مدونة حلمي العلق

دراسة في تقسيم التركة

 | التركة

مقدمة

في تقسيم التركة يمكن أن نسأل ثلاث أسئلة أساسية للتعرف على طريقة فهم الآيات الثلاث المتعلقة بهذا الموضوع :

السؤال الأول : في قوله تعالى " فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلإمه الثلث " ، ماهو نصيب الأب ؟

السؤال الثاني : ما هو تعريف الكلالة ؟

السؤال الثالث : في قوله تعالى : " وهو يرثها إن لم يكن لها ولد " ما هي قيمة التركة التي حددها القرآن للأخ من أخته في هذه الآية ؟

في المقدمة

طريقة التقسيم.

الحديث في توزيع التركة هو توزيع نسب متقابلة مع بعضها البعض، وليس عدد تقسم عليه التركة، لأن مجموع النسب لا يساوي واحد إلا في حالات نادرة ولكنها في الأغلب هي إما أكثر من واحد أو أقل من واحد، وكما نعلم فإن القسمة بهذا الشكل ستكون إما بباقي أو بنقص، وعندما نقول أنها نسب متقابلة أي أنها تحدد نسبة كل وارث بناءًا على تواجد منافس له، ففي حال وجود المنافس يجب أن يأخذ الوارث النسبة المحددة له، ولكن مع عدم وجود منافس فإن النسبة لا تقابل نسبة أخرى، وبالتالي لا وجود للحديث عن قسمة للتركة حسابياً.
مثال : لو أردنا أن نقسّم مبلغ وقدره 12 ريالاً على محمد و سالم على أساس نصف يقابله سدس، فيمكننا أن نضرب السدس في 6 ليصبح 1 وهو من نصيب محمد ، ونضرب النصف في 6 فيصبح 3 وهو من نصيب سالم، ونجمع 1 مع 3 ليصبح 4. ونعتبر أن لدينا 4 صناديق ونريد أن نوزع 12 على أربع صناديق، فكم يأخذ كل صندوق ؟
نقسم 12 ريالاً في 4 صناديق بالتساوي، فيكون نصيب كل صندوق 3 ريالات، والآن نسأل كم هو نصيب محمد فتكون الإجابة نصيبه صندوق واحد وفيها 3 ريالات، وكم نصيب سالم فنقول نصيبه 3 صناديق وفيها 9 ريالات، والمجموع كما نلاحظ 12 توزعت عليهما بالكامل دون باق.
على الرغم من أن قسمة 12 على 6 تساوي 2 ، وقسمة 12 على 3 تساوي 4، وعندما نجمع 2 مع 4 يساوي 6 ولم يكتمل المبلغ إلى 12، فليست هذه هي الطريقة المقصودة في توزيع التركة، ولكنها هي نسبة مقابلة لشيء آخر.

المعيار الحاكم في التوزيع - ثلث الأبوين

لكي نفهم آيات التركة يجب أن نضع الآيات الثلاث نصب أعيننا واضحة بينة، لا أن نقرأ الأولى مستقلة عن الثانية أو الثالثة، وأي شيء نفهمه من الآية الأولى يتأكد فهمه من الآية الثانية والثالثة وهكذا. أول مقطع من آية (11) هو آخر مقطع يطبق عملياً وآخر شيء يمكن أن يفهم، الآيات تفهم بالتدبر. بالنظر إلى الآيتين الأولى آية (11) والثانية آية (12)
يمكن أن نلخص التركة إلى حالتين أساسيتين هما اللتان تحدثت عنهما الآيات، الحالة الأولى هي تركة بوجود الأبوين، أما الحالة الثانية فهي تركة بعدم وجود الأبوين، وهي التي تسميها الآيات الكلالة. الآية (11) تتحدث عن تركة بوجود الأبوين، أما الآيتين (12) والآية الأخيرة في سورة النساء وهي آية (176) فهما تتحدثا عن الكلالة، وفي الآية الأخيرة حالة خاصة من عدم وجود الأبوين وهي اختفاء الإبناء أيضاً مع وجود الإخوة.

الكلالة

في نهاية الآية الأولى حددت الآية أن الحديث في الآية عن الآباء والأبناء بقوله تعالى " آباؤكم وأبناؤكم لاتدرون أيهم أقرب لكم نفعاً فريضة من الله" وهي الآية التي فصّلت في الحديث عن الآبوين وحددت أن لكل واحد من الأبوين السدس. أما في الآية الثانية حددت الآية أن للأخ أو الأخت السدس أو لكل واحدٍ منهما السدس في حالة أسمتها الكلالة بما يوحي أن الأخ والأخت أخذا مكان الأبوين الأمر الذي يفهمنا أن الكلالة هي اختفاء الأبوين وإحلال الإخوة مكانهما، وإن زاد الإخوة فهم شركاء في الثلث، والثلث الذي ظهر للأبوين بصورة واضحة في الآية الأولى، ظهر مرة أخرى في الآية الثانية، ولكن خصص للإخوة.

