مدونة حلمي العلق

شهداء الجيل الأول

 | Writing-the-Quran

مقدمة

تحدثنا في الحلقة السابقة عن شهداء الكتاب، بعد أن عرفنا الفارق بين الشاهد والشهيد، فالشهيد يحمل أمانة يجب أن يؤديها إذا طلبت منه، وقلنا بأن للكتاب السماوي شهداء، هم أولئك الذين يعلمون مافي الكتاب، ويجب عليهم تبعًا لذلك العلم أن يبلغوه حين يكون التبليغ واجبًا ، وإدلاؤهم بالعلم يعد شهادة. و وجدنا في الآيات التي درسناها في الحلقة السابقة عن شهداء الكتاب أنها تتحدث عن شهداء في جيل متأخر عن نزول التوراة، والبعض منهم أدى ما عليه من أمانة ولكن البعض الآخر خانها ولم يؤدها على وجهها، فاستحق بذلك عقاب الله.

بعد هذا الفهم حول علاقة مسمى "الشهداء" بالكتاب السماوي ننتقل لفهم الموضوع من ناحية ما يخص رسالة القرآن الكريم، وعند دراسة الآيات نجد تخصيص هذا المسمى لفئة محددة من المؤمنين الذين عاصروا الرسالة، ونفهم كذلك أن لهذه الطبقة أهمية عن بقية الأجيال اللاحقة، فشهداء التوراة سموا كذلك على الرغم من أن بعضهم لم يؤدها، فمنهم من لم يتمسك به رغم ما يعلمون منه، لكننا وعلى عكس من ذلك سنجد أن الذين سمّوا بالشهداء من المؤمنين برسالة القرآن وفي الفترة التي وافقت تنزيله لم يأخذوا هذا المسمى إلا باستحقاق، فهم الطبقة التي مرت بمحن واختبارات في الإيمان، وأثبتوا ومن خلال ثباتهم أنهم متمسكون برسالتهم وبكتابهم المنزل، ولكي نميز هذه الطبقة عن غيرها سنسميهم شهداء الجيل الأول.

نستعرض في هذه الحلقة بعض الآيات التي تحدثت عن شهداء الجيل الأول، وندرس عملية اصطفاءهم من بين بقية المؤمنين الذين آمنوا بالرسول، بعد ثباتهم معه رغم الفتن، قبل ذلك نتحدث عن آخر آية في سورة الحج والتي تحدثت عن علاقة الرسول بهم وعلاقتهم بالرسالة، ثم ندرس أهميتهم في التبليغ وإيصال الرسالة الربانية للناس.

شهداء الجيل الأول

يقول الله عز وجل:

﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ الحج [78]

بالتأمل في الآية، نلحظ أنه خطاب خاص لفئة محددة من المؤمنين الذين آمنوا بالرسالة، والآية المباركة تأمرهم ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾ وهذا أمر خاص بالجهاد في الله، أي في سبيل إعلاء كلمة الله، فإذا كان الخطاب للمقربين من الرسالة، فهو أمر لهم بنصرة الرسول والرسالة، وهذا يشير إلى مهمة خاصة تحملها هذه الفئة، ويؤكد ذلك قوله تعالى ﴿ هُوَ اجْتَبَاكُمْ ﴾، فهي فئة مجتباه ومنتخبة، وهذه الفئة المنتخبة في زمن الرسالة من المؤكد أنها مقربة جدًا من الرسول لما تتمتع به من درجة إيمانية عالية، وتصديق بالرسالة.

﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ لا شيء من هذا الدين يوقعكم في حرج، لا شي من أوامره يجعلكم في ضيق فلا تستطيعون نتيجة لذلك الاستجابة له، أو أن تتعاملوا في الحياة بصورة غير طبيعية بسببه، فأوامر الدين تتسم بالسهولة واليسر، وهكذا هي ﴿ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ﴾ كانت بلا حرج، ولكن مع مرور الزمان زاد فيها أتباعها الأوامر فضيقوا على أنفسهم، وهاقد جاءت رسالة القرآن لكي ترفع ذلك الحرج وتعيد ملة إبراهيم نقية بلا قيود ولا أثقال زائدة. وفي الآية إشارة إلى أبوة إبراهيم (ع)، وهذه الأبوة تحمل معنيين الأول هو معنى الأبوة النسبية، والثاني هو الأبوة الدينية، أما من ناحية النسب فنبي الرحمة محمد (ص) هو وآله من بني إسماعيل، ومن ناحية الدين فنبي الله إبراهيم يقول: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ۝ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ إبراهيم [35]-[36] والتي تعني أن من اتبع نهج نبي الله إبراهيم فهو منه.

