المقدمة
| times-of-the-dayالصلاة في القرآن الكريم
هل تحدث القرآن الكريم عن تفاصيل الصلاة؟ عن أوقاتها و كيفية أدائها؟ بما يحتاجه المؤمن كي يؤدي هذا الفرض الرباني؟ أم أن القرآن لم يتحدث عن ذلك إطلاقًا؟ وهل من المنطق أن لا يتحدث القرآن عن عبادة كهذه تعد عماد الدين؟
هذه دراسة قرآنية بحتة حول الصلاة في القرآن الكريم، نتعرف من خلالها عن كيف تحدث القرآن عن الصلاة بتفاصيلها، عن أوقاتها وكيفية أدائها. وقبل البدء في هذه الدراسة كان لابد لنا من مقدمة، نستعرض فيها أولًا موجزا عن حديث القرآن عنها، ثانيًا نبيّن تاريخ الصلاة بشكل مختصر بما يعد مدخلًا هامًا لهذه الدراسة. وأخيرًا نتحدث عن مسار هذه الدراسة.
موجز
لقد تحدث القرآن حول ثلاثة عناوين رئيسية حول الصلاة هي: أوقاتها ، أفعالها وأذكارها، وتحدث عن هذه العناوين الثلاثة من خلال اتجاهين رئيسيين هما المبنى والمعنى.
1- المبنى
وهو ما نقصد به التحديد، فإذا قلنا أفعالها نقصد ما هي الأفعال بالتحديد؟ وإذا قلنا الأوقات، فهل ذكرت الأوقات بوضوح تام، أما إذا قلنا الأذكار فماهي؟ وكيف حددها القرآن الكريم؟
2- المعنى
أما المقصود بالمعنى حول تلك العناوين الثلاث، فهو المعنى الإيماني لها، ومعناها في موضوع عبودية المؤمن لربه، وعلاقة ذلك بمواضيع مختلفة منها التوحيد والشرك وإقامة الدين وتزكية النفس، والقرآن الكريم يغص بمعاني الصلاة، وهذا يحتاج إلى دراسة منفردة تكون بعد الحديث عن مبنى الصلاة.
هذا ما يتعلق بالمقدمة الأولى، أما ، المقدمة الثانية وهي ذات دلالة هامة في هذه الدراسة فهي متعلقة بتاريخ الصلاة، لن نستعرض تاريخ الصلاة بذكر كل آيات هذا التاريخ، ولكن نكتفي بما يجعلنا أمام مدخل الصلاة في صورتها التاريخية بشكل موجز أيضًا.
تاريخ الصلاة
هل الصلاة عبادة جديدة على الرسالات السماوية، وحدثت في عهد القرآن الكريم؟ أي أنها لم تكن قبل أن ينزل القرآن، ولم تكن موجودة قبل أن يبعث الله نبيه محمد؟ أم أنها كانت قبل ذاك؟
لقد كانت بعثة النبي محمد في أرض مكة المكرمة والتي تحتضن أول بيت وضع للناس، هذ البيت الذي رفع قواعده نبي الله إبراهيم وأسكن من ذريته بواد غير ذي زرع من أجل أن تقيم ذريته الصلاة، لم تكن الصلاة عبادة حادثة بنزول القرآن! ولم تكن تفاصيلها جديدة على البشرية، فالإنسان عرف السجود والركوع والتقديس منذ القدم.
الصلاة هي وصية الله إلى أنبيائه وأصفيائه وعباده الصالحين، نقف عند ثلاث آيات لنتعرف على هذا التاريخ.