كلمة الوراثة في الآيتين الأولى والثانية هناك ثلث مخصص للأبوين، والآية تسير ضمن منهج يوحي بأن القارئ يجب أن يكون على أساس من الفهم، تتحدث الآية عن حالة خاصة وهي وجود الأبوين واختفاء الأبناء والإخوة حين قالت " فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلإمه الثلث" وعلى القارئ أن يفهم ما هي نسبة الأب؟! وفي هذه الحالة تغيّرمعيار التوزيع من أن يكون الثلث وحده للأبوين فصار أن الثلث وحده للأم، وبهذا نفهم أن تغييراً في توزيع النسب بين الأبوين قد حصل في هذه الحالة. فما هي نسبة الأب؟! هل للأب الثلث كما هو للأم؟ إذا كان الأمر كذلك فلم لم يقل كما قال في المقطع السابق فلكل واحد منهما الثلث؟! فقد حدد الحديث عن الأم فقط، ولاشك أن لهذا التحديد أهمية في فهم نسبة الأب ولكن بطريقة تختصر الحديث وتبين حقيقة التوزيع في بقية الحالات.

ثم هل للتعبير في قوله تعالى " وورثه أبواه " أهمية في الفهم، ألم يكن بالإمكان أن يقال " فإن لم يكن له ولد فلإمه الثلث" دون أن تقال هذه الكلمة أو أن تحشر هذه العبارة؟ فهل لهذه العبارة أهمية في فهم النسبة المفترضة للأب؟ لقد استخدمت كلمة الوراثة في الآيات الثلاث، في آية (11) استخدمت في حال غياب الأبناء والإخوة، وتحديد أن الأبوين هم الوارثين، وفي الآية (12) استخدمت في الكلالة حيث قالت الآية " يورث كلالة " في حالة فهمنا منها غياب الأبوين وعدم غياب الأبناء، واستخدمت في الآية الأخيرة (176) وهو يرثها إن لم يكن لها ولد، أي أن الأخ يرث اخته حين لا يكون لها لا أبوين ولا أبناء. يضاف إلى ذلك أن كلمة الوراثة في التركة قصدت الآباء والأبناء، دون أن يكون لها علاقة بالزوجة وهذا يتضح في كل الآيات، ففي الآية (11) حين قالت الآية " وورثه أبواه " هي لاشك تعني غياب الأبناء والأخوة، ولكن لا تعني بالضرورة غياب الزوجة، فقد تكون الزوجة موجودة ومع ذلك فيمكننا أن نقول ورثه أبواه، وكذلك بالنسبة للآية (12) في حالة الكلالة، فهي مخصوصة بالحديث عن غياب الوالدين ولا علاقة لها بوجود الزوجة أو غيابها، ونفس الوضع بالنسبة للآية الأخيرة آية الكلالة، حين قالت عن الأخ أنه يرث اخته، فلا علاقة بوجود الزوج من عدمه فقد يكون الزوج موجوداً أو غائباً، وفي كلا الحالتين يصدق حالة الوراثة على أن يرث الأخ أخته، وهذا يدلنا على أن كلمة الوراثة هي نسبة محددة .

ومن الآية الأخيرة فإن كلمة الوراثة هي أكبر من النصف بالمقارنة بين ما تأخذه الأخت إلى ما يأخذه الأخ، فالأخت تأخذ نصف ما لدى أخيها، ولكن الأخ يرثها، وكأن الآية تقول بأنه يأخذ كل ما لديها، ولكن الآية حتماً لا تغفل أنه قد يكون لهذه الأخت زوج وفي حينها سيكون له النصف إذ ليس لها ولد، فكيف يصدق أن الأخ يرث اخته، ولديه منافس وهو الزوج الذي يأخذ هذه النسبة؟ وبهذا فإن كلمة يرثها في هذه الآية تعني أن هناك نسبة محددة ستكون لصالح هذا الأخ، والآية تتعامل على أساس أن القارئ يدرك هذه النسبة من خلال هذا التعبير.

ملاحظات هامة على الوراثة في التركة

1- الآية الأولى تحدثت في نهايتها عن الآباء والأبناء وقالت " آباؤكم وأبناؤكم " فالآيات تتحدث عن التقسيم لهذين الصنفين، فربطت بينهما بلا ارتباط يذكر للزوج أو الزوجة.

