الحدث المشهود
| Writing-the-Quran# مقدمة
هناك أحداث تاريخية تؤثر على الناس حين حدوثها، ويشهدها عدد كبير من المعاصرين لها، فتصبح من الأحداث اليقينية التي لا يمكن التشكيك في وقوعها لكثرة الشاهدين عليها، وتنتقل تلك الصفة على ذلك الحدث عبر الأجيال ويتحول إلى حدث معلوم، وذلك بسبب عدد الناس الذين وقفوا أمام ذلك الحدث وتأثروا به، كالفيضانات، أو الأحداث الكارثية أو حتى بعض الوقائع الكبيرة والتي تتحول إلى نقطة مرجعية في التاريخ، فترى الناس تسمي العام باسمها وتؤرخ الأحداث بعدها بمرجعيتها، كما قيل عن عام الفيل، أو عام الهجرة النبوية وغيرها، تلك الأحداث يمكننا أن نسميها أحداثٌ مشهودة، أي أن عدد الذين شهدوها ويشهدون عليها في زمن وقوعها يفوق العدد المطلوب للتوثق من شيء ما.
تحدثنا في الحلقة السابقة عن التعريف الاجتماعي للقرآن وقلنا بأنه وصية الله الباقية، أي الوصية التي أبقاها الله لبني البشر حتى يستقيموا على نهجه القويم، أما في هذه الحلقة فنتحدث عن تنزيل القرآن، وعن مستوى هذا الأمر في زمن الرسالة كحدث تاريخي، حيث اكتسب ذلك الحدث مكانة في ذلك الزمان استمرت ليومنا هذا، إذ لم يكن القرآن الكريم كتابًا عاديًا كبقية الكتب البشرية، لا من حيث كونه معجزة ربانية، أو كونه اشتمل على إخبارات لا يقدر بشر على الإتيان بها ولكن من حيث كيفية وصوله للناس وتأثرهم به وتفاعلهم معه.
لقد أثر القرآن الكريم في المجتمع الذي نزل فيه تأثيرًا كبيرًا أثناء تنزيله، وتسبب ذلك التنزيل في انقسامات اجتماعية وسياسية كبيرة، وبسببه هاجرت مجموعة مؤمنة من منطقة سكناها إلى منطقة أخرى، وشنت الحروب والغارات، وتحمل في سبيله الرسول (ص) ومن آمن معه العناء، وأعباء كثيرة نتيجة لتبليغه تلك الرسالة الربانية وما احتوت من أحكام وعقائد وحقائق أخرى أثارت حفيظة الكثير من القرشيين الذين اعتبروه كذبًا وسحرًا، واعتراض الكثير من علماء أهل الكتاب الذين أتوا لمجادلة النبي في حقائق دينية كثيرة منها حقيقة نبي الله عيسى (ع)، أو ما أثارته بعض الأحكام كاتجاه القبلة أو أحكام الطعام.
الكتاب البشري يصل ويتم تداوله بعد أن يفرغ كاتبه من إتمام سطوره، لكننا حين نتحدث عن القرآن وعلى خلاف كل تلك الكتب البشرية نجد أنه ليس مجرد كتاب خطت سطوره في زاوية معزولة عن الواقع الاجتماعي، بل نجده حدثًا هامًا استمر قرابة الثلاثة والعشرون عامًا ظل يتنزل على الرسول ويصل إلى الناس تباعًا، فأثر فيهم أثرًا بالغًا، وكانت الناس في زمن تنزيله تتبع أنباءه وتتقصى أخباره على مختلف مستوياتهم الإيمانية وانتماءاتهم العقائدية، لذا يمكننا أن ننظر للقرآن من زاوية أخرى على أنه حدث اجتماعي كبير استمر لحقبة من الزمان شهدها الناس الذين عاصروا ذلك التنزيل، فسور القرآن وآياته وكلماته كانت تنتشر ويتم تناقلها بين عدد كبير في الأوساط الاجتماعية آنذاك، منهم المؤمن و المنافق والكافر الجاحد بهذه الرسالة.
هذا التنزيل المتعاقب على مدى هذه السنوات جعل من القرآن حدثًا مميزًا يتصدر الأحداث التاريخية في زمانة، شهد تنزيله وأحداثه الكثير من الناس، ولا يمكن من هذه الناحية أن نقارنه ببقية الكتب البشرية، فتلك الكتب لم تحفل بشهادة جمع من الناس في كل فصل من فصوله وخلال حقبة من الزمان كما حفل كتاب الله، بل إن الكتب الأخرى لم تكن حدثًا مشهودًا في أصلها كما هو القرآن الكريم.
