وقت العشاء
| times-of-the-dayمقدمة
كنا قد تحدثنا في الحلقة السابقة حول وقتي الفجر والصباح، ونتحدث في هذه الحلقة عن وقت العشاء وهو الوقت المقابل لوقت الفجر، انتهينا إلى أن الفجر مختلف عن الصباح وأن بداية الصباح هي البكرة، سندرس وقت العشاء وسنلاحظ ومن خلال الدراسة وجود تماثل بين وقتي الفجر والعشاء وسيتبين لنا ذلك ومن خلال الآيات إن شاء الله.
نبدأ حلقتنا من خلال ما عرفناه من عمود الضياء.
يمكننا ومن خلال عمود الضياء أن نلحظ هذا التماثل بين الوقتين، فبداية ظهور الضياء في الفجر، تشبه نهايته في العشاء، الفجر والعشاء وقتان متناظران، ونقصد بالتناظر هو أن حالة الضوء في العشاء مشابهة لحالته في الفجر، فنهاية الضوء تشبه بدايته. نرى هذا التناظر جلي في آية الاستئذان:
يقول الله عز وجل
**(**يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ) سورة النور 58
يحدد الله عز وجل في آية الاستئذان أوقات العورات التي يجب أن يستئذن فيها الداخلون من ملك اليمين والذين لم يبلغوا الحلم على غرف الأبوين:
الأولى: من قبل صلاة الفجر والتي تعني من قبل أن يدخل وقت صلاة الفجر وهي التي تكون في عتمة الليل.
الثانية : وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة.
الثالث: من بعد صلاة العشاء، وهو بعد انتهاء وقت صلاة العشاء. وهي الفترة من بعد صلاة العشاء والتي تمتد في عتمة الليل، إلى أن يأتي الفجر الجديد، والفترة بينهما هي العتمة التامة التي لا ضياء فيها، وما هو بينهما من جهة النهار هو عمود الضياء الممتد بجميع درجات الضعف والقوة.
وقت العشاء
العشاء هو فترة من الوقت نسبت إلى العشوان الذي تصاب به العين حين تفقد القدرة على تمييز الأشياء بسبب نزول الظلام وانحسار الضوء، رأينا في الحلقة السابقة أن الظلام طبقات تتسرح واحدة بعد الأخرى حتى يظهر الصباح، وفي هذا الوقت بالمقابل تعود هذه الطبقات لتغشى السماء والأرجاء واحدة بعد الأخرى لتزداد الظلمة بالتدريج وتتراجع الرؤية شيئًا فشيئا حتى نصل إلى العتمة التامة لتنتهي بذلك فترة العشاء وندخل في فترة الغسق.
ولإحكام القول في هذه الفترة نحدد بدايتها ونهايتها من القرآن الكريم..
بداية العشاء
تبدأ فترة العشاء من اللحظة التي يغيب فيها قرص الشمس، ففي هذه اللحظة بالتحديد يغشى الليل قرص الشمس كما تحدثت الآية التالية:
يقول الله عز وجل
(****(بسم الله الرحمن الرحيم)
(وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4)) سورة الشمس
تبدأ السورة بالقسم بالشمس وما تتركه من أثر واضح على الأرض (والشمس وضحاها) ثم يتبعها قسم بالقمر ثم النهار، ثم قسم بالليل في الآية (4) (والليل إذا يغشاها) الليل الذي قد بدأ للتو يغشى الشمس، وكيف تكون هذه الغشاوة؟ الغشاء هو غطاء خفيف يغطي المغشي عليه، ولا يمكن أن يغشى الليل الشمس مع وجودها ظاهرة في جهة المغرب وهي القاهرة للظلمات، ولا يصح أن يغشاها الليل إلا بعد غيابها، وكذلك لن تكون هذه الغشاوة بعد فترة زمانية بعيدة عن غياب القرص، بل يمكننا أن نقول أن الليل غشى الشمس مباشرة بعد اختفاء القرص عن الأفق دون فترة تفصل بينهما، وهذا يعني أن وقت الليل قد دخل بطبقة واحدة من طبقاته المظلمة بعد غياب قرص الشمس، ولكنه دخل بخفة قد لا نشعر لها كما تبين الآية التالية:
+++
(وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) سورة الإسراء (3)
**(**وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18)) سورة التكوير
الآية تذكر وقتين متناظرين وهما عسعسة الليل في مقابل انفلاق الصباح، والعسعسة هي حركة خفية غير محسوسة، وهذا ما يحصل حين تغيب الشمس فإن الليل يدخل بلطف وخفاء دون أن نشعر له، ويخفت الضياء بعدها شيئًا فشيئا ويستشعر أصحاب الأعمال أن وقت الضياء شارف على الانتهاء، فيقفلون راجعين إلى سكناهم.