2- الآية الأولى ربطت نسب الأبوين بالأبناء بشكل رئيسي، وبالإخوة بشكل فرعي.
3- لا نجد في الآية الأولى أي ربط بين نسب الأبوين والأبناء بالزوجة أو الزوج.
4- الآيات تسير على أساس التخصيص لحالات يمكن أن نقول أنها الشاذة عن القاعدة الاعتيادية أو العامة لنفهم نحن بقية الحالات.

القراءة الأولى للآية

" يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين"
1- ما يخصص في التركة للأولاد يوزع عليهم على أساس هذه القاعدة.
2- هذه القاعدة هي نسبة بينية، أي أن نسبة الذكر هي الضعف بناءً على وجود الأنثى، ويمكن أن نفهم منها تخصيص وتعميم : التخصيص هو أن نصيب الأولاد يوزع: ذكور وإناث، للذكر ضعف ما تأخذه الأنثى. أما التعميم فيمكن أن نأخذ منه الحالات التالية :
1- إن كانوا ذكوراً فقط، فيوزع النصيب عليهم بالتساوي
2- إن كانوا إناثاً فقط، فيوزع النصيب عليهم بالتساوي.

" فإن كن نساءًا فوق اثنتين فلهن ثلثا ماترك"
1- انتقل الحديث من كيفية توزيع نصيب الأولاد على الأولاد، إلى ماهو نصيب الأولاد أصلاً من التركة وخصصت الآية الحديث عن الأولاد إذا كن نساءً فقط، ومن هذا التخصيص يمكن أن نفهم
أ- إذا كن ثلاث نساء فلهن الثلثان.
ب- إذا كن اثنتين فلهن الثلثان.
أما التعميم لهذا المقطع فهو في الأولاد إذا كانوا ذكوراً فقط، أو ذكوراً وإناثا:
أ- إذا كانوا ذكوراً فلهم الثلثان أيضاً
ب- إذا كانوا ذكوراً وإناثاً فلهم الثلثان أيضاً
ولكن التخصيص للإناث في الحالة المخصصة المذكورة يعني الالتزام بها في كل الأحوال، وسيتضح ذلك بعد الفراغ من القراءة الأولى إن شاء الله.

" وإن كانت واحدة فلها النصف"
هذا المقطع خاص لحالة واحدة ، والحالة الخاصة هذه تتحدث إن كان للمتوفى بنت واحدة فقط فلها النصف، ولكن يمكن أن نأخذ من هذا المقطع التعميم المتعلق بالذكر الواحد فما لم يخصص له الحديث سيندرج في الحالة العمومية التي يمكن أن نستنتجها من حالة الذكور فقط في الفقرة السابقة
1- الحالة الخاصة : للبنت الواحدة النصف.
2- التعميم : للذكر والواحد فله ...

" ولأبويه لكل واحد منهما السدس إن كان له ولد "
هذا المقطع يربط نسب الأبوين بوجود الأبناء، وهنا تخصص الحديث عن ثلث للأبوين في حال وجود الأبناء، والمقطع يتحدث عن الحالة عامة هي وجود أبوين، ومنه يتماسك ثلث الأبوان، خصوصية هذا المقطع هي : أن يكون للميت والدان فيكون لكل واحد منهما السدس، أما التعميم الذي يمكن أن نستنتجه هو :
1- إن كان له أب واحد فله السدس
2- إن كانت له أم واحدة فلها السدس.
وللمقطع استنتاج على سبيل الظن، فهذا الثلث ينسجم من ثلثي البنات في المقطع السابق فيكونان واحداً، فهل هذا الواحد متماسك مع بعضه البعض، بمعنى هل يمكن أن نستنتج من ذلك التالي: في حال وجود أبوان أو أحدهما.
1- هل نفهم أن للذكر الواحد ثلثان؟
2- هل يمكن أن نفهم أن للذكور ثلثان؟
3- هل يمكن أن نفهم أن للرجال والنساء من الأولاد لهما الثلثان أيضاً؟

"فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه للإمه الثلث"
الحالة الخاصة في هذا المقطع الرباني هي اختفاء الأبناء والإخوة، ووجود الأبوين، مع احتمال لوجود الزوج إن كان الميت أنثى أو الزوجة إن كان الميت ذكراً، وفي هذه الحالة الحديث مخصص للأم أن لها الثلث، وهنا يمكن أن نضع الحالات العامة الأخرى التي لم تخصصها الآية وهي :
1- وجود الأب وحده ، الأب يرث
2- وجود الأم وحدها ، الأم ترث.
ولكن السؤال الأب يرث ماذا؟ والأم ترث ماذا؟ أليس من المتوقع أن توضع نسبة، والآية تحدثت بقولها " وورثه أبواه " والتي لا تعني وجود الأبوان وحسب بل تعني بسبب وجودها فإنهما استحوذا على سهام غيرهما، فكان الحديث بالتخصيص لسهم الأم على أن سهم الأب سيُعلم بتلقائية فهم القاعدة العامة التي تسير عليها آيات التركة. وهنا يجب أن نقف عند الاستنتاج السابق ونعود إليه لنأكد: الأبوان يرثان الثلث، في حال وجود الأبناء الذين يرثون الثلثان. هذا بصورة عامة، فإذا غاب الأبناء والإخوة، فإن الآية تقول بأن أبواه يرثانه وأمه تأخذ الثلث، والذي يمكن أن نستنتجه هنا:
1- وجود أبواه : للأم الثلث ، وللأب الثلثان.
2- وجود الأم لوحده ترثها ولها ثلاثة أثلاث.
3- وجود الأب لوحده يرثه وله ثلاثة أثلاث.
ولنعتبر ذلك على سبيل الظن على أن نتحقق منه أثناء مسيرتنا في قراءة الآية قراءة تفكرية شاملة.

" فإن كان له إخوة فلإمه السدس"
الحديث يتواصل عن الحالة في المقطع السابق، وهي حالة اختفاء الأبناء، ولكن في هذه الحالة ظهر الإخوة، وهذا المقطع الشريف يعيد الأم إلى السدس، إذا كانت التركة ثلث للأبوين وثلثان للأبناء، فإن هذا المقطع يعيد الأم إلى موقع ثلث الأبوين الذي يوزع عليهما بالتساوي ويمكن أن نستنتج من ذلك:
1- عودة الأب أيضاً إلى هذا الموقع بالسدس.
2- أن الإخوة شغلوا موقع الأبناء وهو الثلثان.
ويمكن أن نعمم هذه الحالة الخاصة إلى الحالات التالية في حال غياب الأبناء ووجود عنصر الإخوة بأي عدد منهم وبأي صنف ذكر كان أم أنثى:
1- وجود أب لوحده يأخذ السدس
2- وجود أم لوحدها تأخذ السدس
3- وجود الأبوين: لكل واحد منهما السدس.

أما في قوله تعالى " وإن كان رجل يورث كلالة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس" فهذا المقطع يؤكد الكثير مما تم استنتاجه في المقاطع الشريفة في الآية السابقة، فقد ومنه نفهم أولاً ما أسمته الآية الشريفة الكلالة، فالكلالة هي غياب الأبوين لأنه تحدث عن السدس المخصص للأبوين، وأعطى الأخ السدس وكأنه حل مكان الأب، وأعطى الأخت السدس وهو مكان الأم، وعندما يكونوا أخوة أكثر من ذلك فهم يأخذون هذا الثلث بالتساوي، وفي هذا تأكيدات على مامضى وهي:
1- أن التركة الأساسية ثلث مخصص للأبوين
2- أن الإخوة يحلون محل الأبناء في غيابهم وتوزع عليهم كما توزع على الأبناء فالإخوة في هذه الحالة حلوا محل الأبوين وقسمت عليهم بقاعدة الثلث، ولقد تحدثت الآية السابقة عن غياب الأبناء ووجود الآبوين ، فالأم تأخذ السدس لأن الإخوة حلوا محل الأبناء، وبالتالي توزع عليهم بقاعدة الأبناء.
ومن ذلك يمكن أن يتأكد الفهم على ما سبق، ففي حالة وجود الأب لوحده أو وجود الأم لوحدها في حال غياب الأبناء ووجود الأخوة حين قالت الآية " وإن كان له إخوة فلإمه السدس" يمكن أن نتأكد من الحالتين التاليتين:
1- وجود الأب لوحده مع الإخوة وغياب الأبناء يأخذ السدس.
2- وجود الأم لوحدها مع الإخوة وغياب الأبناء تأخذ السدس.
3- وجود الأبوين في وجود الأخوة وغياب الأبناء كل واحد منهما السدس.

وبهذا يمكن أن نتصور ما الذي يمكن أن يكون عليه تقسيم التركة في حال غياب الأبوين والأبناء ووجود الإخوة فقط. الأمر الذي سيخلف من ورا

في حال وجود الولد هناك احتمالان للأبوين، الآية تعمم حين تقول "لكل واحد منهما السدس" لتشمل الحالات الثلاث التالية:
1- أن يكون له أب فقط ، فيأخذ السدس فقط، لأنها لم تذكر هذه الحالة كاستثناء.
2- أن يكون له أم فقط، فتأخذ السدس فقط، لأنها لم تذكر هذه الحالة كاستثناء.
3- أن يكون له أبوان فكل واحد منهما يأخذ السدس، هذا هو النص العام.