**1- (**قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً (*) وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً)
سورة مريم (30) - (31)
هذا حديث نبي الله عيسى (ع) لقومه وهو في المهد، ويشير في أول حديثه في هذه الدنيا وفي آية كبرى إلى الصلاة والزكاة على أنها وصية الله له، تقول الآية السابقة :" قال إني عبد الله" هنا يؤكد فيها نبي الله عيسى عبوديته لله، ثم يؤكد على التمسك بالكتاب " آتاني الكتاب"، ثم يتحدث عن مصداق تلك العبودية ومصداق ذلك التمسك بالكتاب وهو إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
عندما يتحدث نبي الله عيسى وهو المهد عن وصية الله له، هو لا يتحدث عن تلك الوصية على أنها وصية خاصة، بل هو يتحدث عنها على أنها وصية الله للبشرية جمعاء عن طريق عيسى، وهو بهذا يوصيهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
هذا هو ديدن الأنبياء والصالحين، فهذا نبي الله إسماعيل – وفي نفس السورة - يوصي ذريته بإقامتها والدوام عليها:
**(**وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً (*) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً )
مريم (54) – (55)
تتحدث الآية عن صفات إسماعيل الخلقية التي ميزته في إيمانه، ثم تتحدث عن ميزة هامة وهي أنه كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا، لعلمه بأهمية الصلاة ومكانتها في الدين وضرورة التعلق بها لأنها سبيل النجاة يوم القيامة. فهذا نبي من أنبياء الله يحمل الأمر باقامة الصلاة رسالة في حياته مع أهله.
أخيرًا وليس آخرًا، نستشهد بآية في سورة البينة والتي توضح أن الصلاة هي الأمر الأسمى لرسالات السماء، يقول الله عز وجل :
**3- (**وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ (*) وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)
سورة البينة 4 - 5
الآية تكشف علاقة بين التفرق في الدين وبين عدم إقامة الصلاة كما أمر الله، ثم تبيّن أن الأمر الأسمى في كل تلك الرسالات هو عبادة الله المخلصة، ثم تفرد الحديث في العبادة عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وذلك دين القيمة.
الصلاة إذًا هي وصية الله إلى كل الأمم وإلى كل العباد وإلى كل من آمن برسله وكتبه، الصلاة ليست عبادة حادثة بنزول القرآن، ويمكننا أن نرى هذه الحقيقة في آيات كثيرة في القرآن الكريم. وما يهمنا في هذه المقدمة هو أن نؤكد على هذه الحقيقة وندخل لتعلم الصلاة من القرآن من خلال هذا الفهم.
يتحدث القرآن عن ما يسميه "إقامة الصلاة"، والشيء القائم يكون مشاهد للعيان، فنقول عن المبنى أنه قائم إذا كان محافظًا على كيانه المادي من الخارج ومضمونه المعنوي من الداخل، وبالمثل فإن إقامة الصلاة تعني الحفاظ على كيانها المادي والمعنوي مُشاهد للعيان أيضًا.
إذا قلنا أن الصلاة لم تكن حادثة مع نزول القرآن ولكنها كانت قبل ذلك، فإننا بذلك علينا أن نفهم كيف تحدث القرآن عنها؟ لقد تحدث القرآن عن الصلاة على أنها شيء موجود في الأساس، لكنه يؤكد على شيء من مبناها أو كل معناها الذي ضُيع مع الأجيال.
نصل هنا إلى خاتمة هذه المقدمة بالحديث عن النقطة الأخيرة وهي مسار هذه الدراسة:
مسار الدراسة
تحدث القرآن الكريم عن الصلاة في عناوينها الثلاث، الأوقات والأفعال والأذكار، وفي إطار مسارين رئيسيين هما المبنى والمعنى، سنخصص هذه الدراسة حول المبنى فقط، على أمل أن نوفق لدراسة معناها بعد أن نشيد مبناها، ونريد أن نضع هذه المقدمة بعين الاعتبار، وهي أن للصلاة تاريخ قديم قدم الإنسان على الأرض، وأن القرآن الكريم يتحدث عن هذا المبنى على أنه قائم لكنه قد يحتاج إلى ترميم وإعادة تشييد في بعض مبانيه ومعانيه.
ونريد أن نبين أيضًا هذه الدراسة عامة وتستهدف من يرغب في تعلم الصلاة من القرآن لذا:
1- ستتناول الدراسة بإذن الله هذه العناوين الثلاث بشيء من الإيجاز لتكون عونًا لمن أراد أن يتعمق أكثر في فهمها من خلال القرآن الكريم.
2- سنعتمد –بإذن الله - على المعاني البينة الواضحة من كتاب الله، بعيدًا عن التكلف.
3- تتطلب هذه الدراسة من المتعلم التحرر من قيوم الموروث حتى يرى الآيات ببيانها الجلي.
والله ولي التوفيق.
رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء والحمد لله رب العالمين.