إذًا يمكننا أن نقول أن القرآن ليس كتابًا فقط، فهو من الناحية التاريخية حدث ديني اجتماعي كبير شغل المجتمع العربي وغير العربي في زمانه، ولم يكن مخصوصًا بحيث تعلمه فئة مختصة من الناس و قد لا يعلمه أحد، بل هو من ضمن الأحداث الهامة التي غيّرت مجرى التاريخ، نستعرض في هذه الحلقة عددًا من الشواهد القرآنية التي تثبت اتساع دائرة هذا الحدث لعموم الناس إثباتًا لهذا التصنيف ولهذا المسمى، ونبيّن ذلك الاتساع على المديات المختلفة، على المجتمع المؤمن والكافر ، وأخيرًا على مستوى جزيرة العرب آنذاك، وقبل ذاك نبدأ بآية تبين أن القرآن نزل على فترة من الزمان بالنسبة للناس تباعًا حسب الأحداث وأنه لم يأتهم جملة واحدة.
# الحدث المشهود
# أولًا : نزول القرآن على فترات متباعدة
يقول الله عز وجل :
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً ﴾ الفرقان [32]
الآية تتحدث عن نظرة الذين كفروا لكيفية تنزيل القرآن الكريم، ويعترضون عليها ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ﴾ استخدام لفظة "لولا" تعني أن الجملة التي بعدها لم تحدث، أي أن القرآن لم ينزل على الرسول جملة واحدة فلم هذا؟ والمتحدثون هم الذين عايشوا فترة التنزيل، ويتحدثون عن القرآن بمعرفة عنه لأنه واقع معاش بالنسبة لهم، ويقولون مشككين في حقيقة صدوره من عند الله: لم ينزّل هذا القرآن على النبي محمد على فترات متباعدة وحسب الأحداث؟ لم لا ينزل كاملًا مرة واحدة ﴿ جُمْلَةً وَاحِدَةً ﴾، فتجيبهم الآية بقول من عند الله عز وجل ﴿ كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً ﴾ أن هذه الطريقة كانت لحكمة منه سبحانه، وكانت سبيلًا لتثبيت فؤادك يا رسول الله في المصاعب التي تمر بك أثناء تبليغ هذه الرسالة.
إذًا تبين لنا أن القرآن الكريم لم ينزل جملة واحدة ككتاب متكامل، بل كان التنزيل على فترات متباعدة وحسب الأحداث الجارية، كما ونلحظ أن الذين كفروا كانوا على اطلاع بطريقة تنزيل القرآن، وبما يتنزل على الرسول من آيات وسور، ولكنهم في موقف الكفر والعناد.
وبعد هذا الإثبات ننتقل لمعرفة كونه حدثًا مشهودًا في ذلك الزمان، وعلى جميع المديات الإيمانية وغير الإيمانية، وأن آياته كانت متداولة ومعلومه في تلك الفترة.
# ثانيًا: القرآن الحدث المشهود
# أ- على مستوى المؤمنين
يزخر القرآن الكريم بمواقف كثيرة تخبر بتداول المجتمع المؤمن للآيات حين التنزيل، وتبين تلك المواقف أن الأوساط الإيمانية كانت تتناقل التنزيل الجديد وتتفاعل معه كل حسب درجة إيمانه، واحدة من تلك الآيات ما ذُكر في سورة محمد والتي وصفت حال المؤمنين وهم ينتظرون نزول الوحي ليتحدث لهم عن الوقائع الجديدة التي يعايشوها، يقول الله عز وجل:
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾محمد [20]-[21]
هذه الآية الكريمة تبيّن أن نزول الآيات يُعد حدثًا مشهودًا في المجتمع المؤمن، حيث يتخابره الناس ويتحدثون عنه، ويتداولون مضامين ما نزل من الآيات، وما فيها من أوامر، الآية المباركة تبيّن كيف كان المؤمنون ينتظرون نزول الوحي ليحكم لهم في بعض القضايا الإيمانية والاجتماعية، يقول الله عز وجل: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ﴾ الآية تتحدث هنا على لسان فئة مؤمنة، هذه الفئة تنتظر نزول سورة في أمر ما، ﴿ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ ﴾، ثم إذا جاء حكمٌ من السماء يقضي بالجهاد والقتال في سبيل الله، ارتعد منه الذين في قلوبهم مرض، ثم تصف الآية نظرات أولئك المرضى إلى الرسول حين سماع تلك الآيات، وكيف ينظرون إليه نظرة الخوف والاضطراب مما تقوله هذه الآيات ومما تأمر به. ثم توصي الآية هذه الفئة من الناس التي تخاف من نزول أوامر جديدة أن يقولوا القول المعروف، وأن يصدقوا الله حين انفاذه بالإرادة والعزيمة.
من هذا نفهم أنه في مرحلة ما كانت الآيات لا تتنزل في الغرف المغلقة، أو الزوايا البعيدة عن الأنظار، فهي تصل إلى فئة واسعة من المؤمنين وإلى مرضى القلوب وإلى المنافقين أيضًا، ويدركون مافيها من حقائق وأوامر ربانية، ويبدو من الآية أن السورة في تلك الفترة إذا نزلت تحدث خبرًا في المجمتع، فالناس تتحدث عنها وتتداول مضامينها، وأمرها مشهور . وهذا ما يؤكد أن القرآن هو حدث مشهود في المجتمع المؤمن بما يتضمنه من فئات إيمانية مختلفة في درجات إيمانها.
