطار الحديث عن الإيمان بالكتاب بشكل من الأشكال.

أوضحت سورة البقرة من بدايتها أن التقوى هو المسار الصحيح للحصول على الهدى، وبيّنت الآيات صفاتهم في خمسة عناوين دون حاجة بعد هذه الصفات إلى زيادة ولا نقصان ولا إيضاح، بل إن هذه الصفات هي بوابة الهدى بالكتاب، أولاً الإيمان بالغيب ثانياً : إقامة الصلاة ، ثالثاً : الإنفاق ، رابعاً : الإيمان بالكتب السماوية جمعاء، خامساً: اليقين بالآخرة. في المقابل فإن الصنف الثاني من الناس هم الذين كفروا بالكتاب السماوي ولا ينفع معهم إنذار.

أما الصنف الثالث وهم مرضى القلوب، ومرض القلب مشكلة كبيرة في الإيمان، وعنوان المشكلة هي أن يكون المؤمن مجرد مدعي للإيمان ولا يعيشه بحقيقته في داخل قلبه، أما علاقة هذا الصنف بالكتاب فتتضح في الآية : (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) سورة البقرة آية (16) فالهدى هو ما في الكتاب ، والشراء إنما يتم باستبدال شيء بشيء آخر، ومن هنا يتضح أنه تم استبدال الآيات بشيء آخر لا يماثل القرآن في القيمة، ولا شيء يماثل الكتاب السماوي في القيمة.

أما مصدر وماهية الشيء الذي تم استبدال آيات الكتاب به فيتضح من خلال الآية (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) سورة البقرة آية (21) فالآية تشير إلى أن آباءكم هم أناس أمثالكم، بمعنى أن الآباء هم المصدر البديل، والله سبحانه وتعالى يقول لهم إن الله خلقكم وخلق آباءكم، فهم مثلكم في نفس المستوى ونفس المقدار من العقل والفكر والفهم، وما يؤكد هذا المنحى الآية التالية :

( الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) سورة البقرة آية(22)

فقد جعلوا لله الندية بواسطة اعتماد ما ورد من آبائهم في قبال كلام الله سبحانه وتعالى.

ويتواصل الحديث لهذه الفئة التي تعاني من مرض القلب حسب وصف القرآن الكريم، بالتساؤل : (وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (*) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) سورة البقرة (23)و(24). هم الذين اشتروا بهذه الآيات شيئاً آخر، فيقول لهم هل في قلوبكم ريب من هذا الذي أنزل على النبي محمد حتى تستبدلوه بغيره؟ لماذا تلجأون لكتاب آخر وتعتبرونه مثل الكتاب المنزل؟

-2-

ملخص

الناس من حيث إيمانهم بالكتاب ثلاثة، متقي ومؤمن بالله واليوم الآخر،كافر ، مريض قلب. ومريض القلب هو مؤمن لكنه غير صادق في إيمانه ويستبدل كلمات الكتاب بغيره. يبقى الحديث عن آية "ما بعوضة فما فوقها" هل نفهم هذا المثل؟ وماذا يعني في هذا السياق؟

التقدير

نتحدث أولاً عن التقدير؟ ما هو؟ التقدير هو مسافة ثابتة بين طرفين، وإي إخلال بهذه المسافة هو انتهاك لذلك التقدير. آية (مابعوضة فما فوقها ) تتحدث عن قدر المخلوقات بالنسبة لخالقها، كل المخلوقات ومن ضمنها الإنسان قد تتباعد فيما بينها بمقدار من المسافات الثابتة، كما يبتعد الإنسان عن أخيه الإنسان أيضاً بمقادير مختلفة، ولكن هذه المخلوقات في مجملها تبعد عن خالقها نفس المسافة، كون أن المسافة بين الخالق والمخلوق كبيرة جداً لدرجة تتضائل فيها كل المسافات البينية بين المخلوقات أنفسهم، وتتحول تلك المسافات إلى مسافة صغيرة جداً لا تكاد تبين في قبال تلك المسافة الشاسعة بين الخالق والمخلوق!