الأشكال المندرجة من فهم قوله تعالى " وورثه أبواه فلإمه الثلث"

1- أن يرثه أباه فقط.
2- أن ترثه أمه فقط.
3- أن يرثه أبواه فيكون لأمه الثلث مما يرثانه.

ومن هذا فإن الآية تخصص الحديث عن الحالة الثالثة باعتبار أن الحالتين الأولى والثانية مفهومة النسب، فالتخصيص يكون لما قد يعتري من تصور خاطئ في التقسيم في حال كان الوراثة للاثنين، فقد يتصور أن يكون لكل واحد منهما النصف. كما أن الحالة الثالثة تعني أن الذي يرثانه شيء معتبر ويمكن أن نأخذ منه الثلث، وما يتبقى فهو للأب.

والآن نحاول أن نقترب من هذا المقطع " ولأبويه لكل واحد منهما السدس إن كان له ولد " والآن يجب أن نضيف المقطع الذي نفهمه من السياق وهو : فإن لم يكن له ولد ولا إخوة :
1- فإن كان له أم فقط فهي ترثه، لأن الآية لم تحدد للأم في حال غياب الأب.
2- فإن كان له أب فقط فهو يرثه، لأن الآية تحدد للأب في حال غياب الأم.
3- فإن كان له أب وأم ، فللإم الثلث مما يرثانه في الحالتين الأولى والثانية.

إذاً الآية تتحدث عن شيء معتبر وهو " الوراثة " وهذا الشيء المعتبر له علاقة بصنفين أساسيين هما الآباء والأبناء. وياتي الإخوة كبديل حين يغيب أي صنف منهما.

والآن هب أننا لم نفهم هذا المعنى من الآية الأولى واشتبه علينا الأمر، فالله سبحانه أحكم هذا الاشتباه بالآية الأخيرة في سورة النساء لأن الآية تذيلت بقوله تعالى " يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم". الإخوة في آخر آية هم بمثابة الأبناء، ويمكن أن نعتمد هذه الآية في لتوزيع النسب على الأبناء في حال غياب الأبوين والإخوة، في الآية الأخيرة الأخت ترث النصف من أخيها، ولكن الأخ يرث اخته، فهاهنا اعتبار لكلمة الوراثة على أنها عدد محدد في قوله تعالى " وهو يرثها إن لم يكن لها ولد"، ويمكن أن نعكس هذا الحال على الأبناء في حال غياب الأبوين والإخوة بالمثل فنقول أن البنت ترث نصف تركة أبيها، والولد يرث أباه، ويمكن أن نضع بعض الملاحظات على هذه الكلمة :
1- أن الوراثة أكبر من النصف وهو نسبة البنت الواحدة، وكذلك أكبر من الثلثين الذي هو نصيب الأختين فأكثر.
2- أن كلمة "الوراثة" ظهرت للابن بعد غياب الأبوين والإخوة، فهما الصنفان المنافسان في الوراثة، نعلم أن الأبوين يأخذان الثلث، وأن الإخوة يحلان محلان الأبوين إن غابا. ولكن في هذه الحالة غاب الأبوان ومن يحل محلهما فقلنا أن الولد يرث أباه.

آية الكلالة الأولى:
وبالرجوع إلى آية 12 التي تحدثت عن الكلالة نلحظ أيضاً ظهور كلمة "الوراثة" ولكن بإضافتها إلى الكلالة " يورث كلالة" وهذا يؤكد أن هذه حالة أن للميث وراثة مختصة بأصناف ثلاثة وهم الآباء والأبناء والإخوة بلا علاقة ولا ارتباط بالزوجة، وهذا الجزء الذي أخذ للأخوة هو وراثة للكلالة، والكلالة الموروثة هي الثلث من التركة الذي يخلفه الأبوان. وهي جزء من كل الوراثة وليس كلها.

التركة حين تطلق كلمة الوراثة فهي تعني ثلاثة أثلاث، لماذا؟ في الآية الثالثة وهي التي تتحدث عن فتوى خاصة حول الكلالة في حالة عدم وجود الأولاد لم يكن هناك ذكر للآباء.