﴿ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا ﴾ هو أي نبي الله إبراهيم (ع)، من أطلق على من اتبع الملة اسم المسلمين في زمانه، وكذلك على من سيتبعها ممن يأتي من بعده، وهم المشار إليهم في الآية بقوله "وفي هذا" أي هذا الموقف، وهذا الشأن الذي فيه الرسول، وهذه العبارة توحي أن نبي الله إبراهيم (ع) يعلم من عند الله عز وجل بتحقق هذا الوعد، وأنه سيبعث في أمته رسولًا يتلو على أمته الآيات ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، هو يسميهم المسلمين وهو على علم بذلك الوعد، وهناك من سيؤمن بالرسالة فاولئك هم المسلمون، وفي العبارة إشارة إلى أن هذه الأمة التي هي مع الرسول الآن هي امتداد لتلك الأمة السابقة التي أسلمت في زمن نبي الله إبراهيم (ع).

﴿ لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ هذا المقطع يكشف الغاية التي من أجلها أمرت الآية في بدايتها فئة مجتباة بالجهاد في الله حق جهاده، هي لم تأمر بالجهاد وحسب، ولكنها أمرت بالجهاد كما هو حق الله عز وجل، ثم الآن تبين تلك الغاية: لتكونوا شهداء على الناس، أي لكي تصلوا إلى مرتبة الشهداء على بقية الناس، ونلحظ في هذا المقطع أنه يتحدث عن الشهادة بالتسلسل الترتيبي لإيصال رسالة الله إلى الناس، فالرسول شهيد عليهم كونه يتلقى الوحي من الغيب، والآية تخاطبهم على أساس إن هم – أي المخاطبون في الآية - جاهدوا في الله حق جهاده، كانوا شهداء على الناس، أي حملوا الجزء الثاني من مهمة إيصال الرسالة إلى بقية الناس.

وقد تبين لنا أن الشهيد هو شاهد منتخب يحمل أمانة من جهة إلى جهة أخرى، والآية تقول: "لتكونوا شهداء على الناس" ، فإذا تأملنا في الأمانة التي يحملها الرسول وهو ويشهد بما فيها، لن نجد غير القرآن الكريم، وما أوحى الله عز وجل إليه من آيات بينات، ولكي يوصل الرسول هذه الرسالة إلى بقية الناس فهو بحاجة إلى أمناء مقربين من مصدر الرسالة حتى يتم إيصالها لبقية الناس، ولقد استخدمت الآية عبارة "شهداء على الناس" ولم تستخدم عبارة "شهداء على القرآن" ذلك لأن هذه الفئة تحمل رسالة التوصيل بعد الاستلام من الرسول (ص)، فهم شهداء للقرآن، وبعد إيصاله سيكونون شهداء على الناس كونهم أوصلوا الرسالة، فهم يشهدون عليهم بإيصال الحجة الربانية، وبالمثل فالرسول شهيد على الشهداء كونه بلغهم رسالة الله.

﴿ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ في الخاتمة تعطي الآية الكريمة توجيهات في سبيل الجهاد في الله حق جهاده للوصول إلى مرتبة الشهداء الإيمانية، بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله عز وجل والاعتقاد أنه هو نعم المولى وهو النصير.

من هذا نرى أن الآية الكريمة تشير إلى مرتبة إيمانية لدى فئة خاصة منتخبة من المؤمنين، يطلب منهم أن يجاهدوا في الله حق جهاده، حتى يصلوا إلى مرتبة الشهادة ويقوموا بدور متصل بدور الرسول من خلال تسلسل الشهادة الهرمي الذي يكون رأسه هو النبي محمد (ص)، وتمثل قاعدته الناس، أما هم فيمثلون منطقة الوسط بين الرسول وبين الناس، وهو المعنى الذي أشارت إليه آية من آيات تبديل القبلة في سورة البقرة.

يقول الله عز وجل في حادثة القبلة

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ البقرة [143]

يخاطب الله عز وجل المؤمنين في هذه الآية المباركة في حادثة تبديل القبلة ويقول لهم ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ﴾ الله ومن خلال فتنة تبديل القبلة التي انقلب فيها من انقلب، هو سبحانه الذي جعل هؤلاء المؤمنين أمة وسطا أي أمة واسطة لتبليغ رسالته، أمة تتوسط بين الرسول وبين الناس وبقية الأمم، لنقل كلام الله، ثم تكمل ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾ لتقوموا بواجبكم بالشهادة على الناس بتبليغ القرآن، كما أن الرسول يقوم بواجبه بالشهادة عليكم بنقل الرسالة إليكم.