من هنا يضرب الله سبحانه وتعالى مثل "البعوضة" كونها مخلوق تافه وحقير في نظر الإنسان، والمسافة بينه وبين هذا المخلوق بعيدة في نظره، ولكن إذا تحدث الخالق جل في علاه فإن هذه المسافة التي يراها الإنسان كبيرة وبعيدة تتضاءل. ( ما بعوضة فما فوقها) ماذا تكون البعوضة في قدرها ؟ وماذا يكون قدر كل المخلوقات التي هي أكبر قدراً من البعوضة؟ في الحقيقة أن المقدار واحد أمام الخالق! وهذا ما يجعل من قدر الإنسان ملتصقاً بقدر البعوضة لأنه في حقيقته وفي مقياس الخلق واحد من المخلوقات أمام الخالق العظيم.

واضح أن الآية تريد أن تعرف الإنسان بقدره وأن تلغي حالة الغرور التي قد يتسرب إلى نفسه في أن له الحظوة والميزة من بين المخلوقات أمام خالقه، فله الإعتبار والسلطة والعقل والقوة والتمكين في هذه الأرض. إذا كانت الآية تريد أن تعرف الإنسان بقدره فما هو قيمة هذا الموضوع في سياق الإيمان بالكتاب؟

المشكلة ليست في أن الإنسان المؤمن لا يعطي للخالق قدره ومكانته الحقيقية، المشكلة تكمن في أن لا يعترف الإنسان في قدره هو، فيخرج نفسه من هذا السقف الذي حدته الآية (ما بعوضة فما فوقها) البعوضة كمخلوق والمخلوقات التي فوقها في القدر النسبي، هي في النهاية مخلوقات تبعد مسافة واحدة عن هذا الخالق، ما الذي فعله الإنسان حتى سقط في فتنة (البعوضة)، أي خالف هذا المفهوم في نفسه؟

المشكلة وقعت في تقدير النصوص، حين جعل الإنسان قدر النص الأرضي الصادر من الإنسان مساوٍ للنص السماوي في التشريع والدين، وليس في أي شيء آخر. وقد علمنا من الحلقة الأولى أن مرضى القلوب اشتروا الضلالة بالهدى، واستبدلوا نص بنص، استبدلوا نص الكتاب بنص آخر ليس من عند الله وجعلوا الغلبة لهذا النص على ذاك. ولا يمكن لهذا الاستبدال أن يتم إلا إذا ضيع الإنسان قدره الحقيقي أمام الله، فكيف لمخلوق قدره يعادل قدر البعوضة أن تكون له كلمة في قبال كلمة الخالق الذي يبعد عن مخلوقاته مسافة كبيرة جداً ؟

ليست المشكلة في أن يكون هناك نصوص أخرى في الدين غير الكتاب السماوي، المشكلة أن يكون هناك نصوص في درجة توازي القرآن الكريم في القدر والقيمة، وإذا وقع النص في هذه الدرجة أصبح منافساً لكلمة الله، ويستبدل ذلك النص الأرضي النص السماوي ويكون له العلو والغلبة. من هنا يكون صاحب النص ند لله، وأياً كان هذا الند في الرفعة والمكانة فإنه لا يمكن أبداً أن يكون إلا مخلوق من مخلوقات الله. نحن ننقص من قدر الله ليس بعدم الإعتراف بعلوه، ولكن بإعلاء مخلوق إلى درجة السمع والطاعة.