فقه القول : هو فهم مرامي الكلام، فهناك كلمات تختصر وراءها الكثير من المعاني، وكلمات القرآن لا إخلال فيها ولا تزييد، لأنه كلام إله، لذا فهو مختصر بما يفيد المعنى وهو يحتاج إلى فقه، والفقه يحتاج إلى تريث ودراسة وعدم استعجال، وقراءة متأملة متأنية في مجمل الحكم وليس في الكلمة ذاتها أو في المقطع الواحد فقط، أو في الآية الواحدة التي تتناول حكم أو قضية ما. وقوله تعالى " لا يكادون يفقهون قولا" لا تعني أنهم لا يسمعون الكلمات، ولكنها تعني أنهم لايمكن لهم أن يستوعبوا مرامي ومقاصد الكلام، وقوله تعالى : " فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا " تعني أنهم لا يترجمون الأحداث بالصورة الصحيحة بناءً على ما علمهم الله وما فهمهم إياه.
و في موضوع التركة يراد من المؤمن القارئ أن يفقه القول يفقه مرامي ومقاصد المقطع في الآية بجميع أبعاده وباتصاله وعلاقته مع بقية المقاطع وبقية الآيات. فالآية الشريفة التي تقول : " للذكر مثل حظ الأنثيين" لا تعني فقط نسبة توزيع، وإنما تعني أيضاً أن التركة قائمة على أساس نسب متقابلة يؤثر بعضها على البعض الآخر، فوجود الذكر أثر على الأنثى ووجود الأنثى أثر على نسبة الذكر، وهذا ينعكس على بقية الآيات فلاداعي للكرار إذا فهمنا هذا من هذا المقطع، فالنسب الموجودة هي نسب يستخلص منها أسهم وليست الأسهم ذاتها، وفي حالتنا هنا، نلحظ أن نصيب الإخوة يؤخذ أولاً ثم يوزع على أساس للذكر مثل حظ الأنثيين. وهي ذاتها التي يمكن اعتبارها أن للذكر واحد وللأنثى النصف. لكن هذا المقطع استخدم هذه الصياغة التي تعني التأثير والمقابلة، التأثير حين توجد الأخوات أو الإخوة، والمقابلة بمعنى أننا لا نأخذ التركة الأصلية ونقسمها على واحد ونأخذ نصيب الذكر، أو نأخذ أصل التركة ونقسمها على نصف فنأخذ نصيب الأنثى فهذا حسابياً لا يصح وعملياً لا يتم.

طريقة تعليم توزيع التركة

المقدمة :

الدرس الثاني :

قواعد :

1- المقطع من الآية " وورثه أبواه فلأمه الثلث" ، القرآن يفرض علينا أن نفهم النص وأن نفهم ظلال النص، فعندما يقول فلأمه الثلث هو يفرض عليك أن تفهم وتستنتج ما هو حق الأب بناءًا على فهمك التام للنص، ومن خلال رؤية الخط العام لسير الآيات، ومن هنا علينا أن نقرأ الآيات قراءة في محاولة لاستنتاج ذلك الخط العام المشترك في كل الآيات.

2- القراءة الموجهة: نتعلم اليوم أيضاً مهارة مهمة وهي القراءة الموجة لهدف محدد، ونقصد بالقراءة الموجهة هي أننا لا نقرأ النص كاملاً من أجل أن نفهم كل جزئياته ولكن من أجل الخروج بنتيجة أو استنتاج فراغ لم يمكننا استنتاجه. وفي موضوعنا الحالي سنجد أن الآيات تحدثت عن بعض الحالات وتركت الباقي، فنريد من خلال القراءة الموجة أن نستنتج الحالات الأخرى من خلال قراءة بقية النص دون أن نخوض في تفاصيله. وهذه القراءة مهمه جداً.

التركة الأساسية للآباء والأبناء والإخوة :
انتهينا من توزيع التركة المخصصة للأبناء على الأبناء بأنهم إذا كانوا ذكوراً وإناثاً يأخذون بنسبة للذكر مثل حظ الأنثيين، أما إذا كانوا ذكوراً فقط فتوزع عليهم بالتساوي، أو إناثاً فقط فتوزع عليهم بالتساوي، والذكر لوحده أو الأنثى لوحدها فلا شريك معها. والآن نقرأ هذا المقطع الشريف من الآية 11

" فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك "
" وإن كانت واحدة فلها النصف"
هناك خمس حالات للأبناء :
1- بنات فقط .................... ثلثا
2- أنثى واحدة فقط ............ النصف
3- ذكر واحد فقط .............. ؟
4- ذكور فقط ................... ؟
5- ذكور وإناث ................. ؟

والآن نقرأ قراءة موجهة ، نكمل القراءة في المقطع التالي ونعود للمقطع الأول لملئ الفراغ في الحالات الثلاث الأخيرة المتبقية، وسنقرأ المقطع التالي في اتجاه واحد فقط وهو أن نفهم ما هي قيمة الفراغات السابقة فقط، ولا نهدف لفهم شيء آخر.