ثم تبين الآية الكريمة هدف فتنة تبديل القبلة التي حدثت بداية الدعوة في المدينة المنورة ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾ إذ كان الغرض من ذلك هو التمحيص من خلال فرز الفئة المؤمنة بقوة وثبات بهذه الرسالة، ممن ينقلب على عقبية، فتبديل القبلة بالنسبة لبقية الناس ليس بالأمر السهل ﴿ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾، إذ كان هذا الأمر صعبًا ثقيلًا على من لم يكن إيمانه قويًا، ولكنه في نفس الوقت مر بيسر وسهولة لمن كان راسخ الإيمان.

بينت الآية الكريمة الغاية من تبديل القبلة هو فرز المؤمنين، وأوضحت ضرورة أن يكون لهذا الدين فئة منتخبة يسميهم شهداء، وتتحدث عن دورهم وهو أن يكونوا أمة وسطا أي واسطة التبليغ بين الرسول وبين الناس، إذًا هم ليسوا كباقي المؤمنين، ولكنهم فئة من الجيل الأول الذين عايشوا التنزيل بكل تفاصيلة وثبتوا على إيمانهم بعد الامتحانات. ولم تكن تلك الحادثة هي الامتحان الوحيد، فسورة آل عمران تحدثنا عن حادثة أخرى وعن امتحان آخر أشد منه لأنه في ميدان الحرب، والغرض منه هو انتخاب هذه الفئة أيضًا.

يقول الله عز وجل:

﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۝ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ۝ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ آل عمران [139]-[141]

الآيات تطمئن المؤمنين بعد القرح الذي أصابهم من المشركين في معركة أحد، بأنهم هم الأعلون بإيمانهم وتقواهم وتوكلهم على الله، ثم تبين حقيقة المشهد في معركة أحد، وبعد الهزيمة التي مني بها المؤمنون في ذلك اليوم الصعيب، بقولها: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ إن كنتم قد أُصبتم بهزيمة في هذه المعركة، فقد أصيب القوم بما هو مثله من قبل، وتعطي معنى أن الحرب سجال، فقد تَهزِم وقد تُهزم، إنما الأيام دول ﴿ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾، ثم تبين الغاية التي ارادها الله عز وجل من هذه المعركة ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، فقد كشفت تلك الأحداث حقيقة إيمان كل واحد، وبينت صدق ما يدعيه.

ثم تتحدث الآية عن غاية أخرى تتعلق بأمر الرسالة بقولها ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾، فمن خلال هذا القرح الذي مر به المؤمنون تنكشف حقيقة الإيمان، وتبرز الفئة الثابتة، ومن خلال ذلك يتخذ الله من هؤلاء الثابتون فئة الشهداء، إذًا الآية الكريمة تتحدث عن انتخابهم بعد مرورههم باختبار في معركة أحد، ليرتقوا إلى هذه المرتبة.

تختم الآية بقولها ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ لاختصار الغاية من القرح الذي مر به المؤمنون بقولها إنه التمحيص للمؤمنين، ومحق الكافرين فهم إلى زوال. وبهذا نجد أن شهداء الجيل الأول كانوا فئة منتخبة من المؤمنين لأنهم سيقومون بمهمة خاصة تتعلق بتبليغ الرسالة وحفظها، ويبدو من هذه الإمتحانات أنهم يمثلون دورًا هامًا متعلقًا بالرسالة، بل هو امتداد لدور الرسول، بل يمكننا أن نقول بأنهم يمثلون رسل الرسول، ولا بد لمن يمثل الرسول أن يتحلى بأعلى درجات الإيمان والثبات.

بالطبع فإن كلمة رسول تتخذ معاني مختلفة، وقد لا تشير في بعض استخداماتها لنفس المقام الذي يتمتع به الأنبياء، كما في الآية الكريمة ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ يوسف [50]، فهذه الآية استخدمت لفظة الرسول، لا لكي تعبّر عن مقام النبوة ولكن لكي تعبّر عن وظيفة يقوم بها هذا الإنسان من قبل الملك، فهو رسول الملك. في موضوعنا والمتعلق بالشهداء صورة مشابهه، إذ يمكن أن نطلق عليهم رسل الرسول، ولأن الموضوع متعلق برسالة الله عز وجل فهو من يختارهم، نقف أمام آية كريمة تتحدث عن اجتباء "رسل" حسب تعبير القرآن الكريم في زمن الرسالة بعد المرور بامتحانات الإيمان، الأمر الذي يترجح ومن خلال هذه الدراسة أنهم شهداء الكتاب من الجيل الأول.