ماذا أراد الله بهذا مثلاً؟

"أما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً"، هم الواقعون في هذه الفتنة، هم الذي جعلوا لله أنداداً ، وجعلوا لبعض البشر القدر والمكانة العالية التي أخرجتهم من سقف المخلوق، وجعلت لكلمتهم السمع والطاعة بنفس المقدار لكلمة الله التي يجب أن يكون لها الغلبة، وأن يكون لها السمع والطاعة. الضلال للذين يقعون في فتنة تضييع اعتبار الإنسان وإعطاءه حق قدره دون أن يرفعه لهذه الدرجة ولهذا القدر، وهم نفسهم الذين قصدتهم الآية التالية: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وعهد الله هو أن لا يتخذوا غير الكتاب ولا يطيعون غير الله، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل وهو الكتاب وكلام الله فقط كانوا مأمورين بأن يوصولوه للناس ولكنهم نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً، اشتروا به مكانتهم وأن تكون كلمتهم هي العلياً بدلاً من أن تكون لله وحده.

-3-

علاقة الفساد بالإخلال بالمقادير

نلحظ أن مرضى القلوب في آيات متقدمة يعبر عنهم القرآن الكريم أنهم مفسدون في الأرض، بداية الفساد هو الإخلال بالموازين وإعطاء أحد قيمة أكبر من حقه، والتقليل من قيمة الآخرين، وما يؤكد ذلك المنحى هو شعورهم بالطبقية التي تميزهم عن الفئة التي أسموها ( بالسفهاء) والذين هم عموم الناس والذين لا يمكن اتخاذهم قدوة في الإيمان، فالإيمان في اعتقادهم مخصص لطبقة محترمة أعلى كما يظهر من قولهم، وهذه الطبقية التي تظهر في قولهم هي مظهر من مظاهر اختلال ذلك الميزان في فهم القدر أن الجميع أمام الإله بمثابة مخلوق ليس أكثر.

وهنا يكون الاختلال في فهم قدر الإنسان لنفسه، بداية للفساد العام والشامل في الأرض، لأن ذلك مؤداه أن تتمايز طبقة عن بقية الطبقات فتضيع حقوق الطبقات الإجتماعية الأخرى ، ما كانت يشعر به بعض أهل الكتاب تجاه الأميين من أهل مكة ، فقد كانوا يعتقدون أنهم غير مأخوذين بسوء التعامل مع المجتمعات التي ليست من أهل الكتاب ( وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) سورة آل عمران (75).

بل ويكبر تمايز مرضى القلوب شيئاً فشيئاً حتى يصل لدرجة أن يبيح بعضهم القتل لبعض الطبقات الاجتماعية التي يعتقدون أنهم ليسوا من الطبقة الزكية أو على أقل تقدير أنها لا تنتمي لهم، وهذا ما تربطه الآية ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) ؟

علاقة اختلال المقدار بالحب

تقول الآية الكريمة:

(وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) سورة البقرة (165).

وهذا الحب نابع من النظر إلى شخصيات محددة إلى نظرة خاصة جعلت منهم في مكانة عالية جداً، وجعلت حبهم أعلى من حب الله سبحانه وتعالى، وهذا بسبب الطغيان وتضييع المقدار الحقيقي للإنسان ، فالإنسان مهما علا في مكانته وشأنه فهو خلق مساوي لأبسط المخلوقات أمام الله سبحانه وتعالى، ولايمكن لهذا المخلوق أن يأخذ مكانة في القلب أكبر من خالقه.

علاقة المقدار بالندية

الآية السابقة تشير إلى ندية الله ، والند هو المساو للشيء، فكيف حصلت هذه الندية إلا بذلك الإخلال في الاعتقاد ببعض الأشخاص الذين يتم اعتماد أقوالهم في الدين وكأنها صادرة من عند الله سبحانه وتعالى، وهذا مواز للحقيقة التي أشارت إليها آيات مرضى القلوب محط البحث ، وأن مرضى القلوب اتخذوا من آبائهم أنداداً، كما في الآية

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (*) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) سورة البقرة آية (21) (22)

أي أن آباءكم الذين تركوا لكم هذا الإرث هم مثلكم في الخلقة ولا تمايز لديهم عن بقية المخلوقات، فلماذا تتخذونهم أنداداً ، أي لماذا تجعلون كلامهم مساوٍ لكلامه عز وجل .