" ولأبوية لكل واحد منهما السدس إن كان له ولد "
في المقطع ربط بين الأبناء والآباء بحيث أنه يقول في حال وجود الولد فنعطي للأبوين الثلث، وكأنه يتحدث عن شيء متكامل لهذين الصنفين، هذا الشيء المتكامل مقسم إلى جزئين الجزء الأول للأبناء والجزء الثاني للأبوين، ويتبين أن الجزء الثاني هو الثلث، وفي هذه الحالة خصصه للأبوين بسبب وجود الأبناء، وكأنه يختصر القول بأن الجزء الأول هو للأبناء؟ ولكن ما الذي يمكن أن نراه حتى نفهم ما هي نسبة الجزء الأول؟

يمكننا أن نرى حالة متكاملة من خلال وجود البنتين فأكثر مع أبوين، فمن خلال هذه الحالة المتكاملة نجد أن للأولاد الثلثان وللأبوين الثلث، ومن خلال هذه الحالة المتكاملة يمكن أن نستنتج أن ما يتم تقسيمه بين الأبناء والأبوين هو ثلثين للأبناء وثلث للأبوين.

الأبناء ...... ثلثان
الأبوين ..... ثلث

فمن خلال هذا المقطع يمكن أن نستنتج أن هناك شيء متكامل وهو ثلاثة أثلاث هذه الثلاثة أثلاث توزع بينهما بهذا الشكل ثلثان و ثلث. هذه الحالة المثالية.

الوِرثة :
نكمل المقطعين التاليين من الآية الشريفة (11)، ونذكر مرة أخرى أننا نقرأهما في سبيل التحقق ورغبة في إظهار قيمة الحالات الثلاث الأخيرة.
" ولأبويه لكل واحد منهما السدس إن كان له ولد
فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلإمه الثلث
فإن كان له إخوة فلأمه السدس "
نريد أن نركز في المقطع التالي : " فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلإمه الثلث" ونقول أن هذه الحالة يفقد فيها الأبناء، ويفقد فيها الإخوة أيضاً بدلالة تكملة المقطع التالي. يظهر في المقطع كلمة " وورثه أبواه " وهنا لأننا فقدنا المشاركين في الجزء المتكامل من التركة فقد ظهرت كلمة ورثه أبواه. والآية تتحدث لنا الآن وكأننا رأينا الثلثان والثلث فقالت بشكل مختصر أن الثلث هو للأم ، ويبقى أن نستنتج أن الثلثان الذين كانوا كنسبة للأبناء أصبحوا الآن لصالح الأب.

س: ما هي الورثة ؟
الورثة أكبر جزء من التركة وهي ثلاثة أثلاث خصصت في الأصل للأبناء والأبوين، وتتغير التوزيع فيها حسب تواجد وفقدان أي عنصر من العناصر الثلاثة: الأبناء والآباء والإخوة.
1- " هب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب "
يأخذ أكبر نصيب من تحمل المسؤولية الملقاة على عاتق زكريا،

2- " وعلى الوارث مثل ذلك "
على الرغم من أن الزوجة قد تكون أحد الورثة إن لم تكن مطلقة، والابن الذي يرضع هو أيضاً أحد الورثة، ولكن الوارث هنا هو الذي ورث مسؤولية الميت.

وفي المال الذي يأخذ أكبر جزء منه يعد وارثاً له، حتى وإن وجد من ينافسه فيه ويأخذ جزءاً منه.

نعود الآن للآيات لنأخذ منها مفهوم الورثة في التركة المادية، ونأخذ مقطعاً من آية (12) ولا زال الأمر من أجل إيجاد النسب التي لم تذكر للأبناء بصورة عامة، وليس من أجل فهم المقاطع نفسها.

" وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس"
ذكرت كلمة الورثة هنا مرة أخرى ولكن في سبيل تغطية نسبة الأبوين لغيابهما، فالميت في هذه الحالة له جزء كبير من التركة يسمى ورثة ولكن نصيب الأبوين سيكون للأخوة كبديل عنهما، وبهذا فالتركيز على هذا الثلث لوجوده كجزء من الورثة، ويبقى أن نفهم أن الجزء الآخر هو الثلثان وهو مخصص للأبناء.

والآن ننطلق للآية الأخيرة آية (176) والتي ذكرت نفس مضمون معنى الورثة في حالة غياب الأبوين وغياب الأبناء معاً ووجود الإخوة.
" يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرء هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك، وهو يرثها إن لم يكن لها ولد"
وبالنظر لما فهمناه من وجود جزء مخصص في التركة يسمى ورثة، فإن الأخ في هذه الحالة استحوذ على ورثة اخته فأخذ ثلثي الأبناء لأنهم ليسوا موجودين، وثلث الأبوين لأنهما ليسوا موجودين أيضاً، وعبر عن هذه الكتلة الكاملة بأنها ورثة يأخذها الأخ.