يقول الله عز وجل في نهايات سورة آل عمران

﴿ وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝ إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ۝ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ آل عمران [176]-[178]

الآيات الكريمة تتحدث عن فترة تقلب فيها المجتمع المؤمن، وبدأت طائفة منهم تسارع في الكفر، وانقلبوا على أعقابهم بعد أن كانوا مؤمنين، في هذه الأجواء المشحونة بالفتن والتقلبات، يتحدث الله عز وجل إلى المؤمنين الخواص بانتخاب جديد، وهو ما تتحدث عنه الآية [179].

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ آل عمران [179]

في الآية الكريمة مخاطبون ومشار إليهم، أما المشار إليهم، فهم المؤمنين، ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ ﴾ونفهم من لفظة "المؤمنين" عموم المؤمنين لا خواصهم، أما المخاطبون بقوله "أنتم" والذي يمكن أن نفهم منها خواص المؤمنين المقربين من الرسول والرسالة، أما نص الآية فهو يقول بأنه ماكان الله ليدع الوضع على ما هو عليه من اشتباه عوام المؤمنين في الفئة الخاصة والقريبة من الرسول وهي المشار إليها في الآية بـ "ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ"، حتى يميز الخبيث من الطيب من هذه الفئة الخاصة، وهذا بدوره يبين أهمية هذه الفئة وتأثيرها في المجتمع المؤمن، فإذا تبين لعوام المؤمنين ذلك، كان ذلك حجة عليهم في اتباع من هو أهل للاتباع.

ثم تكمل الآية بقولها ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ﴾ متممة الخطاب للخواص من المؤمنين، بأن الله عز وجل لم يكن ليطلعكم على ما سيكون في مستقبل الأيام، فذلك غيب لا يطلعكم عليه، ويبدو من هذه المقدمة أن أمرًا آخر يخصهم قد حصل لهذه الفئة بعد أن ميز الله الخبيث من الطيب منهم، فقد فهمنا أن الله ميّز لعموم المؤمنين من هو الطيب منهم، أما الآن فيبيّن لهؤلاء الطيبون أنهم كانوا لا يعلمون ما الذي سيكون لهم بعد إيضاح طيبتهم للعوام، فثمة انتخاب آخر منهم ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ فقد انتخب من الطيب من تسميهم الآية رسلًا، أي أن الله يجتبي من جنس الرسل من يشاء من عباده الطيبين، فالرسل هنا هم أطيب الطيبون من المؤمنين. تختم الآية الكريمة بقولها ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾.

الخاتمة

تبين لنا ومن خلالها ثلاث آيات أهمية الشهداء في الدين من الجيل الأول المعاصرين للتنزيل المجيد. الآية الأولى في نهاية سورة الحج والتي خاطبت فئة مؤمنة قوية الإيمان وتوصيها أن تجاهد في الله حق جهاده حتى لتتأهل لتكون من الشهداء . أما في تبديل القبلة فقد رأينا كيف أن هذه الفتنة فرزت الثابتين من المؤمنين، ليتحملوا المسؤولية وليكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليهم شهيدًا، أما في آيات معركة أحد والتي مني فيها المؤمنون بهزيمة موجعة، فقد بينت إحدى آيات سورة آل عمران التي تحدثت حول هذا الموضوع أن الأيام دول، وأن لله عز وجل حكمته في أن تجري الأمور ليتخذ من الثابتين في هذه المواقف شهداء.

إذًا موضوع الشهداء حاضر وبجلاء في الآيات الكريمة، وبالخصوص شهداء الجيل الأول المعاصرون للتنزيل والذين تم انتخابهم بعد مرورهم بفتن وامتحانات، فإذا ربطنا ذلك بشهداء الكتاب الذي فهمناه بالحلقة السابقة، فقلنا أنهم هم المقصودون، وإذا ربطنا ذلك بآية اجتباء الرسل في سورة آل عمران، والتي كشفت أن الله عز وجل اجتبى رسلًا من الطيبين من المؤمنين، فإن الصورة تكتمل لتصبح أن أولئك الرسل لم يكونوا سوى رسل الرسول الذين حملوا أمانة إيصال الرسالة بعد أن تصل إليهم منه عن الله عز وجل.