لكن القرآن الكريم كحدث تاريخي لم يكن مقتصرًا على الوسط الإيماني فقط، بل كانت رسالته تصل إلى أوساط أخرى حتى الكافرة له والمناوئة للدعوة.
# ب- على مستوى الكفار
يقول الله عز وجل :
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ الأنفال [31]
هذه الآية الكريمة واحدة من آيات سورة الأنفال، وقد تحدثت هذه السورة المباركة عن معركة بدر ومواجهة مشركي مكة، وتنص على أن آيات القرآن الكريم كانت تتلى على المشركين المناوئين والمعارضين للرسالة والمحاربين لها، فقد تتلى عليهم من قبل الرسول مباشرة كونه المبلغ الأول، أو قد تصل إليهم نقلًا عن الرسول (ص) بواسطة أحد المؤمنين، وهذا يعني أن رسالة القرآن كانت تصل إلى الآفاق، فالمشركون أنفسهم كانوا يتداولون ما ينزل على الرسول، يفكرون فيه، ويصدرون عليه أحكامهم، فمنهم من يحكم عليه أنه سحر، ومنهم من يحكم عليه أنه شعر، ومنهم يتهم الرسول بأنه اكتتبه من أهل الكتاب، وهكذا.
الآية المباركة تبين ادعاء بعض المشركين إذا سمع بعض الآيات أنه يستطيع أن يأتي بمثلها ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا ﴾وأن هذا القول ما هو إلا أساطير الأولين، ﴿ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ﴾، وهذا اتهام لكلام الله بأنه مجموعة من الكلمات سطرتها أيادي القدماء، فجاء بها محمد ليدعي بها الرسالة لكي يمتاز برسالته على قومه.
إذًا هذه طائفة من الناس، وصلتها الآيات وسمعتها ووعتها، رغم عدم إيمانها بالرسالة، وهذا يًثبت أن القرآن الكريم كحدث تاريخي وصل تأثيره إلى أبعد من المجتمع المؤمن وأن تداول آياته شمل فئة أوسع من المقربين للرسول والرسالة، بل يمكننا أن نلحظ كذلك وجود رسائل ربانية طُلب من المؤمنين فيها أن تبلغ إلى كافة الناس متمثلة في الشعوب التي كانت تحتضنها مكة المكرمة أيام الحج، ونعلم أن الحج كان قائمًا من أيام نبي الله إبراهيم (ع)، وكانت الناس تمارس هذه الشعيرة سنويًا إلى أن جاءت رسالة النبي محمد متمثلة بنزول القرآن الكريم وواصلت بعدها، نستعرض آيات تخاطب أم القرى وما حولها من القرى في موقف تجتمع فيه الناس في منطقة جغرافية واحدة وفي زمان محدد.
# ج- على مستوى جزيرة العرب وما حولها
نقف الآن أمام آية تأمر النبي والمؤمنين أن يبلغو رسالة خاصة للناس في ذلك التجمع السنوي الكبير، وهي الآيات التي أمرت بالبراءة من المشركين، وقد أمرت بتبليغها لكافة الناس في يوم الحج الأكبر، أي في يوم يكون فيه الاجتماع الأكبر للحجيج، وأن يُعلنوا ما أمر الله به، يقول الله عز وجل في سورة التوبة:
﴿وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ التوبة [3]
هذا أذان، أي إعلان لآلاف البشر في الحج، تصلهم هذه الرسالة الربانية ذات المضامين الهامة وهي البراءة من هذه الفئة وهم المشركون، وهذا العدد من الناس إذا سمعوا هذا الإعلان وكذلك هذه الآيات وما تحمل من مضامين، سيكونون وسيلة لنقل ذات الإعلان وذات الآيات إلى الآخرين، كل حسب موقعه حين يرجع من الحج، وإذا علمنا أن الحجاج يأتون للمسجد الحرام من كل فج عميق، فهم سيشملون بإعلانهم مساحة واسعة من جزيرة العرب وما حولها، وهذا يعني أن هذه الآيات وكذلك أخبار القرآن تصل إلى منطقة جغرافية واسعة.
# خاتمة
تعرفنا على طبيعة تنزيل القرآن الكريم من الناحية الزمانية وفهمنا أنها متفرقة وعلى مكث وفي فترة من الزمن، ووجدنا أن تنزيل القرآن من الناحية التاريخية كان حدثًا مشهودًا شهد تنزيله واستمع إليه حسب المناسبة والمشهد عدد كبير من الناس، ويتم تداول ما نزل من سوره من قبل المسلمين وغيرهم، وهذا ما يدعونا لتصنيفه من الناحية التاريخية كحدث مشهود، فقد عاصر الناس بعمومهم ارهاصات تنزيله وأحداث ذلك التنزيل. هذا الفهم لطبيعة تنزيل القرآن يجعلنا ندرك اختلافه عن غيره من الكتب البشرية، ويهيئنا لفهم كيفية حفظه من التبديل أو التغيير على أساس قاعدة اللطف الإلهي.