نعود الآن إلى الحالات الثلاث مفقودة النسب لنملأها بالثلثان، ونكتب في الحالة المثالية التي يوجد فيها أبوان فلهما الثلث بالتساوي، وللأبناء الثلثان بالشكل بالاستثناءات المذكورة في أول المقطع وهي :
1- بنات فقط .................... ثلثا
2- أنثى واحدة فقط ............ النصف
3- ذكر واحد فقط .............. ؟ ثلثان
4- ذكور فقط ................... ؟ ثلثان
5- ذكور وإناث ................. ؟ ثلثان

ولكن السؤال هو: ما هو الفرق بين الثلثان المخصص للبنات فقط، والثلثان الذي استنتجناه للحالات الثلاث.

الدرس الثالث :

نتوقف عند
------------------------------------------------------------------------------
الآية | الأبناء | الأبوين | الإخوة
-------------------------------------------------------------------------------
فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلإمه الثلث | × | ثلث للأم وثلثان للأب | ×

--------------------------------------------------------------------------------

فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ماترك | ثلثان | |
-------------------------------------------------------------------------------
نستنتج مما سبق أن :
التركة تجزء إلى جزئين 1- الوِرثة 2- الزوج أو الزوجة
الوِرثة : هي أكبر جزءمن التركة وهي ثلاثة أثلاث توزع على عنصرين من ثلاثة عناصر
أ- الأبناء كعنصر أساسي ويأخذون ثلثين وتوزع على أساس للذكر مثل حظ الأنثيين
ب- الأبوين كعنصر أساسي ويأخذان ثلث وتوزع عليهما بالتساوي
ج- الإخوة كبديل عند غياب أي من العنصرين السابقين

وفي حال وجود عنصر واحد فقط من العناصر الثلاثة واختفاء عنصرين آخرين تكون الورثة ثلثين زائداً ثلث وتساوي ثلاثة أثلاث أي واحد وتوزع على أساس للذكر مثل حظ الأنثيين :
-------------------------------------------------------------------------
العنصر | ثلثان | ثلث | المجموع
-------------------------------------------------------------------------
الأبوان
-------------------------------------------------------------------------
الأب فقط ثلثان + ثلث = 1
-------------------------------------------------------------------------
الأم فقط ثلثان + ثلث = 1
-------------------------------------------------------------------------
الأب و الأم الأب ثلثان + الأم ثلث = 1
-------------------------------------------------------------------------
الأبناء
------------------------------------------------------------------------
ذكر واحد فقط ثلثان + ثلث = 1
------------------------------------------------------------------------
ذكور فقط ثلثان + ثلث = 1
------------------------------------------------------------------------
ذكور وإناث ثلثان + ثلث = 1
------------------------------------------------------------------------
إناث فقط ثلثان " فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ماترك"
--------------------------------------------------------------------------
انثى واحدة فقط نصف " وإن كانت واحدة فلها النصف "
--------------------------------------------------------------------------
الإخوة فقط
---------------------------------------------------------------------------
أخ ثلثان + ثلث = 1 " وهو يرثها إن لم يكن لها ولد "
---------------------------------------------------------------------------
إخوة فقط 1
---------------------------------------------------------------------------
اثنتين فقط ثلثان " وإن كانت اثنتين فلهن ثلثا "
----------------------------------------------------------------------------
ذكور وإناث ثلثان + ثلث = 1 " وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء فللذكر مثل"
---------------------------------------------------------------------------
اخت واحدة فقط نصف " فلها نصف ماترك "
--------------------------------------------------------------------------

هنا تم توزع ثلاثة أثلاث على عدة حالات
الأبوين وفيها يمكن أن يرثا كامل الورثة وقد توزعت كما رأينا عليهما على أساس للذكر مثل حظ الأنثيين، ونفس القاعدة تطبقت على الأبناء ، وتحققت نفس القاعدة على الإخوة حيث أصبحوا كأنهم أبناء لأن الأبناء أكثر من حالة، ونعلم أن الإخوة يدخلون كبديل وفي الحالة الأخيرة دخلوا كبديل عن الأبناء، فأخذوا نفس قواعد الأبناء.

س : هل الأم تعتبر كالبنت.
ج : لا لأن القرآن يخصص الحديث عن كل امرأة وشأنها الخاص. لأنه خصص لها الثلث في حالة