تذكر سورة يوسف أن أخوة يوسف عادوا إلى أبيهم من المرعى في وقت العشاء:
(وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ**)** يوسف(16)
فبعد غياب قرص الشمس يعود رعاة الأغنام وأصحاب الأعمال والمزارعين من حقولهم إلى منازلهم، ويستغل الجميع ما تبقى من وقت الضياء للوصول إلى أماكن سكناهم، فوصول أبناء يعقوب في هذا الوقت هو الوقت الاعتيادي لمن يبتعد عن منزله ويعود قبل حلول الظلام الكامل. أما التأخر عن هذا الوقت ينزل سواد الليل على الأشياء وينحصر الضياء في الجهة الغربية ويتحول لونه إلى اللون الأحمر فيبان في هذه الفترة ما يسمى بالشفق:
2- الشفق
الشفق هو ماتبقى من ضياء ظاهر بعد غياب الشمس بفترة والذي ينحصر في الجهة الغربية، ويمكن للمشاهد أن يميز فيه بعض الأشياء والألوان. وفي هذا الوقت تزداد العين بالعشوان فتقل الرؤية ويقل تمييز الأجسام وخصوصًا البعيد منها، يقول الله عز وجل :
(فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18)) سورة الانشقاق
ولفهم طبيعة هذه الفترة علينا أن نتصور وضع الحياة قبل دخول الإضاءة الاصناعية، ففي هذه الفترة يفقد فيها الرائي رؤية الأشياء البعيدة بوضوح، وبحلول هذا الوقت يكون الوقت قد تأكد في دخول فترة العشاء بلا ريب في ذلك، ولايمكن لأحد أن يشكك في غياب قرص الشمس عن الإفق، حتى مع وجود مانع من رؤية الأفق من الجهة الغربية كجبل أو تلة أو مانع من السماء.
في هذه الفترة عرضت الجياد الصافنات على نبي الله سليمان، يقول الله عز وجل:
( وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32)) سورة ص
عرض على نبي الله سليمان في هذه الفترة الصافنات الجياد من الخيول التي أحبها في حفل استعراضي كما يبدو، فبقي يشاهدها (حتى توارت بالحجاب) والمقصود هو حجاب الرؤية التي أحدثته طبقات الظلام، ففي هذه الفترة تمتنع رؤية الأشياء البعيدة، لذا طلب نبي الله من أعوانه أن يردوا عليه الخيول حتى يراها من قريب ( ردوها علي فطفق مسحًا بالسوق والأعناق).
مع التأخر في الوقت أكثر تزداد طبقات الظلام فنصل إلى الظلمة الحالكة التي تحاصر الشفق فيختفي تمامًا وبعدها تنتهي فترة العشاء وندخل في غسق الليل.
(رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ (33))
3- غسق الليل :
بداية غسق الليل هو نهاية العشاء وبداية فترة جديدة من الليل الذي لا ضياء فيه في كل النواحي، وهنا يكون النهار قد انسلخ من الليل، وتكون الظلمة قد وقبت أي دخلت في كل شيء في الأرجاء من حولنا، فأظلم الناس واسودت ألوان الأشياء البعيدة والقريبة، وهو الوضع الذي أشارت إليه آية انسلاخ النهار في سورة يس:
**(**وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ) سورة يس (37)
الظلام الذي تقصده الآية هو الظلام الدامس الذي لا رؤية فيه لأنه جاء بعد انسلاخ النهار، وما تؤكده الآية أن العتمة لا تأتي إلا بعد أن ينسلخ النهار لأنها تتحدث عن ذهاب كامل الضياء، وما تتحدث عنه الآية الكريمة هو ما نراه على أرض الواقع فبعد غياب قرص الشمس يستمر الظلام في الازدياد حتى يتم محاصرة آخر ضوء للنهار من جهة المغرب في الشفق إلى أن ينتهي ذلك الشفق تمامًا لندخل في عتمة الليل التي يسميها القرآن بالغسق.
إذًا حسب الآية، أن الليل دخل قبل العتمة، ودخول الليل يتم بدخول أول طبقة من طبقات الظلام بعد غياب قرص الشمس، ويستمر في الظلام حتى يصل إلى السواد الكامل الذي هو الغسق، والذي يستعيذ الإنسان منه ومن شره.
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)) سورة الفلق
نستعيذ برب الفلق الذي يفلق الحبة، والذي يفلق الصباح، من شر هذا الذي أطبق على الناس بظلمته فلا يرون شيء من حولهم. وما يؤكد هذه الظلمة الحالكة هو الوصف القرآني ( غسق الليل ) الوارد في آية إقامة الصلاة.
(أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (78)) سورة الإسراء
فبدلالة أن فترة ما بعد غياب قرص الشمس هي فترة ذكر وإقامة صلاة، فالآية تشير إلى نهاية هذه الفترة وهي ذاتها فترة العشي التي درسناها في هذه الحلقة، فلا شيء في الليل يمكن أن يُميّز فيه غير تلك الظلمة الحالكة التي لم تكن قد بانت قبل انسلاخ النهار واختفاء آخر ضياء في المغرب من الشفق، حتى ندخل في الليل الغاسق.
وهذا يعني أن العشاء هو فترة الليل غير الغاسق، وما بعده فهو الليل الغاسق الذي لا يمكن للعين أن ترى فيه بصيص الضياء في الكون.
خلاصة
لقد حددنا في هذه الحلقة فترة العشاء حسب الوصف القرآني وقلنا بأنه الوقت المقابل لوقت الفجر ومتماثل معه ومشابه لحالته بالضد، فإذا كان الفجر يسفر عن الصباح، فإن العشاء ينقبض مرة أخرى ليعود الظلام بنفس التدريج. ما بعد العشاء هو الظلمة التي يمسيها القرآن غسق الليل، وما قبل الفجر هو السحر.
وتحدثنا في ثلاث عناوين رئيسية : 1- بداية العشاء ، 2- الشفق 3- الغسق وهو نهاية العشاء.
يبدأ العشاء بغياب قرص الشمس من جهة المغرب، وببدايته يبدأ الليل، ويتدرج الوقت في الظلمة حتى يصل إلى انحجاب الأشياء البعيدة وبقاء ضياء الشفق، ثم ينتهي العشاء بغياب ما تبقى من ذلك الضياء وحين الدخول في العتمة الكاملة التي يسميها القرآن بالغسق الذي يعني عتمة الليل والتي تستمر حتى طلوع الفجر .
رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء والحمد لله رب العالمين.
انتهى .